الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما لا بدَّ للصَّغيرِ منه من الكُسْوةِ والطَّعامِ، وقَبُولِ الْهِبةِ له، والخُصومةِ عن الميِّتِ فيما يُدَّعَى له أو عليه؛ لأنَّ هذه يشقُّ الاجتماعُ عليها ويَضُرُّ تأْخيرُها، فجازَ الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه شَرَّكَ بينهما في النَّظرِ، فلم يكُن لأحَدِهما الانْفِرادُ، كالوَكِيلينِ. وما قالَه أبو يوسفَ نَقولُ به، فإنَّه جَعلَ الوِلايةَ إليهما باجْتماعِهما، فليست مُتَبعِّضةً، كما لو وكَّلَ وَكِيلَيْن، أو صَرَّحَ للوَصِيَّيْنِ بأن لا يتصرَّفا إلَّا مُجْتَمِعَيْن. ثم يَبْطُلُ ما قالَه بهاتينِ الصُّورتَيْنِ، ويبطُلُ ما قالَه أبو حنيفةَ بهما أيضًا. وإذا تعذَّرَ اجْتماعُهما، أقامَ الحاكمُ أمينًا مُقامَ الغائبِ.
فصل:
في مَن تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إليهِ، ومَن لا (7) تَصِحُّ، تَصحُّ الوَصِيَّةُ إلى الرجلِ العاقلِ المسلمِ الحُرِّ العَدْلِ إجْماعًا. ولا تَصحُّ إلى مَجنونٍ، ولا طِفْلٍ، ولا وَصيَّةُ مسلمٍ إلى كافرٍ. بغيرِ خلافٍ نَعلمُه؛ لأنَّ المجنونَ والطِّفلَ ليسا من أهلِ التَّصرُّفِ في أموالِهما، فلا يَلِيَانِ على غيرِهما، والكافرَ ليس من أهلِ الوِلايةِ على مُسْلمٍ. وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ إلى المرأةِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. ورُوِى ذلك عن شُرَيْحٍ. وبه قاْلَ مالكٌ، والثَّوريُّ، والأوْزاعىُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وإسحاقُ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ولم يُجِزْهُ عَطاءٌ؛ لأنَّها لا تكونُ قاضِيَةً، فلا تكونُ وصيَّةً، كالمجنونِ. ولَنا، ما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أوْصَى إلى حَفْصةَ (8). ولأنَّها مِن أهلِ الشَّهادةِ، فأشْبَهتِ الرَّجُلَ، وتُخالِفُ القَضاءَ، فإنَّه يُعتبرُ له الكمالُ في الخِلْقَةِ والاجتهادِ، بخِلافِ الوَصِيَّةِ. وتصحُّ الوَصِيَّةُ إلى الأعْمَى. وقال أصحابُ الشافعىِّ فيه وَجْهٌ (9) أنَّه لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إليه، بِناءً منهم على أنَّه لا يَصحُّ بَيْعُه ولا شِرَاؤُه، فلا يُوجدُ فيه مَعْنى الوِلَايةِ. وهذا لا يُسَلَّمُ لهم، مع أنَّه يُمْكِنُه التَّوكيلُ في ذلك، وهو من أهلِ الشَّهادةِ والولايةِ في النكاحِ، والولايةِ على أولادِه الصِّغارِ، فصَحَّتِ الوَصِيَّةُ
(7) في م: "لم".
(8)
تقدم في صفحة 207.
(9)
في م: "وجد".
إليه كالبَصِيرِ. وأمَّا الصَّبىُّ العاقلُ، فلا أعلمُ فيه نصًّا عن أحمدَ، فيَحْتَمِل أنَّه لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إليه؛ لأنَّه ليس من أهلِ الشَّهادةِ والإِقْرارِ، ولا يَصِحُّ تصرُّفُه إلَّا بإذْنٍ، فلم يكُنْ من أهلِ الولايةِ بطَرِيقِ الأَوْلَى. ولأنَّه مُوَلًّى عليه، فلا يكونُ واليًا، كالطفلِ والمجنونِ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وهو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ. وقال القاضي: قياسُ المذهبِ صحَّةُ الوَصِيَّةِ إليه؛ لأنَّ أحمدَ قد نصَّ على صحَّةِ وَكالتِه. وعلى هذا يُعْتَبرُ أن يكونَ قد جاوَزَ العَشْرَ. وأمَّا الكافِرُ، فلا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مُسلمٍ إليهِ؛ لأنَّه لا يَلِى على مُسْلِمٍ، ولأنَّه ليس من أهلِ الشَّهادةِ ولا العَدالةِ، فلم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ إليه، كالمجنونِ والفاسِقِ. وأمَّا وَصِيَّةُ الكافرِ إليه، فإن لم يَكُنْ عَدْلًا في دينِه، لم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ إليه؛ لأنَّ عَدَمَ العَدالةِ في المُسْلِمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الوَصِيَّةِ إليه، فمع الكُفْرِ أوْلَى. وإن كان عَدْلًا في دِينِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَصِحُّ الوَصيَّةُ إليه. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يلِى بالنَّسبِ، فيَلِى الوَصِيَّةَ، كالمُسْلِمِ. والثانى، لا تَصِحُّ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه فاسقٌ، فلم تصحَّ الوَصيَّةُ إليه، كفَاسقِ المسلمين. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهان كهذَيْن. وأمَّا وَصِيَّةُ الكافرِ إلى المُسْلِمِ، فتصحُّ [إذا لم تَكُنْ](10) ترِكتُه خمرًا ولا (11) خِنْزِيرًا. وأمَّا العبدُ، فقال أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامِد: تَصِحُّ الوَصِيَّةُ إليه، سواءٌ كانَ عبدَ نفسِه أو عبدَ غيرِه. وبه قالَ مالكٌ. وقال النَّخَعىُّ، والأوْزاعىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ: تَصحُّ الوَصِيَّةُ إلى عبدِ نفسِه ولا تَصِحُّ إلى عبدِ غيرِه. وقالَ أبو حنيفةَ: تَصِحُّ إلى عبدِ نفسِه إذا لم يكُنْ في وَرَثَتِه رَشِيدٌ وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشَّافعيُّ: لا تصِحُّ الوصيةُ إلى عبدٍ بحالٍ؛ لأنَّه لا يكونُ وَلِيًّا على ابنِه بالنَّسَبِ، فلا يجوزُ أن يَلِىَ الوَصِيَّةَ، كالمجنونِ. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ اسْتِنَابتُه في الحياةِ، فصَحَّ أن يوصَى إليه، كالحُرِّ. وقياسُهم يَبْطُلُ بالمرأةِ. والخلافُ في المكاتبِ والمُدَبَّرِ والمُعْتَقِ بعضُه كالخِلافِ في العبدِ الْقِنِّ. وقد نَصَّ الْخِرَقِىُّ على أنَّ الوصيةَ إلى أمِّ ولدِه جائزةٌ. نصَّ (12) عليه أحمدُ أيضًا؛ لأنَّها تكونُ
(10) في م: "إلا أن تكون".
(11)
في م: "أو".
(12)
في م: "وقد نص".