الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِلْمُوصَى له، وأنه انْتَقَلَ منه إلى وارِثِه، فتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، فتُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وَصَايَاه، ويَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وله وَلَاؤُه، يَخْتَصُّ به الذُّكُورُ من وَرَثَتِه. ومن ذلك، أنَّ المُوصَى به لو كان أمَةً، فوَطِئَها الوارِثُ، فأَوْلَدَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُها حُرٌّ؛ لأنَّه وَطِئَها في مِلْكِه، وعليه قِيمَتُها لِلْمُوصَى له إذا قَبِلَها. فإن قيل: فكيف قَضَيْتُم بِعِتْقِها ههُنا، وهى لا تَعْتِقُ بإعْتاقِها؟ قُلْنا: الاسْتِيلادُ أقْوَى، ولذلك يَصِحُّ من المَجْنُونِ، والرَّاهِنِ، والأَبِ، والشَّرِيكِ المُعْسِرِ، وإن لم ينْفُذْ إعْتاقُهم (15). وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ وَلَدُه (16) رَقِيقًا، والأمَةُ باقِيَةً على الرِّقِّ. وإن وَطِئَها المُوصَى له قبلَ قَبُولِها، كان ذلك قَبُولًا لها، وثَبَتَ المِلْكُ له به؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إلَّا في المِلْكِ، فإقْدَامُه عليه دَلِيلٌ على اخْتِيارِه المِلكَ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ مَنْ له الرَّجْعَةُ الرَّجْعِيّةَ، أو وَطِئَ من له الخِيارُ في البَيْعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ، أو وَطِئَ مَنْ له خِيَارُ فَسْخِ النِّكاحِ امْرَأَتَهُ.
فصل:
وتَصِحُّ الوَصِيّةُ مُطْلَقةً ومُقَيَّدةً، فالمُطْلَقةُ أن يقول: إن مِتُّ فَثُلُثِى لِلْمَساكِينِ، أو لِزَيْدٍ. والمُقَيَّدةُ أن يقولَ: إن مِتُّ من مَرَضِى هذا، أو في هذه البَلْدَةِ، أو في سَفَرِى هذا، فثُلُثِى لِلْمَساكِينِ. فإن بَرَأَ من مَرَضِه، أو قَدِمَ من سَفَرِه، أو خَرَجَ من البَلْدةِ، ثم ماتَ، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ المُقَيَّدَةُ، وبَقِيَتِ المُطْلَقةُ. قال أحمدُ، في مَن وَصَّى وَصِيَّةً إن ماتَ من مَرَضِه هذا أو من سَفَرِه هذا، ولم يُغَيِّرْ وَصِيَّتَه، ثم ماتَ بعد ذلك: فليس له وَصِيّةٌ. وبهذا قال الحَسَنُ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: إن قال قَوْلًا، ولم يَكتُبْ كِتَابًا، فهو كذلك، وإن كَتَبَ كِتَابًا، ثم صَحَّ من مَرَضِه، وأقَرَّ الكِتَابَ، فوَصِيَّتُه بحالِها، ما لم يَنْقُضْها. ولَنا، أنَّها وَصِيّةٌ بِشَرْطٍ لم يُوجَدْ شَرْطُها، فبَطَلَتْ، كما لو لم يَكْتُبْ كِتَابًا، أو كما لو وَصَّى لِقَوْمٍ فماتُوا قبلَه، ولأنَّه قَيَّدَ وَصِيَّتَهَ بِقَيْدٍ، فلا يَتَعَدَّاه، كما ذَكَرْنا. وإن قال لأحَدِ
(15) في أ: "عتقهم".
(16)
في أ: "الولد".
عَبْدَيْهِ: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. وقال للآخَر: أنت حُرٌّ (17) إن مِتُّ من (18) مَرَضِى هذا. فماتَ من (18) مَرَضِه، فالعَبْدانِ سواءٌ في التَّدْبِيرِ. وإن بَرَأَ من مَرَضِه ذلك، بَطَلَ تَدْبِيرُ المُقَيَّدِ، وبَقِىَ تَدْبِيرُ المُطْلَقِ بحالِه. ولو وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِه، وقال: إن مِتَّ قَبْلِى فهو لِعَمرٍو. صَحَّتْ وَصِيَّتُه على حَسَبِ ما شَرَطَه له (19). وكذلك في سائِرِ الشُّرُوطِ؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم"(20).
961 -
مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى لَهُ (1) بِسَهْمٍ مِنْ مالِهِ، أُعْطِىَ السُّدُسَ، وَعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، رحمه الله، رِوَايةٌ أُخرَى، يُعْطَى سَهْمًا مِمّا تَصِحُّ مَنْهُ الْفَرِيضَةُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ رحمه الله، فيما (2) لو أَوْصَى بِسَهْمٍ، فرُوِىَ عنه، أنَّ لِلْمُوصَى له السُّدُسَ. ورُوِى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال الحَسَنُ، وإيَاسُ بن مُعاوِيةَ، والثَّوْرِىُّ. والرِّوَايةُ الثانِيةُ، أنَّه يُعْطَى سَهْمًا ممَّا تَصِحُّ منه الفَرِيضَةُ، فيُنْظَرُ؛ كم سَهْمًا صَحَّتْ منه الفَرِيضَةُ، فيُزادُ عليها مثلُ سَهْمٍ من سِهَامِها لِلْمُوصَى له. وهذا قول شُرَيْحٍ قال: تُرْفَعُ السِّهَامُ، فيكون لِلْمُوصَى له سَهْمٌ. قال القاضي: هذا ما لم يَزِدْ على السُّدُسِ، فإن زَادَ السَّهْمُ على السُّدُسِ، فله السُّدُسُ؛ لأنَّه مُتَحَقِّقٌ. ووَجْهُ ذلك أنَّ قولَه: سَهْمًا. يَنْبَغِى أن يَنْصَرِفَ إلى سِهَامِ فَرِيضَتِه؛ لأنَّ وَصِيَّتَه منها، فيَنْصَرِفُ السَّهْمُ إليها، فكان واحِدًا من سِهَامِها، كما لو قال: فَرِيضَتِى كذا وكذا سَهْمًا، لكَ منها سَهْمٌ. وقال الخَلَّالُ وصاحِبُه: له (3) أقلُّ سَهْمٍ (4) من سِهَامِ الوَرَثةِ؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوَايةِ أبى طالبٍ والأَثْرَمِ: إذا أَوْصَى
(17) سقط من: م.
(18)
في الأصل: "في".
(19)
سقط من: الأصل.
(20)
تقدم تخريجه في: 6/ 30.
(1)
سقط من: الأصل، أ.
(2)
في الأصل: "في من".
(3)
سقط من: م.
(4)
في أ، م:"سهما".
له (5) بِسَهْمٍ من مالِه، يُعْطَى (6) سَهْمًا من الفَرِيضَةِ. قيل له: نَصِيبَ رَجُلٍ، أو نَصِيبَ امْرَأةٍ؟ قال: أقَلُّ ما يكونُ من السِّهَامِ. قال القاضي: ما لم يَزِدْ على السُّدُسِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال صاحِباهُ: إلَّا أن يَزِيدَ على الثُّلُثِ، فيكونُ له الثُّلُثُ. ووَجْهُ هذا القولِ، أنَّ سِهَامَ الوَرَثةِ أَنْصِباؤُهُم، فيكونُ له أقَلُّها؛ لأنَّه اليَقِينُ، فإن زادَ على السُّدُسِ دُفِعَ إليه السُّدُسُ؛ لأنَّه أقَلُّ سَهْمٍ يَرِثُه ذُو قَرَابةٍ، وقال أبو ثَورٍ: يُعْطَى سَهْمًا من أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ؛ لأنَّها أكْثَرُ أُصُولِ الفَرَائضِ، فالسَّهْمُ منها أقَلُّ السِّهامِ. وقال الشافعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْطِيهِ الوَرَثةُ ما شاءُوا؛ لأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسْمُ السَّهمِ، فأشْبَهَ ما لو أَوْصَى له بِجُزْءٍ أو حَظٍّ. وقال عَطَاءٌ، وعِكْرِمةُ: لا شىءَ له. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أن رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ من المالِ، فأعْطاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم السُّدُسَ (7). ولأنَّ السَّهْمَ في كلامِ العَرَبِ السُّدُسُ، قال إياسُ بن مُعَاوِيةَ: السَّهْمُ في كلامِ العَرَبِ السُّدُسُ. فتَنْصَرِفُ الوَصِيّةُ إليه، كما لو لَفظَ به. وَلأنَّه قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأنَّ السُّدُسَ أقَلُّ سَهْمٍ مَفْرُوضٍ يَرِثُه ذُو قَرابةٍ، فتَنْصَرِفُ الوَصِيّةُ إليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ السُّدُسَ الذي يَسْتَحِقُّه المُوصَى له يكون بمَنْزِلةِ سُدُسٍ مَفْرُوضٍ. فإن كانت المَسْألةُ كامِلةَ الفُرُوضِ، أُعِيلَتْ به، وإن كانت عائِلةً، زادَ عَوْلُها به. وإن كان فيها رَدٌّ أو كانوا عَصَبةً، أعْطِىَ سُدُسًا كامِلًا. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ، وحَرْبٍ: إذا أَوْصَى الرَّجُلُ بِسَهْمٍ من مالِه، يُعْطَى السُّدُسَ، إلَّا أن تَعُولَ الفَرِيضَةُ، فيُعْطَى سَهْمًا مع العَوْلِ. فكأنَّ مَعْنَى الوَصِيَّةِ، أَوْصَيْتُ لك بِسَهْمِ من يَرِثُ السُّدُسَ. فلو أَوْصَى له بِسَهْمٍ في مَسْأَلةٍ فيها زَوْجٌ
(5) سقط من: أ.
(6)
في أ: "أعطى".
(7)
أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب من كره أن يوصى بمثل أحد. . .، من كتاب الوصايا. المصنف 11/ 171. وأورده الهيثمي، في: باب في من أوصى بسهم من ماله، من كتاب الوصايا. مجمع الزوائد 4/ 213 وعزاه للطبراني في الأوسط.
وأُخْتٌ، كان له السُّبُعُ، كما لو كان معهما جَدَّةٌ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاث. وكذلك لو كان في المَسْأَلةِ أمٌّ وثَلَاثُ أَخَواتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. فإن كان معهم زَوْجٌ، فالمَسْأَلةُ من تِسْعةٍ، ولِلْمُوصَى له العُشْرُ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. وإن كان الوَرَثَةُ ثَلَاثَ أَخَواتٍ مُتَفَرِّقات، فلِلْمُوصَى له السُّدُسُ على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. وإن كانوا زَوْجًا وأَبَوَيْنِ وابْنَيْنِ، فالمَسْأَلةُ من خَمْسَةَ عَشَرَ، وتَعُولُ بِسُدُسٍ آخَرَ، فتَصِيرُ من سَبْعةَ عَشَرَ. وكذلك على قولِ الخَلّالِ؛ لأنَّ أقَلَّ سِهَامِ الوَرَثةِ سُدُسٌ. وعلى الرِّوَايةِ الأُخْرَى، يكونُ لِلْوَصِىِّ سَهْمٌ واحِدٌ، يُزَادُ على خَمْسَةَ عَشَرَ، فتَصِيرُ سِتَّةَ عَشَرَ. وإن كانوا زَوْجَةً وأبَوَيْنِ وابْنًا، فالفَرِيضَةُ من أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، وتَعُولُ بالسُّدُسِ المُوصَى به إلى ثَمانِيةٍ وعِشْرِينَ. وعلى الرِّوَايةِ الثانية، يُزَادُ عليها سَهْمٌ واحِدٌ لِلْمُوصَى له، فتكونُ من خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ. وعلى قول الخَلَّالِ: يُزَادُ عليها مِثلُ سَهْمِ الزَّوْجةِ، فتكونُ من سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ. وإن كانوا خَمْسةَ بَنِينَ فلِلْوَصِىِّ (8) السُّدُسُ كامِلًا، وتَصِحُّ من سِتّة (9) على الرِّواياتِ الثَّلَاث. فإن كان معهم زَوْجَةٌ، صَحَّتِ الفَرِيضَةُ من أرْبَعِينَ، فتَزِيدُ عليها سَهْمًا لِلْوَصِىِّ، على إحْدَى الرِّوَاياتِ، تَصِير أحَدًا (10) وأَرْبَعِينَ. وعلى قول الخَلَّالِ، تَزِيدُ مثلَ نَصِيبِ الزَّوْجةِ، فتَصِيرُ خَمْسَةً وأربَعِينَ. وعلى الرِّوَايةِ الأُولَى، نَزِيدُ عليها مثل سُدُسِها، ولا سُدُسَ لها، فنَضْرِبُها في سِتَّةٍ، ثم نَزِيدُ عليها سُدُسَها، تكونُ مائتَيْنِ وثَمانِينَ، لِلْوَصِىِّ أرْبَعُونَ، ولِلزَّوْجَةِ ثَلَاثُونَ، ولكل ابْنٍ اثْنانِ وأرْبَعُونَ. ولو خَلَّفَ أبَوَيْنِ وابْنَيْنِ، وأوْصَى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مالِه، ولآخَرَ بِسَهْمٍ، جَعَلْتَ ذا السَّهْمِ كالأُمِّ، وأَعْطَيْتَ صاحِبَ السُّدُسِ سُدُسًا كامِلًا، وقَسَمْتَ الباقِى بين الوَرَثةِ والمُوصَى له على سَبْعةٍ، فتَصِحُّ من اثْنَيْنِ وأَرْبَعِينَ، لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَبْعةٌ، ولِصَاحِبِ السَّهْمِ خَمْسَةٌ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطَى ذُو
(8) في الأصل: "فللموصى".
(9)
في الأصل زيادة: "عشر".
(10)
في الأصل: "إحدى".