الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غائِبِى. ونحو ذلك. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فيما لم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ. كالهِبَةِ. وسَوَّى المُتَأَخِّرُونَ من أصْحابِنا بين تعْلِيقِه بالمَوْتِ، وتَعْلِيقِه بِشَرْطٍ في الحيَاةِ. ولا يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنا من الفَرْقِ بينهما فيما قبلَ هذا.
فصل:
وإن عَلَّقَ انْتِهاءَه على شَرْطٍ، نحو قولِه: دارِى وَقْفٌ إلى سَنَةٍ، أو إلى أن يَقْدَمَ الحاجُّ. لم يَصِحّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ، فإن مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ. وفى الآخَرِ يَصِحُّ؛ لأنَّه مُنْقَطِعُ الانْتِهاءِ، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَه على مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ، فإن حَكَمْنا بصِحَّتِه ههُنا، فحُكْمُه حُكْمُ مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فصل: وإن قال: هذا وَقْفٌ على وَلَدِى سَنَةً، ثم على المَسَاكِينِ. صَحَّ. وكذلك إن قال: هذا وَقْفٌ على وَلَدِى مُدَّةَ حَيَاتِى، ثم هو بعدَ مَوْتِى للمَساكِينِ. صَحَّ؛ لأنَّه وَقْفٌ مُتَّصِلُ الابتِدَاءِ والانْتِهاءِ. وإن قال: وَقْفٌ على المَساكِينِ، ثم على أوْلادِى. صَحَّ، ويكون وَقْفًا على المَساكِينِ، ويُلْغَى (4) قولُه: على أوْلادِى. لأنَّ المَساكِينَ لا انْقِرَاضَ لهم.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ في الوَقْفِ في مَرَضِه على بعض وَرَثَتِه، فعنه: لا يجوزُ ذلك، فإن فَعَلَ وَقَفَ على إجَازَةِ سائِر الوَرَثَةِ، [فإنَّ أحمدَ قال](5)، في رِوَايةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ، في مَن أوْصَى لأوْلادِ بَنِيه بأرْضٍ تُوقَفُ عليهم، فقال: إن لم يَرِثُوه فجائِزٌ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجوزُ الوَقْفُ عليهم في المَرَضِ. اخْتارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، وابنُ عَقِيلٍ، وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ. والرِّواية الثانية، يجوزُ أن يقِفَ عليهم ثُلُثَه، كالأجانِبِ، فإنَّه قال، في رِوَايةِ جماعةٍ منهم المَيمُونِىّ: يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يقِفَ في مَرَضِه
(4) في الأصل: "ويلغو".
(5)
في م: "قال أحمد".
على وَرَثَتِه. فقيل له: أليس تَذْهَبُ إلى (6) أنَّه لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ؟ فقال: نعم، والوَقْفُ غيرُ الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثةِ يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِه. وقال، في رِوَايةِ أحمدَ بن الحَسَنِ، فإنَّه صَرَّحَ في مَسْأَلَتِه بِوَقْفِ ثُلُثِه على بعض وَرَثتِه دون بعضٍ، فقال: جائِزٌ. قال الْخَبْرِىُّ (7): وأجازَ هذا الأكْثَرُونَ. واحْتَجَّ أحمدُ، بِحَدِيثِ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللَّه عمرُ أميرُ المُؤْمِنِينَ، إن حَدَثَ به حَدَثٌ أنّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بِخَيْبَر، وَرِقيقَه الذي فيه، والمائةَ وَسْقٍ التي (8) أطْعَمَنِى محمدٌ صلى الله عليه وسلم، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم يَلِيه ذَوُو الرَّأْى من أهْلِه، لا يُباعُ، ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيث يَرَى من السّائِلِ والمَحْرُومِ وذَوِى القُرْبَى، ولا حَرَجَ على من وَلِيَهُ إن أكلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بنحوٍ. من هذا. فالحُجَّةُ أنَّه جَعَلَ لِحَفْصَةَ أن تَلِىَ وَقْفَه، وتَأْكُلَ منه، وتَشْتَرِىَ رَقِيقًا. قال المَيْمُونِىُّ: قلتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمَرَ بالإِيقَافِ، وليس في الحَدِيثِ الوارِثُ. قال: فإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرَثَتِه، وحَبَّسَ الأصْلَ عليهم جَمِيعًا، ولأنَّ الوَقْفَ ليس في مَعْنَى المِلْكِ (9)؛ لأنَّه لا يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه، فهو كعِتْقِ الوَارِثِ. ولَنا، أنَّه تَخْصِيصٌ لبعضِ الوَرَثَةِ بمالِه في مَرَضِه، فمُنِعَ منه، كالهِبَاتِ ولأنَّ كلَّ مَنْ لا تجوزُ له الوَصِيَّةُ بالعَيْنِ، لا تجوزُ بالمَنْفَعةِ، كالأجْنَبِى فيما زادَ على الثُّلُثِ. وأمَّا خبرُ عمرَ، فإنَّه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرَثةِ بِوَقْفِه، والنِّزَاعُ إنما هو في تَخْصِيصِ بعضِهم. وأمَّا جَعْلُ الوِلَايةِ لِحَفْصَةَ، فليس ذلك وَقْفًا عليها، فلا يكونُ ذلك وارِدًا في مَحلِّ النِّزَاعِ، وكونُه انْتِفَاعًا بالغَلَّةِ، لا يَقْتَضِى جَوَازَ التَّخْصِيصِ، بِدَلِيلِ ما لو أوْصَى لِوَرَثَتِه بمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، لم يَجُزْ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في رِوَايةِ
(6) سقط من: م.
(7)
أبو حكيم عبد اللَّه بن إبراهيم بن عبد اللَّه الخبرى، فقيه شافعى، يعرف العربية، ويكتب الخط الحسن، ويضبط الضبط الحسن، توفى سنة ست وسبعين وأربعمائة. طبقات الشافعية الكبرى 5/ 62، 63.
(8)
في م "الذي".
(9)
في م: "المال".