الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكَذَلِكَ فى مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه. وقال القَاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيَارُ؛ لأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلَاقُ. ولِأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ. فعَلَى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطاعَ الخِيَارِ، إنْ أُكْرِهَ أحَدُهما على فُرْقَةِ صَاحِبِه، انْقَطَعَ خِيَارُ صَاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، وفَارَقَه بغيرِ رِضَاهُ، ويكونُ الخِيارُ لِلْمُكْرَهِ منهما فى المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه فيه الإِكْرَاهُ، حتى يُفارِقَهُ، وإن أُكْرِهَا جَمِيعًا انْقَطَعَ خِيَارُهما؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيَارُه بِفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأَشْبَه ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ من صُوَرِ الإِكْرَاهِ، ما لو رَأَيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِيَاهُ، فهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهما سَيْلٌ أو فَرَّقَتْ رِيحٌ بينهما.
فصل:
وإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إشارَتُه مَقامَ لَفْظِه، فإن لم تُفْهَمْ إشَارَتُه، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قَامَ وَلِيُّه من الأَبِ، أو وَصِيُّه، أو الحَاكِمُ، مَقامَه، وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وإنْ مَاتَ أحَدُهما بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه قَدْ تَعَذَّرَ منه الخِيارُ، والخِيارُ لا يُوَرَّثُ. وأما الباقى منهما فيَبْطُلُ خِيارُه أيضًا؛ لأنَّه يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ، والتَّفَرُّقُ بِالمَوْتِ أَعْظَمُ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَبْطُلَ؛ لأنَّ التَّفَرُّقَ بالأبدَانِ لم يَحْصُلْ. فإنْ حُمِلَ المَيِّتُ بَطَلَ الخِيَارُ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِالبَدَنِ والرُّوحِ مَعًا.
فصل: وقد رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"البَائِعُ والمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أن تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، فلا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أن يسْتَقِيلَهُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والأثْرَمُ، والتِّرْمِذِيُّ (11)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: "إلا أن تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ". يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ
(11) أخرجه النسائي، فى: باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، من كتاب البيوع. المجتبى 7/ 221. والترمذى، فى: باب ما جاء فى البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، من أبواب البيوع. عارضة الأحوذى 5/ 256.
كما أخرجه أبو داود، فى: باب فى خيار المتبايعين، من كتاب البيوع. سنن أبى داود 2/ 245. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 183.
البَيْعَ المَشْروطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفرُّقِهما، ولا يكُونُ تَفَرُّقُهُما غَايَةً لِلْخِيارِ فيه؛ لِكَوْنِه ثَابِتًا بعد تَفَرُّقِهما. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ البَيْعَ الذى شَرَطا فيه أن لا يَكُونَ بَيْنَهما فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ من غيرِ تَفَرُّقٍ. وظاهِرُ الحَديثِ تَحْرِيمُ مُفارَقَةِ أحَدِ المُتَبايِعَيْنِ لِصاحِبِهِ خَشْيَةً من فَسْخِ البَيْعِ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ، فإنَّه ذُكِرَ له فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، وحَديثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، فقال: هذا الآن قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا اختيارُ أبى بَكْرٍ. وذَكَرَ القاضى، أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، جَوازُ ذَلك؛ لأنَّ ابْنَ عُمَرَ كان إذا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُه فَارَقَ صَاحِبَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (12). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَوْلَ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَدَّمُ على فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. والظَّاهِرُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ لم يَبْلُغْهُ هذا، ولو بَلَغَه (13) لما خالَفَهُ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيارَ يَمْتَدُّ إلى التَّفَرُّقِ، ولا يَبْطُلُ بِالتَّخايُرِ قبل العَقْدِ ولا بَعْدَه، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ أكْثَرَ الرِّوَاياتِ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"البَيِّعانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا". من غير تَقْيِيدٍ، ولا تَخْصيصٍ، هكذا رَواهُ (14) حَكيمُ بنُ حِزامٍ، وأبُو (15) بَرْزَةَ، وأكْثَرُ الرِّوَاياتِ عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بِالتَّخايُرِ. اختارَها الشَّرِيفُ ابنُ أبِى موسى، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وهو أَصَحُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[فى حَديِثِ ابْنِ عُمَرَ] (16):"فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهما صَاحِبَهُ، فَتبايَعا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ"(17). يَعْنِى لَزِمَ. وفى لَفْظٍ: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلَّا أنْ يَكُونَ البَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ،
(12) أخرجه البخارى، فى: باب كم يجوز الخيار، من كتاب البيوع. صحيح البخارى 3/ 83. ومسلم، في: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، من كتاب البيوع. صحيح مسلم 3/ 1163، 1164.
(13)
فى م: "علمه".
(14)
فى الأصل: "رواية".
(15)
فى الأصل: "أبى".
(16)
سقط من: الأصل.
(17)
تقدم تخريجه فى: صفحة 10.
فَإنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ". مُتَّفَقٌ عليه (18). والأَخْذُ بِالزِّيادَةِ أولَى. والتَّخايُرُ فى ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه فى المَجْلِسِ وَاحِدٌ، فَالتَّخايُرُ فى ابْتِدَائِه أن يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيارَ بَيْنَنا. ويَقْبَلُ الآخَرُ على ذلك، فلا يَكونُ لهما خِيارٌ. والتَّخَايُرُ بعدَه (19) أن يقولَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضاءَ العَقْدِ، أو إلْزامَه، أو اخْتَرْتُ العَقْدَ، أو أسْقَطْتُ خِيارِى. فَيَلْزَمُ العَقْدُ من الطَّرَفَيْنِ، وإن اخْتارَ أحَدُهُما دون الآخَرِ، لَزِمَ فى حَقِّه وَحْدَهُ، كما لو كان خِيارُ الشَّرْطِ لهما، فأسْقَطَ أحَدُهما خِيارَهُ دُونَ الآخَرِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: فى التَّخايُرِ فى ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلانِ، أظْهَرُهما لا يُقْطَعُ الخِيَارُ؛ لأنَّه إسْقاطٌ لِلْحَقِّ قبل سَبَبِهِ، فلم يَجُزْ، كَخِيارِ الشُّفْعَةِ. فعلى هذا، هل يَبْطُلُ العَقْدُ بهذا الشَّرْطِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ. ولنا، قَوْلُه عليه السلام: "فإن خَيَّرَ أحَدُهُمَا صاحِبَه، فَتبايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ". وقَوْلُه:"إلَّا أن يَكُونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإن كان البَيْعُ عن خِيَارٍ فقد (20) وَجَبَ البَيْعُ"(21). وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَهُ. ولأنَّ ما أثَّرَ فى الخِيارِ فى المَجْلِسِ، أثَّرَ فيه مُقارِنًا لِلْعَقْدِ، كَاشْتِراطِ الخِيارِ. ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْنِ فى البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كَخِيارِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُمْ: إنَّه إسْقاطٌ لِلْخِيارِ قبل سَبَبِهِ. لَيْسَ كذلك، فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ، فأمَّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ
(18) أخرجه البخارى. فى: باب كم يجوز الخيار، وباب إذا لم يوقت فى الخيار هل يجوز البيع، من كتاب البيوع. صحيح البخارى 3/ 83، 84. ومسلم، فى: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، من كتاب البيوع. صحيح مسلم 3/ 1164.
كما أخرجه النسائى، فى: باب ذكر الاختلاف على نافع فى لفظ حديثه، من كتاب البيوع. المجتبى 7/ 218، 219. وابن ماجه، فى: باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه 2/ 736. والإمام أحمد، فى: المسند 2/ 311.
(19)
فى م: "بعد".
(20)
سقط من: م.
(21)
تقدم تخريجه فى: صفحة 16.