الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَيْئًا قبلَ انْفِصَالِه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكَامُ الدُّنْيَا قبلَ انْفِصَالِه. قال أحمدُ، في رِوَايةِ جعفرِ بن محمدٍ، في مَن وَقَف نَخْلًا على قَوْمٍ، وما تَوَالَدُوا، ثم وُلِدَ مَوْلُودٌ: فإن كانت النَّخْلُ قد أُبِّرَتْ، فليس له فيه شيءٌ، وهو للأوَّلِ، وإن لم تكنْ قد أُبِّرَتْ، فهو معهم. وإنَّما قال ذلك لأنَّها قبلَ التَّأْبِيرِ تَتْبَعُ الأصْلَ في البَيْعِ، وهذا المَوْلُودُ (24) يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه من الأصْلِ فيَتْبَعُه حِصَّتُه من الثّمرَةِ، كما لو اشْتَرَى ذلك النَّصِيبَ من الأصْلِ، وبعدَ التَّأْبِيرِ لا تَتْبَعُ الأصْلَ، وَيسْتَحقُّها مَنْ كان له الأصْلُ، فكانت للأَوَّلِ؛ لأنَّ الأصْلَ كان كلُّه له، فاسْتَحَقَّ ثَمَرَتَه، كما لو باعَ هذا النَّصِيبَ منها، ولم يَسْتَحِقَّ المَوْلُودُ منها شَيْئًا كالمُشْتَرِى. وهكذا الحُكْمُ في سائِرِ ثَمَرِ الشَّجَرِ الظاهِرِ، فإن المَوْلُودَ لا يَسْتَحَقُّ منه شَيْئًا، ويَسْتَحِقُّ ممَّا (25) ظَهَرَ بعدَ وِلَادَتِه. وإن كان الوَقْفُ أرْضًا فيها زَرْعٌ يَسْتَحِقُّه البائِعُ، فهو للأوَّلِ. وإن كان ممَّا يَسْتَحِقُّه المُشْتَرِى، فلِلْمَوْلودِ حِصَّتُه منه؛ لأنَّ المَوْلُودَ يَتَجَدَّدُ اسْتِحْقاقُه للأصْلِ، كتَجَدُّدِ مِلْكِ المُشْتَرِى فيه.
الفصل الثاني:
إذا وَقَفَ على قَوْمٍ، وأوْلَادِهِم، وعَاقِبَتِهِم، ونَسْلِهِم. دَخَلَ في الوَقْفِ وَلَدُ البَنِين، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه، فأمَّا وَلَدُ البَنَاتِ، فقال الخِرَقِىُّ: لا يَدْخُلُون فيه. وقد قال أحمدُ، في مَن وَقَفَ على وَلَدِه: ما كان مِن وَلَدِ البَنَاتِ فليس لهم فيه شيءٌ. فهذا النَّصُّ يَحْتَمِلُ أن يُعَدَّى إلى هذه المَسْأَلةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مَقْصُورًا على مَنْ وَقَفَ على وَلَدِه ولم يَذْكُرْ وَلَدَ وَلَدِه. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ. وممَّن قال إنَّهُ (26) لا يَدْخُلُ وَلَدُ البَنَاتِ في الوَقْفِ الذي على أوْلَادِه وأوْلَادِ أوْلَادِه، مالِكٌ، ومحمدُ بن الحَسَنِ. وهكذا إذا قال: على ذُرِّيَتِهِم ونَسْلِهِم. وقال أبو بكرٍ، وعبدُ اللَّه ابن حامِدٍ: يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ البَنَاتَ أوْلَادُه، [فأَوْلادُهُنَّ أولادُ الأولادِ](27) حَقِيقَةً، فيَجِبُ أن يَدْخُلُوا في
(24) في الأصل: "الموجود".
(25)
في الأصل: "ما".
(26)
سقط من: م.
(27)
في م: "وأولادهن أولاد".
الوَقْفِ، لِتَناوُلِ اللَّفْظِ لهم، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُ اللَّه تعالى:{وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} إلى قوله: {وَعِيسَى} (28). وهو من وَلَدِ بِنْتِه، فَجَعَلَه من ذُرِّيَتِه، وكذلك ذَكرَ اللهُ تعالى قِصّةَ عيسى وإبراهِيمَ وموسى وإسماعيلَ وإدْرِيسَ، ثم قال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ} (29). وعيسى معهم. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَسَنِ: "إنَّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ"(30). وهو وَلَدُ بِنْتِه. ولمَّا قال اللَّه تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} (31). دَخَلَ في التَّحْرِيمِ حَلَائِلُ أبْناءِ البَنَاتِ، ولمَّا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى البَنَاتِ، دَخَلَ في التَّحْرِيمِ بَنَاتُهُنَّ. وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ اللهَ تعالى قال:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} . فدَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ، وهكذا كلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فيه الوَلَدُ في الإِرْثِ والحَجْبِ، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ رَجُلٍ، وقد صَارُوا قَبِيلةً، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ بالاتِّفَاقِ، وكذلك قبلَ أن يَصِيرُوا قَبِيلةً. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ العَبَّاسِ في عَصرِنَا، لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ بَنَاتِه، فكذلك إذا وَقَفَ عليهم في حَيَاتِه، ولأنَّ وَلَدَ البَنَاتِ مَنْسُوبُونَ إلى آبائِهِم دون أُمَّهاتِهِم، قال الشاعِرُ (32):
(28) سورة الأنعام 84، 85.
(29)
سورة مريم 58.
(30)
تقدم تخريجه في: 4/ 98.
(31)
سورة النساء 23.
(32)
نسب البيت للفرزدق. وهو في: الحماسة، لأبي تمام 1/ 274. وانظر حاشية دلائل الإعجاز 374.
بَنُونَا بَنُو أَبْنائِنَا وبَنَاتُنَا
…
بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ
وقولُهم: إنَّهم أَوْلَادُ أَوْلَادٍ (33) حَقِيقةً. قُلْنا: إلَّا أنَّهم لا يُنْسَبُونَ إلى الواقِفِ عُرْفًا، ولذلك لو قال: أَوْلَاد أوْلَادِى المُنْتَسِبِينَ إلىَّ. لم يَدْخُلْ هؤلاءِ في الوَقْفِ. ولأنَّ وَلَدَ الهاشِمِيّةِ من غير الهاشِمِىِّ ليس بِهَاشِمِىٍّ، ولا يُنْسَبُ إلى أبِيها. وأمَّا عيسى عليه السلام، فلم يكُنْ له أبٌ يُنْسَبُ إليه، فنُسِبَ إلى أُمِّه لِعَدَمِ أبِيهِ، ولذلك يقال عيسى ابن مريمَ، وغيرُه إنما يُنْسَبُ إلى أبِيه، كيحيى بن زكريَّا. وقولُ النَّبىِّ صلى الله عليه وسلم:"إنّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ". تَجَوُّزٌ بغير خِلَافٍ، بِدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} (34). وهذا الخِلَافُ فيما إذا لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فأمَّا إن وُجِدَ ما يَصْرِفُ اللَّفْظَ إلى أحَدِهما، انْصَرَفَ إليه. ولو قال: على أوْلَادِى، وأَوْلَادِ أوْلَادِى، على أن لِوَلَدِ البَنَاتِ سَهْمًا، ولِوَلَدِ البَنِين سَهْمَيْنِ. أو: فإذا خَلَتِ الأرْضُ ممَّن يَرْجِعُ نَسَبُه إلىَّ من قِبَلِ أبٍ أو أُمٍّ، كان لِلْمَساكِينِ. أو كان البَطْنُ الأوّل من أوْلادِه المَوْقُوفُ عليهم كلُّهم بَنَاتٌ، وأشْباهُ هذا ممَّا يَدُلُّ على إرَادَةِ وَلَدِ البَنَاتِ بالوَقفِ، دَخَلُوا في الوَقْفِ. وإن قال: على أوْلَادِى، وأوْلَادِ أوْلَادِى المُنتَسِبِينَ إلىَّ، أو غير ذَوِى الأرْحَامِ، أو نحو ذلك. لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وإن قال: على وَلَدِى فُلَانٍ وفُلَانةَ وفُلَانةَ (35)، وأَوْلَادِهم، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وكذلك لو قال: على أنَّه مَن ماتَ مهم عن وَلَدِه فنَصِيبُه لِوَلَدِه. وإن قال الهاشِمِىُّ: وَقَفْتُ على أوْلَادِى، وأَوْلَادِ أولَادِى الهاشِمِيِّينَ. لم يَدْخُلْ في الوَقفِ من أوْلَادِ بَنَاتِه مَن كان غيرَ هاشِمِىٍّ. فأمَّا مَن كان هاشِمِيًّا من غيرِ أوْلَادِ بَنِيه، فهل يَدْخُلُونَ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أُولاهما، أنَّهم يَدْخُلُونَ؛ لأنَّهم اجْتَمَعَ فيهم الصِّفَتَانِ جَمِيعًا، كَوْنُهم من أوْلَادِ أوْلَادِه، وكَوْنُهم هاشِمِيِّينَ. والثانى، لا يَدْخُلُونَ؛ لأنَّهم لم يَدْخُلُوا في مُطْلَقِ
(33) في الأصل: "أولاده".
(34)
سورة الأحزاب 40.
(35)
سقط من: الأصل.