الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وكلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فيه، فإنَّ الوَصِيّةَ تَبْطُلُ بالرَّدِّ، وتَرْجِعُ إلى التَّرِكَة، فتكونُ للْوُرَّاثِ جميعِهم؛ لأنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ الحَقِّ (4) لهم، وإنّما خرجَ بالوَصِيَّةِ، فإذا بَطَلَتِ الوَصِيّةُ، رَجَعَ إلى ما كان عليه، كأن الوَصِيَّةَ لم تُوجَدْ. ولو عَيَّنَ بالرَّدِّ واحِدًا، وقَصَدَ تَخْصِيصَه بالمَرْدُودِ، لم يكُنْ له ذلك، وكان لجَمِيعِهِم؛ لأنَّ رَدَّهُ امتِناعٌ من تَمَلُّكِه، فيَبْقَى على ما كان عليه، ولأنَّه لم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى أجْنَبِىٍّ، فلم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى وارِثٍ يَخُصُّه به. وكلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ (5) لِاسْتِقْرارِ مِلْكِه عليه، فله أن يَخُصَّ (6) به واحِدًا من الوَرَثةِ؛ لأنَّه ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، ويَمْلِكُ أن يَدْفَعَه إلى أجْنَبِىٍّ، فمَلَكَ دَفْعَه إلى وارِثٍ. فلو قال: رَدَدْتُ هذه الوَصِيَّةَ لِفُلانٍ. قيل له: ما أرَدْتَ بقَوْلِكَ لِفُلانٍ؟ فإن قال (7): أرَدْتُ تَمْلِيكَه إيَّاها، وتَخْصِيصَه بها. فقَبِلَها، اخْتَصَّ بها، وإن قال: أرَدْتُ رَدَّها إلى جَمِيعِهم، لِيَرْضَى فُلانٌ. عادَتْ إلى جِمِيعِهم إذا قَبِلُوها، فإن قَبِلَها بَعْضُهم دون بعضٍ، فلمَن قَبِلَ حِصَّتُه منها.
فصل: ويَحْصُلُ الرَّدُّ بقولِه: رَدَدْتُ الوَصِيَّةَ. وقوله: لا أَقْبَلُها. وما أَدَّى هذا المَعْنَى. قال أحمدُ: إذا أوْصَى (8) لِرَجُلٍ بأَلْفٍ، فقال: لا أقْبَلُها. فهى لِوَرَثتِه. يعني لِوَرَثةِ المُوصِى.
960 - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ قَبْلَ أنْ يَقْبَلَ أوْ يَرُدَّ، قَامَ وارِثُهُ فِي ذلِكَ مَقَامَهُ، إذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِى)
اخْتَلَفَ أصْحابُنا فيما إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ القَبُولِ والرَّدِّ، بعدَ مَوْتِ المُوصِى،
(4) في م: "الحكم".
(5)
في م زيادة: "فيه".
(6)
في م: "يختص".
(7)
سقط من: م.
(8)
في م: "قال أوصيت".
فذهب الخِرَقِىُّ إلى أنَّ وارِثَه يَقُومُ مَقَامَه في القَبُولِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ [للمَوْرُوثِ فثَبَتَ للوَارثِ](1) بعدَ مَوْتِه، لقولِه عليه السلام:"مَنْ تَرَكَ حَقًّا (2) فَلِوَرَثَتِه"(3). وكَخِيارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ، وذَهَبَ أبو عبدِ اللهِ ابن حامدٍ إلى أنَّ الوَصِيّةَ تَبْطُلُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فإذا ماتَ مَنْ له القَبُولُ قَبْلَه، بَطَلَ العَقْدُ، كالهِبَةِ. قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه خِيَارٌ لا يُعْتَاضُ عنه، فبَطَلَ بالمَوْتِ، كخِيارِ المَجْلِسِ والشَّرْطِ وخِيارِ الأخْذِ بالشُّفْعةِ. وقال أصحابُ الرأى: تَلْزَمُ الوَصِيّةُ في حَقِّ الوارِثِ، وتَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا بغير قَبُولٍ؛ لأنَّ الوَصِيّةَ قد لَزِمَتْ من جِهَةِ المُوصِى، وإنَّما الخِيَارُ لِلْمُوصَى له، فإذا ماتَ، بَطَلَ خِيَارُه، ودَخَلَ في مِلْكِه، كما لو اشْتَرَى شَيْئًا على أنَّ الخِيَارَ له، فماتَ قبلَ انْقِضائِه. ولَنا، على أنَّ الوَصِيّةَ لا تَبْطُلُ بمَوْتِ المُوصَى له، أنَّها عَقْدٌ لازِمٌ من أحدِ الطَّرَفَيْنِ، فلم تَبْطُلْ بمَوْتِ مَنْ له الخِيارُ، كعَقْدِ الرَّهْنِ والبَيْعِ إذا شُرِطَ فيه الخِيارُ لأَحَدِهِما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له (4)، فلا يَبْطُلُ بمَوْتِ الآخَرِ، كالذى ذَكَرْنا. ويُفارِقُ الهِبَةَ والبَيْعَ قبَل القَبُولِ، من الوَجْهَيْنِ اللذين ذَكَرناهُما، وهو أنَّه جائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، ويَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجبِ له، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الخِيَاراتِ؛ لأنَّه لم يَبْطُلِ الخِيارُ، ويَلْزَمُ العَقْدُ، فنَظِيرُه في مَسْأَلَتِنا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. ولَنا، على إِبْطالِ قَوْلِهم أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى قَبُولِ المُتَمَلِّكِ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبُولِ، كالبَيْعِ والهِبَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المُوصَى له في القَبُولِ والرَّدِّ؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ ماتَ عنه المُسْتَحِقُّ فلم يَبْطُلْ بالمَوْتِ، قام الوارِثُ فيه مَقامَه. فعلى هذا، إن رَدَّ الوارِثُ الوَصِيّةَ بَطَلَتْ، وإن قَبِلَها صَحّتْ، [وثَبَتَ المِلْكُ بها](5).
(1) في م: "للمورث فثبت للموروث".
(2)
في أ، م:"حقه".
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 152.
(4)
سقط من: أ، م.
(5)
في أ: "وثبت له الملك فيها".