الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
802 - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَلَمْ يَحْلِفْ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ، ويَسْتَحِقُّوا)
وجملةُ ذلك أنَّ المُفْلِسَ فى الدَّعْوَى كغَيرِه، فإذا ادَّعَى حَقًّا له به شَاهِدُ عَدْلٍ، وحَلَفَ مع شاهِدِه، ثَبَتَ المالُ، وتَعَلَّقَتْ به حُقوقُ الغُرَماءِ. وإن امتنعَ لم يُجْبَرْ؛ لأنَّنا لا نَعلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ، ولو ثَبَتَ الحَقُّ بِشهادَتِه لم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ معه، فلا يُجْبَرُ على الحَلْفِ على ما لا يَعْلَمُ صِدْقَه كغيرِه. فإن قال الغُرَماءُ: نحن نَحْلِفُ مع الشَّاهِدِ. لم يكُنْ لهم ذلك. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ فى الجَدِيدِ، وقال فى القَدِيمِ: يَحْلِفُونَ معه؛ لأنَّ حُقُوقَهم تَعَلَّقَتْ بالمالِ، فكان لهم أن يَحْلِفُوا، كالوَرَثَةِ يَحْلِفون على مَالِ مَوْرُوثِهم. ولنا، أنَّهم يُثْبِتون مِلْكًا لِغَيْرِهم؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ به بعد ثُبُوتِه، فلم يَجُزْ لهم ذلك، كالمَرْأَةِ تَحْلِفُ لإِثْبَاتِ مِلْكٍ لِزَوْجِهَا؛ لِتَعَلُّقِ نَفَقَتِها به، وكالوَرَثَةِ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهم. وفَارَقَ ما بعدَ المَوْتِ، فإنَّ المالَ انْتَقَلَ إليهم، وهم يُثْبِتون بأيْمانِهم مِلْكًا لأَنْفُسِهم.
803 - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ عَلَى المُفْلِسِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ بِالتَّفْلِيسِ، وَكَذَلِكَ فِى الدَّيْنِ الَّذِى عَلَى المَيِّتِ، إذَا وَثَّقَ الوَرَثَةُ)
وجُمْلَتُه أن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يَحِلُّ بفَلَسِ مَن هو عليه، رِوَايَةً واحِدَةً. قالَه القاضِى. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب فيه رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ. وبه قال مالِكٌ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّ الإفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ به الدَّيْنُ بالمالِ، فأَسْقَطَ الأَجَلَ كالمَوْتِ. ولنا، أنَّ الأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فلا يَسْقُطُ بِفَلَسِه، كسَائِرِ حُقُوقِه، ولأنَّه لا يُوجِبُ حُلُولَ ماله، فلا يُوجِبُ حُلُولَ ما عليه، كالجُنُونِ والإغْمَاءِ، ولأنَّه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ على حَىٍّ، فلم يَحِلَّ قبلَ أَجَلِه، كغيرِ المُفْلِسِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ، فهو كمَسْأَلَتِنَا، وإن سَلَّمْنَا، فالفَرْقُ بينهما أنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ وبَطَلَتْ، بِخِلَافِ المُفْلِسِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا حُجِرَ على المُفْلِسِ، فقال أصْحَابُنَا: لا يُشَارِكُ أصْحَابُ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ غُرَمَاءَ الدُّيُونِ الحالَّةِ، بل يُقْسَمُ المالُ المَوْجُودُ
بين أصْحَابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ، ويَبْقَى المُؤَجَّلُ فى الذِّمَّةِ إلى وَقْتِ حُلُولِه، فإن لم يَقْتَسِم الغُرَمَاءُ حتى حَلَّ الدَّيْنُ، شَارَكَ الغُرَمَاءَ، كما لو تَجَدَّدَ على المُفْلِسِ دَيْنٌ بِجِنَايَتِه، وإن أدْرَكَ بعضَ المالِ قبلَ قَسْمِهِ، شَارَكَهم فيه، ويَضْرِبُ فيه بِجَمِيعِ دَيْنِه، ويَضْرِبُ سَائِرُ الغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِم. وإن قُلْنا: إن الدَّيْنَ يَحِلُّ. فإنَّه يَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بِدَيْنِه، كغيرِه من أرْبَابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ. فأما إن مَاتَ وعليه دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، فهل تَحِلُّ بالمَوْتِ؟ فيه رِوَايَتَانِ، إحْدَاهما، لا تَحِلُّ إذا وَثَّقَ الوَرَثَةُ. وهو قول ابن سِيرِينَ، وعبدِ اللهِ بن الحسنِ، وإسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال طَاوُسٌ، وأبو بَكرِ بن محمدٍ، والزُّهْرِىُّ، وسَعْدُ (1) بن إبْراهيمَ: الدَّيْنُ إلى أجَلِه. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بالمَوْتِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسِوَارٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يَبْقَى فى ذِمَّةِ المَيِّتِ، أو الوَرَثَةِ، أو يَتَعَلَّقُ بالمالِ، لا يجوزُ بَقَاؤُه فى ذِمَّةِ المَيِّتِ لِخَرَابِها، وتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِه بها، ولا ذِمَّةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّهم لم يَلْتَزِمُوها، ولا رَضِىَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهم، وهى مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، ولا يجوزُ تَعْلِيقُه على الأَعْيَانِ وتَأْجِيلُه؛ لأنَّه ضَرَرٌ بالمَيِّتِ وصَاحِبِ الدَّيْنِ، ولا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فيه؛ أمَّا المَيِّتُ فلأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال:"المَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِه، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ"(2). وأمَّا صَاحِبُه فيَتَأَخَّرُ حَقُّه، وقد تَتْلَفُ العَيْنُ فيَسْقُطُ حَقُّه. وأمَّا
(1) فى النسخ: "سعيد".
وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، كان قاضى المدينة، وكان ثقة كثير الحديث، توفى سنة خمس وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب 3/ 463 - 465. وحفيده سعد بن إبراهيم بن سعد، ثقة كان على قضاء واسط، توفى سنة إحدى ومائتين. تهذيب التهذيب 3/ 462، 463.
(2)
أخرجه الترمذى، فى: باب ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال نفس المؤمن معلقة. . .، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذى 4/ 297. وابن ماجه، فى: باب التشديد فى الدين، من كتاب الصدقات. سنن ابن ماجه 2/ 806، والدارمى، فى: باب ما جاء فى التشديد فى الدين. من كتاب البيوع. سنن الدارمى 2/ 262. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 440، 475، 508.
الوَرَثَةُ، فإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بالأَعْيَانِ، ولا يَتَصَرَّفُونَ فيها، وإن حَصَلَتْ لهم مَنْفَعَةٌ، فلا يَسْقُطُ حَظُّ المَيِّتِ وصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةٍ لهم. ولَنا، ما ذَكَرْنَا فى المُفْلِسِ، ولأنَّ المَوْتَ ما جُعِلَ مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وإنَّما هو مِيقَاتٌ لِلْخِلَافَةِ، وعَلَامَةٌ على الوِرَاثَةِ، وقد قال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَرَكَ حَقًّا أو مَالًا فَلِوَرَثَتِه"(3). وما ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، ولا يَشْهَدُ لها شاهِدُ الشَّرْعِ باعْتِبَارٍ، ولا خِلَافَ فى فَسَادِ هذا، فعلى هذا يَبْقَى الدَّيْنُ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ كما كان، ويَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِه كتَعَلُّقِ حُقُوقِ الغُرَمَاءِ بمَالِ المُفْلِسِ عند الحَجْرِ عليه. فإن أحَبَّ الوَرَثَةُ أدَاءَ الدَّيْنِ، والْتِزَامَه لِلْغَرِيمِ، ويَتَصَرَّفُونَ فى المالِ، لم يكُنْ لهم ذلك، إلَّا أن يَرْضَى الغَرِيمُ أو يُوَثِّقُوا الحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِىءٍ، أو رَهْنٍ يَثِقُ به لِوَفَاءِ حَقِّه، فإنَّهم قد لا يَكُونُوا أمْلِيَاءَ، ولم يَرْضَ بهم الغَرِيمُ، فيُؤَدِّى إلى فَوَاتِ الحَقِّ. وذَكَرَ القاضى أنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِم، من غير أن يُشْتَرَطَ الْتِزَامُهم له. ولا يَنْبَغِى أن يَلْزَمَ الإِنْسَانَ دَيْنٌ لم يَلْتَزِمْهُ، ولم يَتَعَاطَ سَبَبَهُ، ولو لَزِمَهُم ذلك لِمَوْتِ مَوَرِّثِهم (4) لَلَزِمَهم وإن لم يُخْلِفْ وَفَاءً، وإن قُلْنا: إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ. فأَحَبَّ الوَرَثَةُ القَضَاءَ مِن غيرِ التَّرِكَةِ، واسْتِخْلَاصَ التَّرِكَةِ، فلهم ذلك، وإن قَضَوْا منها، فلهم
(3) أخرجه البخارى، فى: باب الدين، من كتاب الكفالة، وفى: باب الصلاة على من ترك دينا، من كتاب الاستقراض، وفى: باب قول النبى صلى الله عليه وسلم من ترك كلا أو ضياعًا فإلى"، من كتاب النفقات، فى: باب قول النبى صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلأهله، و: باب ميراث الأسير، من كتاب الفرائض صحيح البخارى 3/ 128، 155، 7/ 87، 8/ 187، 193، 194. ومسلم، فى: باب من ترك مالا فلورثته، من كتاب الفرائض. صحيح مسلم 3/ 1237، 1238. وأبو داود، فى: باب فى ميراث ذوى الأرحام، من كتاب الفرائض، وفى: باب أرزاق الذرية، من كتاب الإجارة، وفى: باب فى التشديد فى الدين، من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 111، 123، 221. والترمذى، فى: باب ما جاء فى الصلاة على المديون، من أبواب الجنائز، وفى: باب ما جاء من ترك مالًا فلورثته، من أبواب الفرائض. عارضة الأحوذى 4/ 291، 8/ 239. والنسائى، فى: باب الصلاة على من عليه دين، من كتاب الجنائز. المجتبى 4/ 53. وابن ماجه، فى: باب من ترك دينا أو ضياعا. . .، من كتاب الصدقات، وفى: باب ذوى الأرحام، من كتاب الفرائض. سنن ابن ماجه 2/ 807، 915. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 290، 453، 456، 3/ 296، 371، 4/ 131.
(4)
فى الأصل، أ:"موروثهم".