الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
742 - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَأرَادَ رَدَّهَا، كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا)
يعنى الأمَةَ البِكْرَ إذا وَطِئَها المُشْتَرِى، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ، فرَدَّها، كان عليه أنْ يَرُدَّ معها أرْشَ النَّقْصِ. وعن أحمدَ فى جوازِ رَدِّها رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَرُدُّها، ويَأْخُذُ أرْشَ العَيْبِ. وبه قال ابنُ سيِرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ. قال ابنُ أبى موسى: وهو الصَّحِيحُ عن أحمدَ. والرِّوايَةُ الثّانيةُ، يَرُدُّها، ويَرُدُّ معها شَيْئًا. وبه قال شُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. والواجِبُ رَدُّ ما نَقَصَ قِيمَتَها الوَطْءُ (1)، فإذا كانت قِيمَتُها بِكْرًا عَشْرَةً، وثَيِّبًا ثمانِيَةً، رَدَّ دِينارَيْنِ؛ لأنّه بِفَسْخِ العَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عليه بِقِيمَتِه، بخلافِ أرْشِ العَيْبِ الذى يَأْخُذُه المُشْتَرِى. وهذا قولُ مالِك، وأبى ثَوْرٍ. وقال شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ: يَرُدُّ عُشْرَ ثَمَنِها. وقال سَعِيدُ ابن المُسَيَّبِ: يَرُدُّ عَشْرَةَ دَنانِيرَ. وما قلناه أوْلَى، إنْ شاء اللهُ تعالى. واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ رَدَّها بأنَّ الوَطْءَ نَقَصَ عَيْنَها وقِيمَتَها، فلم يَمْلِكْ رَدَّها، كما [إذا](2) اشْتَرَى عَبْدًا فخَصاهُ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُه. ولَنا، أنَّه عَيْبٌ حَدَثَ عندَ أحَدِ المُتَبايِعَيْنِ لا لِاسْتِعْلامٍ (3)، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالعَيْبِ الحادِثِ عندَ البائِعِ قبلَ القَبْضِ.
فصل:
وكُلُّ مَبِيعٍ كان مَعِيبًا، ثم حَدَثَ به عندَ المُشْتَرِى عيبٌ آخَرُ، قبلَ عِلْمِه (4) بالأوَّلِ، فعن أحمدَ رحمه الله فيه رِوايَتانِ، إحْدَاهما، ليس له الرَّدُّ، وله أرْشُ العَيْبِ القَدِيمِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشَّافِعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن ابن سِيرِينَ، والزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الرَّدَّ يَثْبُتُ (5) لِإزالَةِ الضَّرَرِ،
(1) فى م: "بالوطء".
(2)
تكملة يقتضيها المعنى.
(3)
فى م: "للاستعلام".
(4)
سقط من: م.
(5)
فى م: "ثبت".
وفى الرَّدِّ على البائِعِ إضرارٌ به، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. والثّانيةُ، له الرَّدُّ، ويَرُدُّ أرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عندَه، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ. وإنْ شاء أمْسَكَهُ، وله الأرْشُ. وبهذا قال مالِكٌ وإسْحاقُ. وقال النَّخَعِىُّ، وحَمّادُ ابن أبى سليمانَ: يَرُدُّهُ ونُقْصانَ العَيْبِ. وقال الحَكَمُ: يَرُدُّه. ولم يَذْكُرْ معه شَيْئًا. ولنا، حَدِيثُ المُصَرّاةِ؛ فإنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِرَدِّهَا بَعْدَ حَلْبِها، ورَدِّ عِوَضِ لَبَنِها (6). واحْتَجَّ أحمد بأنّ عثمانَ بن عَفانَ رَضِى اللَّه عنه قَضَى فى الثَّوْبِ، إذا كان به عَوارٌ (7)، بِرَدِّه وإنْ كان قد لَبِسَه. ولأنّه عَيْبٌ حَدَثَ عندَ المُشْتَرِى، فكان له الخِيارُ بينَ رَدِّ المَبِيعِ وأرْشِه، وبين أخْذِ أرْشِ العَيْبِ القَدِيمِ، كما لو كان حُدُوثُه لاسْتِعْلامِ المَبِيعِ. ولأنّ العَيْبَيْنِ قد استويا، والبائِعُ قد دَلَّسَ به، والمُشْتَرِى لم يُدَلِّسْ، فكان رِعَايةُ جانِبِه أوْلَى. ولأنَّ الرَّدَّ كان جائِزًا قبلَ حُدُوثِ العَيْبِ الثّانى، فلا يَزُولُ إلّا بدَلِيلٍ، وليس فى المَسْأَلَةِ إجماعٌ ولا نَصٌّ، والقِياسُ إنّما يَكُونُ على أصلٍ، وليس لِمَا ذَكَرُوه أصلٌ، فيَبْقَى الجوازُ بحالِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَرُدُّ أرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عندَه؛ لأنّ المَبِيعَ بجُمْلَتِه مَضْمُونٌ عليه، فكذلك أجزاؤه. وإنْ زالَ العَيْبُ الحادِثُ عندَ المُشْتَرِى، رَدَّه ولا أرْشَ معه، على كِلْتا الرِّوايَتَيْن. وبه قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنّه زالَ المانِعُ، مع قِيامِ السَّبَبِ المُقْتَضِى للرَّدِّ، فثَبَتَ حُكْمُه. ولو اشْتَرَى أمَةً، فحَمَلَتْ عندَه، ثم أصَابَ بها عَيْبًا، فالحَمْلُ عَيْبٌ فى الآدَمِيّاتِ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ لأنّه يَمْنَعُ الوَطْءَ ويُخافُ منه التَّلَفُ. فإنْ وَلَدتْ، فالوَلَدُ للمُشْتَرِى. وإنْ نَقَصَتْها الوِلادَةُ، فذلك عَيْبٌ أيضًا. وإنْ لم تَنْقُصْها الوِلادَةُ وماتَ الوَلَدُ، جازَ رَدُّها؛ لأنّه زالَ العَيْبُ، وإنْ كان وَلَدُها باقِيًا، لم يَكُنْ له رَدُّها دونَ وَلَدِها؛ لأنّ (8) ذلك تَفْرِيقٌ بينَهما، وهو مُحَرَّمٌ. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطّابِ فى "مسائلِهما": له الفَسْخُ فيها، دُونَ
(6) تقدم تخريجه فى صفحة 216.
(7)
العَوَار: مثلثة العين، هو العيب والخَرْق والشّقّ فى الثوب. القاموس المحيط.
(8)
فى الأصل زيادة: "فى".
وَلَدِها. وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. ولأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، فأشْبَهَ ما لو وَلَدَتْ حُرًّا، فإنَّه يَجوزُ بَيْعُها دونَ وَلَدِها. ولَنا، عُمُومُ (9) قولِ النَّبىِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(10). ولأنَّه أمْكَنَ دَفعُ الضَّرَرِ بأخْذِ الأرْشِ، أو بِرَدِّ وَلَدِها معها، فلم يَجُزِ ارْتِكابُ مَنْهِىِّ الشَّرْعِ بالتَّفْرِيقِ بينَهما، كما لو أرادَ الإقالَةَ فيها دُونَ وَلَدِها. وقولُهم: إنّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه. قُلْنا: قد انْدَفَعَتِ الحاجَةُ بأخْذِ الأرْشِ، أمَّا إذا وَلَدتْ حُرًّا، فلا سَبِيلَ إلى بَيْعِه معها بحالٍ. ولو كان المَبِيعُ حَيَوانًا غَيْرَ الآدَمِىِّ، فحَدَثَ به حَمْلٌ عندَ المُشْتَرِى، لم يَمْنَعِ الرَّدَّ بالعَيْبِ؛ لأنّه زِيادَةٌ. وإنْ عَلِمَ بالعَيْبِ بعدَ الوَضْعِ، ولم تَنْقُصْه الوِلادَةُ، فله إمساكُ الوَلَدِ ورَدُّ الأُمِّ؛ لأنّ التَّفْرِيقَ بينَهما جائِزٌ. ولا فَرْقَ بين حَمْلِها قبلَ القَبْضِ، أو بعدَه. ولو اشتَراها حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ثم اطَّلَعَ على العَيْبِ فرَدَّها، رَدَّ الوَلَدَ معها؛ لأنّه مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ، والزِّيادَةُ فيه نَماءٌ مُتَّصِلٌ بالمَبِيعِ، فأشبَهَ ما لو سَمِنَتِ الشّاةُ. فإنْ تَلِفَ الوَلَدُ، فهو كَتَعَيُّبِ (11) المَبِيعِ عندَه. فإنْ قُلْنا: له الرَّدُّ. فعليه قِيمَتُه، إن اختارَ رَدَّ الأمِّ. وعند أحمدَ؛ أنَّه لا قِيمَةَ عليه لِلْوَلَدِ. وحَمَلَه القاضى على أنّ البائِعَ دَلَّسَ العَيْبَ. وإنْ نَقَصَتِ الأُمُّ بالولادَةِ، فهو عَيْبٌ حادِثٌ، حُكْمُه حُكْمُ العُيُوبِ الحادِثَةِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ أحمدَ على أنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له. وهو (12) أحَدُ القَوْلَيْنِ للشّافِعِىِّ. فعلَى هذا يَكُوَنُ الوَلَدُ حِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِى، فلا يَلْزَمُه رَدُّه إنْ كان باقِيًا، ولا قِيمَتُه إن (13) كان تَالِفًا. والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وعليه العَمَلُ، إنْ شاء اللهُ تعالى.
(9) سقط من: الأصل.
(10)
أخرجه الترمذى، فى: باب ما جاء فى كراهية الفرق بين الأخوين. . .، من أبواب البيوع، وفى: باب فى كراهية التفريق بين السبى، من أبواب السير. عارضة الأحوذى 5/ 283، 7/ 61. والدارمى، فى: باب النهى عن التفريق بين الوالدة وولدها، من كتاب السير. سنن الدارمى 2/ 228. والإمام أحمد، فى: المسند 5/ 413، 414.
(11)
فى الأصل: "كتعييب". وهما بمعنى.
(12)
فى م: "وهذا".
(13)
فى الأصل: "إذا".