الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا على الغُرَمَاءِ اليَمِينُ، فهو على جَمِيعِهم، فإن حَلَفُوا أَخَذُوا، وإن نَكَلُوا قُضِىَ لِلْمُدَّعِى بما ادَّعَاهُ، إلَّا أن نقولَ بِرَدِّ اليَمِينِ، فَتُرَدُّ على المُدَّعِى، فيَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ، وإن حَلَفَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، أخَذَ الحالِفُ نَصِيبَه، وحُكْمُ النَّاكِلِ ما ذَكَرْنَاهُ.
فصل:
وإن أقَرَّ المُفْلِسُ أنَّه أعْتَقَ عَبْدَه منذُ شَهْرٍ، وكان العَبْدُ قد اكْتَسَبَ بعدَ ذلك مَالًا، وأنْكَرَ الغُرَمَاءُ، فإن قُلْنا: لا يُقْبَلُ إقْرَارهُ. حَلَفُوا، واسْتَحَقُّوا العَبْدَ وكَسْبَه. وإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرَارُه. لم يُقْبَلْ فى كَسْبِه، وكان لِلْغُرَمَاءِ أن يَحْلِفُوا أَنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّه أعْتَقَهُ قبلَ الكَسْبِ، ويَأْخُذُونَ كَسْبَهُ، لأنَّ إقْرَارَه إنَّما قُبِلَ فى العِتْقِ دُونَ غيرِه لِصِحَّتِه منه، ولِبِنَائِه على التَّغْلِيبِ والسّرَايَةِ، فلا يُقْبَلُ فى المالِ، لِعَدَمِ ذلك فيه، ولأنَّنا نَزَّلْنَا إقْرَارَه مَنْزِلَةَ إعْتَاقِه فى الحالِ، فلا تَثْبُتُ له الحُرِّيَّةُ فيما مَضَى، فيكونُ كَسْبُه مَحْكُومًا به لِسَيِّدِه، كما لو أقَرَّ بِعِتقِه، ثم أقَرَّ له بِعَيْنٍ فى يَدِه.
فصل: فإن كان المَبِيعُ أَرْضًا فَبَنَاهَا المُشْتَرِى، أو غَرَسَها، ثم أفْلَسَ، فأرَادَ البَائِعُ الرُّجُوعَ فى الأَرْضِ، نَظَرْتَ؛ فإن اتَّفَقَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ على قَلْعِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، فإذا قَلَعُوهُ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فى أَرْضِه؛ لأنَّه وَجَدَ مَتَاعَه بِعَيْنِه. قال أصْحابُنا، ويَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ قبل القَلْعِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّه حتى يُوجَدَ القَلْعُ؛ لأنَّه قبلَ القَلْعِ لم يُدْرِكْ مَتَاعَهُ إلَّا مَشْغُولًا بمِلْكِ المُشْتَرِى، فأشْبَهَ ما لو كانت مَسَامِيرَ فى بَابِ المُشْتَرِى. فإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. فقَلَعُوهُ، لَزِمَهُم تَسْوِيَةُ الأرْضِ من الحَفْرِ، وأرْشِ نَقْصِ الأرْضِ الحَاصِلِ به؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِ المُفْلِسِ، فكان عليه، كما لو دَخَلَ فَصِيلُه دَارَ إنْسَانٍ وكَبِرَ، فأرَادَ صَاحِبُه إخْرَاجَهُ، فلم يُمْكِنْ إلَّا بِهَدْمِ بَابِها، فإنَّ البَابَ يُهْدَمُ لِيَخْرُجَ، ويَضْمَنُ صَاحِبُه ما نَقَصَ، بِخِلَافِ ما إذا وَجَدَ البائِعُ عَيْنَ مَالِه نَاقِصَةً. فرَجَعَ فيها، فإنَّه لا يَرْجِعُ فى النَّقْصِ؛ لأنَّ النَّقْصَ كان فى مِلْكِ المُفْلِسِ، وهنا حَدَثَ بعدَ رُجُوعِه فى العَيْنِ، فلهذا ضَمِنُوه، ويَضْرِبُ بالنَّقْصِ مع الغُرَمَاءِ. وإن قلنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ.
لم يَلْزَمْهُم تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، ولا أَرْشُ النَّقْصِ، لأنَّهم فَعَلُوا ذلك فى أرْضِ المُفْلِسِ قبلَ رُجُوعِ البائِعِ فيها، فلم يَضْمَنُوا النَّقْصَ، كما لو قَلَعَهُ المُفْلِسُ قبلَ فَلَسِه، فأمَّا إن امْتَنَعَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ من القَلْعِ، فلهم ذلك، ولا يُجْبَرُونَ عليه، لأنَّه غَرْسٌ بِحَقٍّ. ومَفْهُومُ قوله عليه السلام:"لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ"(20). أنَّه إذا لم يكُنْ ظالمًا فله حَقٌّ. فإن بَذَلَ البائِعُ قِيمَةَ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، ليكونَ له الكُلُّ. أو قال: أنا أقْلَعُ، وأضْمَنُ ما نَقَصَ. فإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. فله ذلك؛ لأنَّ البِنَاءَ والغِرَاسَ حَصَلَ فى مِلْكِه لغيرِه بِحَقٍّ، فكان له أخْذُه بِقِيمَتِه، أو قَلْعُه. وضَمَانُ نَقْصِه، كالشَّفِيعِ إذا أخَذَ الأَرْضَ وفيها غِرَاسٌ وبِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِى، والمُعِيرِ إذا رَجَعَ فى أرْضِه بعدَ غَرْسِ المُسْتَعِيرِ. وإن قُلْنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ بِنَاءَ المُفْلِسِ وغَرْسَه فى مِلْكِه، فلم يُجْبَرْ على بَيْعِه لهذا البَائِعِ، ولا على قَلْعِه، كما لو لم يَرْجِعْ فى الأَرْضِ. فأمَّا إن امْتَنَعَ البائِعُ من بَذْلِ ذلك، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ له الرُّجُوعَ. وهو القولُ الثانى لِلشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، وفيه مَالُ المُشْتَرِى على وَجْهِ التَّبَعِ، فلم يَمْنَعْهُ ذلك الرُّجُوعَ، كالثَّوْبِ إذا صَبَغَهُ المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّه لم يُدْرِكْ مَتَاعَهُ على وَجْهٍ يمكنُه أخْذُه مُنْفَرِدًا عن غيرِه، فلم يكُنْ له أَخْذُه، كالحَجَرِ فى البِنَاءِ، والمَسَامِيرِ فى البَابِ، ولأنَّ فى ذلك ضَرَرًا على المُشْتَرِى والغُرَمَاءِ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه لا يَحْصُلُ بالرُّجُوعِ هاهُنا انْقِطَاعُ النِّزَاعِ والخُصُومَةِ، بخِلَافِ ما إذا وَجَدَها غيرَ مَشْغُولَةٍ بشىءٍ. وأمَّا الثَّوْبُ إذا صَبَغَهُ، فلا نُسَلِّمُ أن له الرُّجُوعَ، فهو كمَسْأَلَتِنَا، وإن سَلَّمْنَا فالفَرْقُ بينهما من وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الصِّبْغَ تَفَرَّقَ فى الثَّوْبِ، فصَارَ كالصِّفَةِ فيه، بخِلَافِ البِنَاءِ والغَرْسِ، فإنَّه أعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ، وأصْلٌ فى نَفْسِه. والثانى، أنَّ الثَّوْبَ لا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ،
(20) أخرجه البخارى، فى: باب من أحيا أرضا مواتا، من كتاب الحرث. صحيح البخارى 3/ 140. وأبو داود، فى: باب فى إحياء الموات، من كتاب الإمارة. سنن أبى داود 2/ 158. والترمذى، فى: باب ما ذكر فى إحياء أرض الموات، من أبواب الأحكام. عارضة الأحوذى 6/ 146. والإمام مالك، فى: باب القضاء فى عمارة الموت، من كتاب الأقضية. الموطأ 2/ 743. والإمام أحمد، فى: المسند 5/ 327.