الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّ قَبْضَه مُسْتَحَقٌّ، فيُمْكِنُ المُشْتَرِىَ قَبْضُه، ثم يَقْبِضُه. أمَّا البَيْعُ فإنَّه يُفْضِي إلى أن يَرْبَحَ فيما لم يضْمَنْ، وهو مَنْهِىٌّ عنه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُه، لأنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه.
فصل:
وفي رَهْنِ المُصْحَفِ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ رَهْنُه. نَقَلَ الجَماعَةُ عنه: أرْخَصَ (30) في رَهْنِ المُصْحَفِ. وذلك لأنَّ المَقْصُودَ من الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بِبَيْعِه، وبَيْعُه غيرُ جائِزٍ. والثَّانية، يَصِحُّ رَهْنُه. فإنَّه قال: إذا رَهَنَ مُصْحَفًا، لا يَقْرأُ فيه إلَّا بإذْنِه. فظَاهِرُ هذا صِحَّةُ رَهْنِه. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأىِ، بنَاءً على أنَّه يَصِحُّ بَيْعُه، فصَحَّ رَهْنُه، كغيرِه.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَعِيرَ شيئا يَرْهَنُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ (31) عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ الرَّجُلَ إذا اسْتَعَارَ من الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُه على دَنَانِيرَ مَعْلُومَة، عندَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أنَّ ذلك جَائِزٌ. ويَنْبَغِى أن يَذْكُرَ المُرْتَهِنَ، والقَدْرَ الذى يَرْهَنُه به، وجِنْسَه، ومُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى ذِكْرِه، كأصْلِ الرَّهْنِ. ومتى شَرَطَ شيئا من ذلك، فخَالَفَ، ورَهَنَهُ بغيرِه، لم يَصِحّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في هذا الرَّهْنِ، فأشْبَهَ مَن لم يَأْذَنْ في أصْلِ الرَّهْنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهْلُ العِلْمِ على ذلك. وإن أذِنَ له في رَهْنِه بِقَدْرٍ من المالِ، فنَقَصَ عنه، مثل أن يَأْذَنَ له في رَهْنِه بمائةٍ، فَيرْهَنُه بخَمْسِينَ، صَحَّ، لأنَّ مَن أذِنَ في مائةٍ، فقد أذِنَ في خَمْسِينَ. وإن رَهَنَهُ بأَكْثَرَ، مثل أن رَهَنَه بمائةٍ وخَمْسِينَ، احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ في الكُلِّ؛ لأنَّه خَالَفَ المَنْصُوصَ عليه، فبَطَلَ، كما لو قال: ارْهَنْهُ بدَنَانِيرَ. فرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ. أو بِحَالٍّ. فرَهَنَهُ بمُؤَجَّلٍ. أو بمُؤَجَّلٍ. فرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فإنَّه لا يَصِحُّ. كذلك هاهُنا. وهذا مَنْصُوصُ
(30) أرخص له في الأمر: سهَّله ويسَّره.
(31)
في الأصل: "أحفظ".
الشَّافِعِيِّ. والوَجْهُ الثاني، أنَّه يَصِحُّ في المائةِ، ويَبْطُلُ في الزَّائِدِ عليها؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فجَازَ فيما دون غيرِه، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ويُفَارِقُ ما ذَكَرْنا من الأُصُولِ؛ فإنَّ العَقْدَ لم يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فيه بحالٍ، وكل واحِدٍ من هذه الأُمُورِ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ لا يُوجَدُ فى الآخَرِ، فإنَّ الرَّاهِنَ قد يَقْدِرُ على فَكَاكِه في الحالِ، ولا يَقْدِرُ على ذلك عند الأجَلِ وبالعَكْسِ. وقد يَقْدِرُ على فَكَاكِه بأحَدِ النَّقْدَيْنِ دون الآخَرِ، فيَفُوتُ الغَرَضُ بالمُخَالَفَةِ، وفي مَسْأَلَتِنَا إذا صَحَّ في المائَةِ المَأْذُونِ فيها لم يَخْتَلِف الغَرَضُ، فإن أَطْلَقَ الرَّهْنَ في الإذْنِ من غيرِ تَعْيِين، فقال القاضي: يَصِحُّ، وله رَهْنُه بما شَاءَ. وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعيِّ. والآخَرُ: لا (32) يجوزُ حتى يُبَيِّنَ قَدْرَ الذى يَرْهَنُه به، وصِفَتَه، وحُلُولَه، وتَأْجِيلَه؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ، لأنَّ مَنْفَعَةَ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ، والعَارِيَّةُ ما أفَادَتِ المَنْفَعَةَ، إنَّما حَصَّلَتْ له نَفْعًا يكونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عنه، فهو بمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ في ذِمَّتِه، وضَمَانُ المَجْهُولِ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّها عَارِيَّةٌ، فلم يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِها ذِكْرُ ذلك، كالعَارِيَّةِ لغيرِ الرَّهْنِ، والدَّلِيلُ على أنَّه عَارِيَّةٌ أنَّه قَبَضَ مِلْكَ غيرِه لِمَنْفَعَةِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بها من غير عِوَضٍ، فكان عَارِيَّةً، كَقَبْضِه لِلْخِدْمَةِ. وقولُهم: إنَّه ضَمَانٌ. غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، لهذا ثَبَتَ في الرَّقَبَةِ، ولأنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ في حَقِّ الضَّامِنِ، وهذا له الرُّجُوعُ (33) في العَبْدِ قبلَ الرَّهْنِ، وإلْزَامُ المُسْتَعِيرِ بِفَكَاكِه بعدَه. وقولُهم: إن المَنَافِعَ لِلسَّيِّدِ. قُلْنا: المَنَافعُ مُخْتَلِفَةٌ، فيجوزُ أن يَسْتَعِيرَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ واحِدَةٍ وسَائِرُ المَنَافِعِ لِلسَّيِّدِ، كما لو اسْتَعَارَهُ لِحِفْظِ مَتَاعٍ وهو مع ذلك يَخِيطُ لِسَيِّدِه. أو يَعْمَلُ له شَيْئًا، أو اسْتَعَارَهُ لِيَخِيطَ له، ويَحْفَظُ المَتَاعَ لِسَيِّدِه. فإنْ قيل: لو كان عَارِيَّةً لمَا صَحَّ رَهْنُه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ لا تَلْزَمُ، والرَّهْنُ
(32) سقط من: أ، م.
(33)
في م: "رجوع".