الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لو اخْتَصَّ الخَبَرُ بالأثْمانِ، لَوَجَبَ أن يُقَاسَ عليها ما كان في مَعْناها، كسائِر النُّصُوصِ التي عُقِلَ مَعْناها ووُجِدَ في غيرِها، وههُنا قد وُجِدَ المَعْنَى، فيَجِبُ قِيَاسُه على المَنْصُوصِ عليه، أو نقول: إن المَعْنَى ههُنا آكَدُ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه بِطَرِيقِ التَّنْبِيه. وبَيَانُه أنَّ الأثْمانَ لا تَتْلَفُ بمُضِىِّ الزَّمَانِ عليها، وانْتِظَارِ صاحِبِها بها أبَدًا، والعُرُوضُ تَتْلَفُ بذلك، ففى النِّدَاءِ عليها دائِمًا هَلَاكُها، وضَيَاعُ مالِيَّتِها على صاحِبِها، ومُلْتَقِطِها، وسائِر الناسِ، في (25) إبَاحةِ الانْتِفَاعِ بها ومِلْكِها بعد التَّعْرِيفِ، حِفْظًا لمالِيَّتِها على صاحِبِها بِدَفْعِ قِيمَتِها إليه (26)، وتَقَعُ لغيرِه، فيَجِبُ ذلك لِنَهْىِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن إضَاعَةِ المالَ، ولما فيه من المَصْلَحَةِ والحِفْظِ (27) لمالِ المُسْلِمِ عليه وعلى أخِيه، ولأنَّ في إثْباتِ المِلْكِ فيها حَثًّا على الْتِقَاطِها وحِفْظِها وتَعْرِيِفها، لِكَوْنِه وَسِيلَةً إلى المِلْكِ المَقْصُودِ للآدَمِىِّ، وفى نَفىِ مِلْكِها تَضْيِيعٌ لها، لما في التِقَاطِها من الخَطَرِ والمَشَقَّةِ (28) والكُلْفَةِ من غير نَفعٍ يَصِلُ إليه، فيُؤَدِّى إلى أن لا يَلْتَقِطَها أحَدٌ لِتَعْرِيفِها فتَضِيعَ. وما ذَكَرُوه في الفَرْقِ مُلْغًى بالشَّاةِ، فقد ثَبَتَ المِلْكُ فيها مع هذا الفَرقِ، ثم يُمْكِنُنا أن نَقِيسَ على الشَّاةِ، فلا يحْصُلُ هذا الَفَرْقُ بين الأصْلِ والفَرْعِ. واللَّه أعلم. ثم نَقْلِبُ (29) دَلِيلَهم، فنقولُ: لُقَطَة لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فما أبِيحَ الْتِقَاطُه منها مُلِكَ إذا كان في الحِلِّ، كالإِبِلِ.
فصل:
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّ لُقَطَةَ الحِلِّ والحَرَمِ سواءٌ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعائِشَةَ، وابنِ المُسَيَّبِ. وهو مذهبُ مالِكٍ، وأبى حَنِيفةَ. ورُوِى عن أحمدَ رِوَايَةٌ أخرى، أنَّه لا يجوزُ الْتِقاطُ لُقَطَةِ الحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ، وإنَّما
(25) في الأصل: "وفى".
(26)
سقط من: الأصل.
(27)
في م: "والحظ".
(28)
في م: "والثقة".
(29)
في م: "قلب".
يجوزُ لحِفْظِها (30) لِصَاحِبِها، فإن الْتَقَطَها عَرَّفَها أبَدًا حتى يَأْتِىَ صاحِبُها. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بن مَهْدِىٍّ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن الشافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. والحُجَّةُ لهذا القولِ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في مَكَّةَ:"لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ". مُتَّفَقٌ عليه (31). وقال أبو عُبَيْدٍ (32): المُنْشِدُ المُعَرِّفُ، والناشِدُ الطالِبُ. وينشد:
إصَاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ
فيكون مَعْناه لا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكةَ إلَّا لمن يُعَرِّفُها؛ لأنها خُصَّتْ بهذا من سائِر البُلْدانِ. ورَوَى يَعْقُوبُ بن شَيْبَةَ، في "مُسْنَدِه"(33) عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عُثْمانَ التَّيّمِىّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن لُقَطَة الحاجِّ. قال ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِى يَتْرُكُها حتى يَجِدَها صاحِبُها. رَوَاه أبو دَاوُدَ (34) أيضًا. وَوَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى عُمُومُ الأحادِيثِ، وأنَّه أحَدُ الحَرَمَيْنِ، فأشْبَه حَرَمَ المَدِينةِ، ولأنَّها أمانَةٌ فلم يَخْتَلِفْ حُكْمُها بالحِلِّ والحَرَمِ، كالوَدِيعَةِ. وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إلَّا لِمُنْشِدٍ". يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ إلَّا لمن عَرَّفَها عامًا،
(30) في م: "حفظها".
(31)
أخرجه البخارى، في: باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، من كتاب اللقطة، وفى: باب وقال الليث حدثني يونس. . .، من كتاب المغازى، وفى: باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، من كتاب الديات. صحيح البخارى 3/ 164، 165، 5/ 194، 9/ 6. ومسلم، في: باب تحريم مكة وصيدها وخلاها. . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم 2/ 988، 989.
كما أخرجه أبو داود، في: باب تحريم حرم مكة، من كتاب المناسك سنن أبي داود 1/ 465. والنسائي، في: باب النهى أن ينفر صيد الحرم، من كتاب المناسك. المجتبى 5/ 166. وابن ماجه، في: باب فضل مكة، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه 2/ 1038. والدارمى، في: باب النهى عن لقطة الحاج، من كتاب البيوع. سنن الدارمي 2/ 265. والإِمام أحمد، في: المسند 1/ 318، 348، 2/ 238.
(32)
في غريب الحديث 2/ 133.
(33)
يعقوب بن شيبة السدوسى البصري الحافظ، صاحب المسند المعلل، توفى سنة اثنتين وستين ومائتين. العبر 2/ 25.
(34)
في كتاب اللقطة، سنن أبي داود 1/ 399.
كما أخرجه مسلم، في: باب في لقطة الحاج، من كتاب الحج. صحيح مسلم 3/ 1351. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 499.