الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَدْلٍ" (7). وهذا أمْرٌ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّه إذا لم يُشْهِدْ كان الظاهِرُ أنَّه أخَذَها لِنَفْسِه. ولَنا، خَبَرُ زَيْدِ بن خالِدٍ، وأُبَىِّ بن كَعْبٍ، فإنَّه أمَرَهُما بالتَّعْرِيفِ دون الإِشْهادِ، ولا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، فلو كان واجِبًا لَبَيَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، سِيَّما وقد سُئِلَ عن حُكْمِ اللُّقَطَةِ فلم يكنْ لِيُخِلَّ بِذِكْرِ الواجِبِ فيها، فيَتَعَيَّن حَمْلُ الأمرِ في حَدِيثِ عِيَاضٍ (8) على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ. ولأنَّه أخْذُ أمَانَةٍ، فلم يَفتَقِرْ إلى الإِشْهادِ، كالوَدِيعَةِ. والمَعْنَى الذي ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّه إذا حَفِظَها وعَرَّفَها فلم يَأْخُذْها لِنَفْسِه، وفائِدَةُ الإِشْهادِ صِيَانَةُ نَفْسِه عن (9) الطَّمَعِ فيها، وكَتْمُها وحِفْظُها من وَرَثَتِه إن ماتَ، ومن غُرَمَائِه إن أفْلَسَ. وإذا أشْهَدَ عليها، لَم يَذْكُرْ لِلشُّهُودِ صِفَاتِها، لئَلَّا يَنْتَشِرَ ذلك فيَدَّعِيها مَن لا يَسْتَحِقُّها، ويَذْكُرُ صِفَاتِها، كما قُلْنا في التَّعْرِيفِ، ولكنْ يَذْكُرُ لِلشُّهودِ ما يَذْكُرُه في التَّعْرِيفِ من الجِنْسِ والنَّوْعِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ صالحٍ، وقد سَأَلَه: إذا أشْهَدَ (10) عليها هل يُبَيِّنُ كم هي؟ قال: لا، ولكنْ يقول: قد أصَبْتُ لُقَطَةً. ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ صِفَاتِها؛ ليكونَ أَثْبَتَ لها، مَخَافَةَ أن يَنْسَاهَا إن اقْتَصَر على حِفْظِها بِقَلْبِه، فإنَّ الإِنْسانَ عُرْضَة النِّسْيانِ.
942 - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَاءَ رَبُّها فَوَصَفَهَا لَهُ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ)
يعني إذا وَصَفَها بِصِفَاتِها المَذْكُورَةِ، دَفَعَها إليه، سواءٌ غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُه أو لم يَغْلِبْ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبُو عُبَيْدٍ، ودَاوُد، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ويجوزُ (1) له دَفْعُها إليه إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُهُ. قال أصْحابُ الرَّأْى: إن شاءَ دَفَعَها إليه وأخَذَ كَفِيلًا بذلك؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:
(7) تقدم تخريجه في صفحة 297.
(8)
تقدم في صفحة 297.
(9)
في الأصل: "من".
(10)
في م: "شهد".
(1)
في م: "ولا يجوز".
"البَيِّنَة عَلَى المُدَّعِى"(2). ولأنَّ صِفَةَ المُدَّعِى لا يَسْتَحِقُّ بها كالمَغْصُوبِ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"فَإنْ جَاءَكَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَادْفَعْها إلَيهِ"(3). قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا الثابِتُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وبه أقولُ. ورَوَاه ابنُ القَصَّارِ (4):"فَإنْ جَاءَ بَاغِيَها، وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا، فَادْفَعْها إلَيْهِ". وفى حَدِيثِ زَيْدٍ الذي ذَكَرْناه: "اعْرفْ وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّها إلَيْهِ"(3). يَعْنِى إذا ذَكَرَ صِفَاتِها؛ لأنَّ ذلك هو المَذْكُورُ في صَدْرِ الحَدِيثِ، ولم يَذْكُرِ البَيِّنةَ في شيءٍ من الحَدِيثِ، ولو كانت شَرْطًا لِلدَّفْعِ، لم يَجُزِ الإِخْلَالُ به، ولا أمَرَ بالدَّفْعِ بدُونِه، ولأنَّ إقَامةَ البَيِّنةِ على اللُّقَطَةِ تَتَعَذَّرُ؛ لأنَّها [إنَّما سَقَطَتْ](5) حالَ الغَفْلَةِ والسَّهْوِ، [فَتوْقيفُ دَفْعِها عليها](6) مَنْعٌ لِوُصُولِها إلى صاحِبِها أبدًا، وهذا يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الالْتِقاطِ، ويُفْضِى إلى تَضْيِيعِ أمْوالِ الناسِ، وما هذا سَبِيلُه يَسْقُطُ اعْتِبارُ البَيِّنةِ فيه، كالإِنْفَاقِ على اليَتِيمِ، والجَمْعُ بين هذا القولِ وبينَ تَفْضِيلِ الالْتِقاطِ على تَرْكِه مُتَنَاقِضٌ جدًّا؛ لأنَّ الالْتِقاطَ حينئذٍ يكونُ تَضْيِيعًا لمالِ المُسْلِمِ يَقِينًا، وإتْعابًا لِنَفْسِه بالتَّعْرِيفِ الذي لا يُفِيدُ، والمُخاطَرَةِ بِدِينِه بِتَرْكِه الواجِبَ من تَعْرِيفِها، وما هذا سَبِيلُه يَجِبُ أن يكونَ حَرَامًا، فكيف يكون فاضِلًا. وعلى هذا نقولُ: لو لم يجِبْ دَفْعُها بالصِّفَةِ، لم يَجُزِ الْتِقاطُها؛ لما ذَكَرْناه، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِى". يَعْنِى إذا كان ثَمَّ مُنْكِرٌ؛ لِقَوْلِه في سِيَاقِه: "والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ". ولا مُنْكِرَ ههُنا، على أنَّ البَيِّنةَ تَخْتَلِفُ، وقد جَعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بَيِّنةَ مُدَّعِى اللُّقَطَةِ وَصْفَها، فإذا وَصَفَها فقد
(2) تقدم تخريجه في: 6/ 525.
(3)
تقدم تخريجه في صفحة 290.
(4)
لعله يعني أبا إسحاق إبراهيم بن عبد اللَّه الأصبهانى المعدل القصار، المتوفى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. انظر: الأنساب 10/ 163، 164.
(5)
في الأصل: "تسقط".
(6)
في م: "فتوقف دفعها"