الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلم يَجُزْ بَيْعُه، كرَجِيعِ الآدَمِىِّ.
فصل:
ولا يجوزُ بَيْعُ الحُرِّ، ولا ما ليس بِمَمْلُوكٍ، كالمُباحاتِ قبلَ حِيازَتِها وَمِلْكِها. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"قَالَ اللهُ عز وجل: ثَلَاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَر أجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أجْرَهُ". رَواه البُخارِيُّ (13).
772 - مسألة؛ قال: (وبَيْعُ الفَهْدِ، والصَّقْرِ المُعَلَّمِ، جَائِزٌ، وكَذَلِك بَيْعُ الهِرِّ، وكلِّ مَا فِيهِ المَنْفَعَةُ)
وجُمْلةُ ذلك، أنَّ كلَّ مَمْلُوكٍ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به، يجوزُ بَيْعُه، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ، مِن الكَلْبِ، وأُمِّ الوَلَدِ، والوَقْفِ. وفي المُدَبَّرِ، والمُكاتَبِ، والزَّيْتِ النَّجِسِ اخْتِلافٌ، نَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تَعالَى؛ لأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ (1) لإِطْلاقِ التَّصَرُّفِ، والمَنْفَعَةُ المُباحَةُ يُباحُ له اسْتِيفاؤُها، فجَازَ له أخْذُ عِوَضِها، وأُبِيحَ لغيرِه بَذْلُ مالِه فيها، تَوَصُّلًا إليها، ودَفْعًا لِحاجَتِه بها، كسائِرِ ما أُبِيحَ بَيْعُه، وسواءٌ في هذا ما كان طاهِرًا، كالثِّيابِ، والعَقارِ، وبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيْلِ، والصَّيُودِ (2)، أو مُخْتَلَفًا في نَجاسَتِه، كالبَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، وجَوارِحِ الطَّيْرِ، التى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، كالفَهْدِ، والصَّقْرِ، والبازِي، والشَّاهِين، والعُقابِ، والطَّيْرِ المَقْصُودِ صَوْتُه، كالهَزَارِ، والبُلْبُلِ، والبَبْغَاءِ، وأشْباهِ ذلك، فكلُّه يجوزُ بَيْعُه. وبهذا قال الشَّافِعِيِّ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العَزِيزِ، وابن أبي موسَى:
(13) في: باب إثم من باع حرا، من كتاب البيوع، وفي: باب إثم من منع أجر الأجير، من كتاب الإجارة. صحيح البخاري 3/ 108، 118.
كما أخرجه ابن ماجه، في: باب أجر الأجراء، من كتاب الرهون. سنن ابن ماجه 2/ 816. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 358.
(1)
سقط من: م.
(2)
الماهر في الصيد. يقال: كلب صيود، وصقر صيود.
لا يجوزُ بَيْعُ الفَهْدِ، والصَّقْرِ، ونحوِهما؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، فَلَم يَجُزْ بَيْعُها، كالكَلْبِ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ أُبِيحَ اقْتِناؤُه، وفيه نَفْعٌ مُباحٌ، من غيرِ وَعيدٍ في حَبْسِه، فأُبِيحَ بَيْعُه (3) كالبَغْلِ، وما ذَكَراه يَبْطُلُ بالبَغْلِ، والحِمارِ، فإنَّه لا خِلافَ في إباحَةِ بَيْعِها، وحُكْمُها حُكْمُ سِباعِ البَهائِمِ في الطَّهارَةِ، والنَّجاسَةِ، وإباحَةِ الاقْتِناءِ، والانتِفاعِ. وأمَّا الكَلْبُ فإنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ على اقْتِنائِه وحَرَّمَه، إلَّا في حال الحاجَةِ، فصارَتْ إباحَتُه ثابِتَةً، بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، بِخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ؛ بِدَلِيلِ قولِ اللهِ تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (4). ولما ذَكَرْنا من المَعْنَى خَرَجَ منه ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ؛ لِمَعانٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا، فبَقِىَ على أصْلِ الإباحَةِ. وأمَّا الهِرُّ، فقال الخِرَقِيُّ: يجوزُ بَيْعُها. وبه قال ابنُ عَبّاسٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ثَمَنَها. وَرُوِىَ ذلك عن أبي هريرةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ. واخْتارَه أبو بكرٍ؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ (5) عن جابِرٍ، أنَّه سُئِلَ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، فقال: زَجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ. وفي لَفْظٍ رواهُ أبو داودَ عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وفي إسْنادِهِ اضْطِرابٌ. ولَنا، ما ذَكَرْنا فيما يُصادُ به مِن السِّباعِ، ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على غيرِ المَمْلُوكِ منها، أو ما لا نَفْعَ فيه منها؛ بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا، ولأنَّ البَيْعَ شُرِعَ طَرِيقًا لِلتَّوَصُّلِ إلى قَضاءِ الحاجَةِ، واسْتِيفاءِ المَنْفعَةِ المُباحَةِ؛ لِيَصِلَ كلُّ واحِدٍ إلى الانْتِفاعِ بما في يَدِ صاحِبِه، ممَّا يُباحُ الانْتِفاعُ به، فيَنْبَغِى أن يُشْرَعَ ذلك فيه؛ لِيَصِلَ
(3) سقط من: الأصل.
(4)
سورة البقرة 275.
(5)
في: باب تحريم ثمن الكلب. . .، من كتاب المساقاة. صحيح مسلم 3/ 1199. وأبو داود، في: باب في ثمن السنور، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 250. والترمذي، في: باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذي 5/ 279، 280.