الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كانت شَمْطاءَ، فسَوَّدَ شَعْرَهَا. وقِياسُهُم يَبْطُلُ بِتَسْوِيدِ الشَّعْرِ، فإنَّ بَياضَه ليس بِعَيْبٍ كالكِبَرِ، وإذا دَلَّسَهُ ثَبَتَ له الخِيارُ، وأمَّا انْتِفاخُ البَطْنِ، فقد يكونُ من الأكْلِ والشُّرْبِ، فلا مَعْنَى لِحَمْلِه على الحَمْلِ، وعلى أنَّ هذا القِياسَ يُخالِفُ النَّصَّ، واتِّبَاعُ قولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أوْلَى. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّما يَثْبُتُ الخِيارُ بِشَرْطِ أن لا يكون المُشْتَرِي عَالِمًا بالتَّصْرِيَةِ، فإنْ كان عَالِمًا، لم يَثْبُتْ له الخِيَارُ. وقال أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَثْبُتُ له الخِيَار في وَجْهٍ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لم يُوجَدْ، وقد يَبْقَى على حالِه، فلم يُجْعَلْ ذلك رِضًى، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا، ثم طَلَبَتِ الفَسْخَ. ولنا، أنه اشْتَراهَا عَالِمًا بالتَّدْلِيسِ، فلم يكن له خِيَارٌ، كما لو اشْتَرَى من سَوَّدَ شَعْرَها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ فلم يَثْبُتْ له الرَّدُّ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه، وبَقاءُ اللَّبَنِ على حالِه نادِرٌ بَعِيدٌ، لا يُعَلَّقُ عليه حُكْمٌ، والأصْلُ الذى قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. ولو اشْتَرَى مُصَرَّاةً فصارَ لَبَنُها عادَةً، واسْتَمَرَّ على كَثْرَتِه، لم يكن له الرَّدُّ. وقال أصْحابُ الشَّافِعِيِّ: له الرَّدُّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّ التَّدْلِيسَ كان مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، فأثْبَتَ الرَّدَّ، كما لو نَقَصَ اللَّبَنُ. ولَنا، أنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لِدَفْع الضَّررِ بِنَقْصِ اللَّبَنِ، ولم يُوجَدْ، فامْتَنَعَ الرَّدُّ، ولأنَّ العَيْبَ لم يُوجَدْ، ولم يَخْتَلِفْ صِفَةُ المَبِيعِ عن حالَةِ العَقْدِ، فلم يَثْبُت التَّدْلِيسُ، ولأنَّ الخِيارَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، ولم يُوجَدْ ضَرَرٌ.
الفصل الثاني
، أنَّه إذا رَدَّ، لَزِمَه رَدُّ بَدَلِ اللَّبَنِ. وهذا قولُ كلِّ من جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ في الشَّرْعِ بِصاعٍ من تَمْرٍ، كما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذى أوْرَدْناه، وهذا قولُ اللَّيْثِ، وإسْحاقَ، والشَّافِعِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ. وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشَّافِعِيَّةِ، إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ من غالِبِ قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعض الحَدِيثِ:"وَرَدَّ معها صاعًا من طَعَامٍ". وفي بعضها: "وَرَدَّ معها مِثْلَ أو مِثْلَى لَبَنِهَا قَمْحًا" فَجَمَعَ بين الأحادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ؛ لأْنَّه غالِبُ قُوتِ البَلَدِ في المَدِينَةِ، ونَصَّ على القَمْحِ؛ لأنَّه غالِبُ قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ. وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فكان مُقَدَّرًا بِقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلفاتِ، وَحُكِىَ ذلك عن ابنِ
أبي لَيْلَى. وحُكِىَ عَن زُفَرَ أنَّه يَرُدُّ صاعًا من تَمْرٍ، أو نِصْفَ صاعٍ من بُرٍّ، بناءً على قَوْلِهِم في الفِطْرَةِ والكَفَّارَةِ. ولَنا، الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الذى أوْرَدْناه، وهو المُعْتَمَدُ عليه في هذه المَسْأَلَةِ. وقد نَصَّ فيه على التَّمْرِ فقال:"إنْ شَاءَ رَدَّهَا وصَاعًا من تَمْرٍ". وفي لَفْظٍ للبخاريِّ: "مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أَمسَكَهَا، وإنْ سَخِطهَا ففى حَلْبَتِهَا صَاعٌ من تمْرٍ"(4) وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، رواه ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"رَدَّهَا (5)، وَرَدَّ صَاعًا من تَمْرٍ لا سَمْرَاءَ" وفِى لَفْظٍ له: "طَعَامًا لَا سَمْرَاءَ" يعنى لا يَرُدُّ قَمْحًا. والمُرادُ بالطَّعَامِ هاهُنا التَّمْرُ؛ لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَيْنِ، مُقَيَّدٌ في الآخَرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. وحَديثُ ابن عُمَرَ مُطَّرَحُ الظاهر بالاتِّفاقِ؛ إذ لا قائِلَ بإِيجابِ مثلِ لَبَنِها أو مِثْلَىْ لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوِى، وخالَفَتْه الأحادِيثُ الصِّحاحُ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وقِياسُ أبي يوسفَ مُخالِفٌ لِلنَّصِّ، فلا يُلْتَفَتُ إليه، ولا يَيْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشَّرْعُ، بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا لِلخُصُومَةِ، ودَفْعًا لِلتَّنازُعِ، كما قَدَّرَ بَدَلَ الآدَمِيِّ وَدِيَةَ أطْرافِه، ولا يمكنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصَّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ، فلذلك أَوْجَبَه، لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هى الأثْمانُ لا التَّمْرُ. الثاني، أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ من الإبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا من تَمْرٍ، مع اختلافِ لَبَنِها. الثالث، أنَّ لَفْظَه لِلْعُمُومِ، فيَتَناوَلُ كلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا، وإنْ أمْكنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ ايجابُ الصَّاعِ؛ لأنَّه القِيمَةُ التى عَيَّنَ الشَّارِعُ إِيجابَها؛ فلا يجوزُ أنْ يَعِدلَ عنها، وإذ قد ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجِبُ أنْ يكونَ الصَّاعُ من التَّمْرِ جَيِّدًا، غيرَ مَعِيبٍ؛ لأنَّه واجِبٌ
(4) الحديث تقدم تخريجه في الصفحة قبل السابقة. وهذا اللفظ أخرجه البخاري، في: باب إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر، من كتاب البيوع. صحيح البخاري 3/ 93. ولفظ مسلم أخرجه، في: باب حكم المصراة، من كتاب البيوع. صحيح مسلم 3/ 1158، 1159.
(5)
سقط من: م.