الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأول:
أنَّه إذا وَقَفَ على قَوْمٍ وأَوْلَادِهم وعَقِبِهم ونَسْلِهِم، كان الوَقْفُ بين القَوْمِ وأوْلَادِهِم، ومَنْ حَدَثَ من نَسْلهم، على سَبِيلِ الاشْتِرَاكِ، إن لم تَقْتَرِنْ به قَرِينَةٌ تَقْتَضِى تَرْتِيبًا؛ لأنَّ الواوَ تَقْتَضِى الاشْتِرَاكَ، فإذا اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا، ولم يُقَدَّمْ بعضُهم على بعضٍ، ويُشَارِكُ الآخِرُ الأَوَّلَ، وإن كان من البَطْنِ العاشِرِ، وإذا حَدَثَ حَمْلٌ لم يُشَارِكْ حتى يَنْ
فَصِلَ
؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَمْلًا، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ الوَلَدِ قبلَ انْفِصَالِه.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ على أَوْلَادِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو قال: عَلَى وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو على وَلَدِ فُلَانٍ، ثم على المَسَاكِينِ. فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يكونُ وَقْفًا على أوْلادِه، وأوْلَادِ أوْلَادِه، من الأَوْلَادِ البَنِين، ما لم تكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عن ذلك. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبِى عبدِ اللَّه: ما تقولُ في رَجُلٍ وَقَفَ ضَيْعَةً على وَلَدِه، فماتَ الأَوْلادُ، وتَرَكُوا النُّسْوَةَ حَوَامِلَ؟ فقال: كلُّ ما كان من أَوْلَادِ الذُّكُورِ، بَنَاتٍ كُنَّ أو بَنِينَ، فالضَّيْعَةُ مَوْقُوفةٌ عليهم، وما كان من أوْلَادِ البَنَاتِ، فليس لهم فيه (1) شيءٌ؛ لأنَّهم من رَجُلٍ آخَرَ. وقال أيضًا في مَن وَقَفَ على وَلَدِ عليِّ بن إسماعِيلَ، ولم يَقُلْ: إن ماتَ وَلَدُ (2) عليِّ بن إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِ وَلَدِه، فماتَ وَلَدُ علىِّ بن إسماعيلَ: دُفِعَ إلى وَلدِه أيضًا؛ لأنَّ هذا من وَلَدِ علىِّ بن إسماعيلَ. وَوَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (3). فدَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين وإن سَفَلُوا. ولمَّا قال: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} (3). فتَنَاوَلَ وَلَدَ البَنِين، وكذلك كلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّه تعالى الوَلَدَ دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فالمُطْلَقُ من كَلَامِ الآدَمِىِّ إذا خَلَا عن قَرِينَةٍ، يَنْبَغِى أن يُحْمَلَ على المُطْلَقِ من كلامِ اللَّه تعالى، ويُفَسَّرُ بما يُفَسَّرُ به. ولأنَّ وَلَدَ وَلَدِه وَلَدٌ
(1) في الأصل: "منه".
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
سورة النساء 11.
له، بِدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى:{يَابَنِي آدَمَ} و {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "ارْمُوا بَنِى إسْمَاعِيلَ، فَإنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا"(4). وقال: "نَحْن بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ"(5). والقَبَائِلُ كلها تُنْسَبُ إلى جُدُودِها. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ فُلَانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فكذلك إذا لم يَكُونُوا قَبِيلَةً. وقال القاضي، وأصْحابُه: لا يَدْخُل فيه وَلَدُ الوَلَدِ بحالٍ، سواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِين وَوَلَدُ البَنَاتِ؛ لأنَّ الوَلَدَ حَقِيقَةٌ وعُرْفًا إنَّما هو وَلَدُه لِصُلْبِه، وإنَّما يُسَمَّى وَلَدُ الوَلَدِ وَلَدًا مجازًا، ولهذا يَصِحُّ نَفْيُه، فيُقال: ما هذا وَلَدِى، إنَّما هو وَلَدُ وَلَدِى. وإن قال: على وَلَدِى لِصُلْبِى. فهو آكَدُ. وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. دَخَلَ فيه البَطْنُ الأَوّلُ والثانى، ولم يَدْخُلْ فيه البَطْنُ الثالِثُ وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِى. دَخَلَ فيه ثلاثةُ بُطُونٍ دُونَ مَنْ بعدَهم. ومَوْضِعُ الخِلَافِ المُطْلَق، فأمَّا مع وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلى أحدِ المَحْمِلَيْنِ، فإنَّه يُصْرَفُ إليه بغيرِ خِلَافٍ، مثل أن يقولَ: على وَلَدِ فُلَانٍ. وهم قَبِيلَةٌ ليس فيهم وَلَدٌ من صُلْبِه، فإنَّه يُصْرَفُ إلى أوْلادِ الأَوْلادِ بغير خِلَافٍ. وكذلك إن قال: على أوْلَادِى، أو وَلَدِى. وليس له وَلَدٌ من صُلْبِه. أو قال: ويُفَضَّلُ وَلَدُ الأَكْبَرِ أو الأعْلَمِ على غيرِهم. أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ من عَقِبِى عادَ إلى المَسَاكِينِ. أو قال: على وَلَدِى غيرِ وَلَدِ البَناتِ. أو غير وَلَدِ فُلَانٍ. أو قال: يُفَضَّلُ البَطْنُ الأَعْلَى على الثاني. أو قال: الأَعْلَى فالأعْلَى. وأشْباه ذلك، فهذا يُصْرَفُ لَفْظُه إلى جَمِيعِ نَسلِه وعاقِبَته. وإن اقْتَرَنَتْ به قَرِينَةٌ تَقْضِى تَخْصيِصَ أوْلادِه لِصُلْبِه بالوَقْفِ، مثل أن يقول: على وَلَدِى لِصُلْبِى. أو الذين يَلُونَنِى. ونحو هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالبَطْنِ الأَوَّلِ دُونَ غيرِهم. وإذا قُلْنا بالتَّعْمِيم فيهم،
(4) أخرجه البخاري، في: باب التحريض على الرمى، من كتاب الجهاد، وفى: باب قول اللَّه تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} . . .، من كتاب الأنبياء، وفى: باب نسبة اليمن إلى إسماعيل، من كتاب المناقب. صحيح البخاري 4/ 45، 179، 219. وابن ماجه، في: باب الرمى فى سبيل اللَّه، من كتاب الجهاد. سنن ابن ماجه 2/ 941. والإِمام أحمد، في: المسند 1/ 364، 4/ 50.
(5)
أخرجه ابن ماجه، في: باب من نفى رجلا من قبيلة، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 871. والإِمام أحمد، في: المسند 2/ 871.