الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
التأويل
مقدمة
(تفسير النص والظاهر والمؤول)
النص:
(لغة): الظهور، ومنه منصة العروس.
وفي الاصطلاح: لمعان:
أحدها: ما تقدم في اللغات في تفسيره.
فقيل في حده على هذا: (إنه اللفظ الذي يفيد معنى، لا يحتمل غيره، كالعدد).
وهو غير جامع، إذ لا يشمل مفهوم الموافقة، إن قيل: دلالته ليست لفظية.
وغير مانع، لدخول المجمل والمبين تحته، مع أنه لا يسمى نصا، فقيل، إنه ليس بنص، وقيل: إنه نص؛ لأنه لما استفيد من اللفظ فهو: كاللفظ، بخلاف الفعل، فإنه وإن لم يدل إلا: بواسطة اللفظ، لكنه غير مستفاد منه، وغير تابع لفحواه وفيه تكلف،
فالأولى أن يقال: (إنه الخطاب الواحد - أو المستفاد منه - المفيد لمعنى، ولا يحتمل غيره.
وثانيهما: بمعنى الظاهر، وقد تقدم تفسيره، وكثيرا ما يريد الشافعي بالنص (الظاهر).
وثالثها: (أنه اللفظ الذي يفيد معنى، مع أنه لا يحتمل غيره احتمالا يعضده دليل)، وهذا أعم من
الأول، وبينه وبين الثاني مباينة، وبين الثاني والثالث عموم وخصوص من وجه.
والظاهر: الواضح.
واصطلاحا: ما تقدم في اللغات، وحده على هذا:(أنه اللفظ الذي يفيد معنى، مع أنه يقبل غيره إفادة مرجوحة)، فاندرج تحته ما دل على المجاز الراجح. وبه يبطل قول من قال:(الظاهر: ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي، مع أنه يحتمل غيره احتمالا مرجوحا). ويطلق على: (اللفظ الذي يفيد معنى)، سواء أفاد معه غيره إفادة مرجوحة، أو لم يفد، وهو: أعم من كل ما تقدم.
والتأويل: الترجيع، آل إليه الأمر، أي رجع.
واصطلاحا: قيل: (إنه عبارة عن احتمال يعضده دليل، يصير به أغلب على الظن، من المعنى الذي دل عليه الظاهر).
هو: غير جامع، إذ لا يتناول الفاسد، واليقيني، ثم إنه جعله عبارة عن: نفس الاحتمال، وليس كذلك.
فالأولى: أن يقال: (إنه عبارة عن صرف اللفظ عما دل عليه بظاهره إلى ما يحتمله).
فلا يتطرق التأويل إلى النص، والمجمل، ثم ليس كل احتمال يعضده دليل فهو: تأويل صحيح مقبول، بل يختلف ذلك باختلاف ظهور المأول، فإن كان دلالة المؤول عليه - مع الخارجي - تزيد على دلالته على ما هو ظاهر فيه - قبل، وإلا: فلا.
وقد جرت عادة الأصوليين بذكر ضروب من التأويلات - هنا - لتمييز الصحيح منها
عن الفاسد، حتى يقاس عليه ويتمرن الناظر فيه، ويتيقظ.
مسألة:
أول الحنفية قوله عليه السلام لغيلان، وقد أسلم على عشرة نسوة:"أمسك أربعا وفارق سائرهن" بتأويلات ثلاثة:
(أ) أي: ابتدى العقد، إطلاقا لاسم المسببية على السبب.
(ب) أي: امسك الأول، ولعل النكاح وقع على التفريق.
(ج) لعله كان قبل حصر (عدد) النساء، وقبل تحريم الجمع بين الأختين، فيكون العقد على وفق الشرع.
وهي بعيدة:
أما الأول: وإن قيل بعدم توقف المجاز على السمع - فلأنه فوض الإمساك والفراق إلى الزوج، ولخلائه عن القرينة المعينة له، والإحالة إلى القياس غير جائز، لعدم أهلية السائل له؛ لحداثة عهده بالإسلام.
ولأنا نمنع اقتضاء القياس ذلك في حق مثله، لأنه تغليظ في حقه، وحاله يناسب الرخصة.
ولعدم فهمهم ذلك، إذ (لو) فهموا منه ذلك، لجددوا العقد، ولنقل - (وإن ندر) -، ولا يعارض بمثله، لأن ذلك ظاهر اللفظ، وعلى وفق الاستصحاب، فلا ينقل اكتفاء بهما.
ولعدم ذكر شرائط النكاح، والإحالة إلى البيان السابق غير جائز، لحداثة عهده بالإسلام.
ولأنه إنما سأل عن الإمساك والفاق بمعنى استدامة النكاح وانقطاعه، فيحمل في الجواب عليهما للمطابقة. ولأن ظاهر الأمر للوجوب أو الندب أو المشترك بينهما. وابتداء التزوج من العشرة من غير متصف به، والموافقة (بمعنى): الإنكاح: ليس بفعل، ولا يعارض بمثله، لأنا نمنع أن الإمساك من العشرة غير متصف بذلك، ولأن ذلك يوهم تخصيص ابتداء النكاح
منهن.
أما الثاني: فلأنه إطلاق للنكرة وإرادة المعين من غير قرينة ولأن حديث فيروز - بصراحته - ينفيه.
ولأنه روى أنه أسلم واحد على خمس، فقال له عليه السلام:"اختر أربعا منهن"، قال الزوج: فعمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها، ولو كان المراد منه الأول لما خفي عليه ظاهرا إذ هو المقصود بالفهم، وأنكر عليه.
ولأن تقدير علم الرسول بذلك - بعيد.
وأما الثالث: فهو - أيضا - كذلك لأن تقدير صدور كل ما روى من هذا الجنس قبله بعيد. ولأن الظاهر أن ذلك كان ثابتا في ابتداء الإسلام، يؤكده قول المفسرين في قوله تعالى:{إلا ما قد سلف} [النساء: آية 23]، أي: زمان الجاهلية.
ولأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تزوج بأكثر من أربع، أو جمع بين الأختين، سيما هم الناكحون، ولم ينقل مفارقته عند نزول آية الحصر، كما نقل التحول إلى الكعبة، وكما نقل
كسر جرار الخمر عند تحريمها، سلمناه، لكن إسلامهم بعد نزول آية الحصر، وإلا: لما أمروا بمفارقة الزائدة.
وعند هذا نقول: إن اعتبرتم في صحة أنكحة الكفار حصول الشرائط وارتفاع الموانع في ابتداء العقد - فقط - وجب أن لا تحكموا بصحة أنكحتهم إذا تزوجوا بشهود، أو في العدة، فلا يقروا عليها بعد الإسلام.
وإن اعتبرتم حصولها في التبداء العقد، وفي حالة الإسلام معا، أو في حالة الإسلام - فقط - وجب أن لا يجوز لهم اختيار الأربع بعد الإسلام، الواقع بعد نزول آية الحصر، سلمنا سلامته عن المناقضة، لكن يجب - حينئذ - بطلان نكاح الكل، كما لو طرأ في أخوة الرضاع على زوجتيه.
فإن قلت: القياس يقتضي ذلك، لكنه ثبت جواز الاختيار على خلافه - رخضة.
قلت: مثله، ولو كان النكاح بعد ثبوت الحصر، فلا حاجة إلى ذلك التقدير، إذ المحذور لازم على التقديرين.
مسألة
أو الحنفية قوله: (أيما امرأة
…
) الحديث، يحمله على الصغيرة أو الأمة، أو المكاتبة.
أو بأنه تؤول إلى البطلان غالبا، لاعتراض الولي، وعدم إجازته، لقصور نظرهن في مصالح النكاح، لأنها مالكة البضع فكان كبيعها.
والكل ضعيف: إذ البطلان مصرح به، مؤكد بالتكرار، وتسمية الشيء بما يؤول إليه إنما يجوز إذا كان يؤول إليه كائن لا محالة، كقوله:{إنك ميت} [الزمر: آية 30]. وكتسمية (العصير) بالخمر فإنه لو آل إليه لا محالة.
سلمنا إطلاقه بناء على الغالب، (لكن) لا نسلم عليه البطلان، سلمناه.
لكنه خلافا الأصل، لا يصار إليه إلا: لقرينة تعارض ما ذكرنا، والعموم ظاهر جدًا، فإنه أتى بصيغة (أي) في معرض الشرط والجزاء، ثم أكده بـ "ما" المزيدة المؤكدة للعموم، ثم رتب الحكم عليه بـ "انتفاء" المشعرة بالتعليل، هذا مع أنه ذكره ابتداء تمهيدا لقاعدة، لا في معرض السؤال عن شيء حتى يظن تخصيصه (به).
ويخص الأول: بأنه لا يطلق عليها المرأة، وبأنها لو زوجت نفسها بغير إذن وليها فالعقد غير باطل عندكم، بل هو موقوف على إجازته، وفي الحديث الجزم بالبطلان.
وهذا آت في الأمة، ويخصها: أنه قال عليه السلام: "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها"، ومهرها ليس لها، و - أيضا - نكاح الإماء من غير إذن الولي نادر جدًا، فيمتنع حمل
مثل هذا العموم عليها.
ويخص الثالث: أن المكاتبة بالنسبة إلى عموم النساء نادرة، فإرادتها من المرأة وما معها من القرائن المعممة - دخول في الألغاز والتلبيس، والتأويل المقبول هو: الذي ينساغ من ذي الخبر أن يريد ذلك، لا ما يعد لغزا وهزلا.
وقياس التخصيص على الاستثناء - لو سلم الحكم فيه -:
قياس في اللغة غير مفيد، وهو: أن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلمة الواحدة، وأنه ليس فيه، لأنه مصرح به.
مسألة
أول من جوز إبدال الزكاة قوله عليه السلام: "في أربعين شاة شاة" بمقدار قيمة الشاة، إقامة للمضاف إليه مقام المضاف، إذا المقصود دفع حاجة الفقراء، وتخصيص الشاة بعينها غير معقول المعنى فيصح الإبدال لحصول المقصود.
وقال منكروه: محتمل لكن الظاهر معنا، وهو ظاهر.
وهو: الحق: لا ما زعمه بعضهم: أنه نص في الباب، فلا يقبل التأويل، لأن إيجاب الشيء أعم من إيجابه بعينه، أو مع إيجاب بدله، لكنه ظاهر في إيجابه بعينه، من حيث إن إيجاب بدله معه يحتاج إلى الإضمار، وإن إيجاب شيء آخر غير المذكور خلاف الأصل.
وسد خلة الفقراء - وإن كان مقصودًا - لكنا نمنع أن يكون كل المقصود، فلعل مشاركة الفقراء مع الأغنياء في جنس ماله مقصود معه - أيضًا - إما تعبدًا، أو لأن الحاجة قد تتعلق بخصوصية ذلك النوع من المال، وقد تعذر وجوده، فلا يقدر على تحصيله، أو إن كثر لكن
مؤنة التحصيل، و- حينئذ - المصير إلى ما ذكرنا أولى، للجمع بين ظاهر الحديث والتعليل.
و- أيضا - العلة في الأصل فرع الحكم، فلا تستنبط على وجه تبطله، إذ العلة ملائمة للحكم والفرع، غير منافية للأصل.
ومنه يعرف بطلان تأويلهم آية الصدقات، إلى بيان جهة الصرف، فجوزوا صرفها إلى واحد من الأصناف، لأن المقصود: إنما هو دفع الحاجة إلى جهة من هذه الجهات، بدليل سياق الآية، فإنه تعالى ذكر أولا: من ليس أهلا لها، ثم ذكر من هو أهل لها.
لأن ظاهر الآية يقتضي استيعابهم، والتشريك بينهم، لأنه أضافها إليهم بـ (لام) التمليك، و (واو) العطف المقتضي للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه.
وما استنبط من العلة يبطله، فكان باطلا.
على أنا نمنع (أن) ما ذكروه هو المقصود، ولم لا يجوز أن يكون استيعابهم على وجه التشريك مقصودا - أيضا - معه -، وبل هذا أولى، لأنه جمع بين ظاهر اللفظ والتعليل، وكونه ذكر بعد ذكر من ليس أهلا لها لا ينافي وجوب الصرف إليهم على وجه التشريك، إذ فيه بيان الأهلية، وزيادة.
ومنه تأويلهم آية الكفارة، فإنهم أولوه بإطعام طعام ستين مسكينًا، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
فجوزوا الاقتصار على واحد، لظنهم أن المقصود إنما هو دفع حاجة المسكين، ولا فرق بين دفع حاجة الستين في يوم، وبين دفع حاجة واحد في ستين يوما.
لأن هذه العلة مبطلة لما دل عليه ظاهر النص من وجوب الصرف إلى الستين.
على أن ما ذكروه من المقدمتين ممنوع، إذ دفع حاجة العدد مقصودًا، لا مجرد دفع الحاجة، وليس الواحد كالستين، فيما يرجى منهم من الدعاء واجتماع الهمم على صلاح حال المكفر مبدءا وميعادا.
- و - أيضا - الإطعام متعد إلى مفعولين، والأصل في نحوه: إذا اقتصر على أحدهما أن يقتصر على الأهم، فذكر عددهم يشعر باعتبار الشارع به إشعارا ظاهرا فترك اعتباره، واعتبار متروكه - خلاف مقصود الكلام.
مسألة
ومنه تأويلهم قوله تعالى: {ولذي القربى} [الأنفال: آية 41].
فإنهم صرفوه عن عمومه، باعتبار الحاجة فيهم.
وهو خلاف ظاهر ما يقتضيه (لام) التمليك، وترتيب الحكم على الوصف المناسب و - أيضا - الحاجة زيادة على النص، وهو نسخ عندهم، لا يثبت بخبر الواحد، فكيف بالقياس.
وكونه مذكورا مع اليتامى والمساكين، مع قرينة إعطاء المال ليس قرينة فيه، وإلا: لزم النقض في حق الرسول، لوجودها (فيه).
و-أيضا- لو كان مثل هذه القرائن مانعا من أن يكون زيادة على النص - لكان تيسير الفاتحة مانعا من أن يكون إيجابها في الصلاة زيادة على النص، هذا لو اعتبروا القرابة مع الحاجة، أما إذا لم يعتبروا ذلك - وهو الظاهر من مذهبه، إذ الخمس عنده مقسوم على ثلاثة أسهم، ويعطي ذوي القربى من سهم المساكين، لفقرهم - فذكر القرابة كالعجم الطماطم،
وهو تعطيل للنص.
لا يقال: فائدته أنه لا يظن عدم جواز الصرف إليهم، كما في الصدقة - لأنه ليس فيه ما يحيله، وفيه إبطال دلالة (اللام)، و (واو العطف) لأنه عطف على الرسول، وعطف عليه اليتامى والمساكين، وكله للاستحقاق، وفيه عطف العام على الخاص، مع تخلل الفصل، وهو غير معهود منه فإن قلت: ما ذكرتم لازم عليكم في اليتامى.
قلت: لا نسلم، فإن الأظهر عدم اعتبار الحاجة فيهم، سلمناه، لكن لا يلزم جميعه بل بعضه، وهو تخصيص لفظ اليتيم لكونه مشعرا به.
ومنه تأويلهم قوله عليه السلام: "لا يقتل مؤمن بكافر" - تخصيصه بالحربي خلاف عمومه، وما أشعر به من ترتيب الحكم على الوصف، وكون الخاص معطوفا عليه لا يصلح أن يكون قرينة فيه، لما سبق في العموم
مسألة
تأويل بعض أصحابنا قوله عليه السلام "من ملك ذا رحم محرم عتق عليه"، فإنهم خصصوه بالأصول والفصول:
مع أنه من ألفاظ الشرط والجزاء، ورد ابتداء لتأسيس قاعدة لا في حكاية حال وسؤال، حتى يتوهم تخصيصه به وهو خلاف ما أشعر به ترتيب الحكم على الوصف.
و-أيضا- إرادتهم من اللفظ من غير قرينة: ألغاز وتلبيس.
و-أيضا- لا يفهم عمومه بالنسبة إليهم في العرف، كما لا يفهمون باللفظ القريب، لاختصاصهما بقرب القرابة، وشرف النسب، حتى يندردون تحته في الوصية - على قول - فكيف يختص بهم؟
ولأنه سلك فيه مسلك الحدود، من حيث إنه بدأ بالأعم، وختم بالأخص، فيجب أن يكون جامعا.
والشافعي إنما لم يقل بمقتضاه؛ لأن الحديث موقوف على الحسن بن عمارة.
مسألة
أولت الحنفية قوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل":
بحمله على القضاء والنذر.
وهو بعيد، لأن النكرة المنفية من أدل ألفاظ العموم، سيما ورد ابتداء للتأسيس، (فحمله) على القضاء والنذر النادرين بدون قرينة - بعيد -.
وبحمله على نية صوم الغد قبل الغروب، وكان الطحاوي يتبجح (به)، وهو أبعد من الأول:
لأن سياقه للنهي من تأخير النية عن الليل، والحث على تقديمها على اليوم الذي يصومه، وهذا كالفحوى له، وهو مضاد لما ذكره.
ولأن حمل النهي على المعتاد أولى، وتقديم النية غير معتاد ولأن عدم التبييت قد يكون بالتقديم، وقد يكون بالتأخير، واللفظ عام فيحمل عليهما.
ولأن فيه دفع الإجمال، وتكثير الفائدة، فكان أولى وبحمله على نفي الكمال.
والكلام فيه - على ما تقدم في الإجمال - وهو أقرب مما سبق، وضعفه:
بأنه مستعمل في القضاء، والنذر لنفي الصحة، فلو استعمل في غيره لنفي الكمال - أيضا - لزم الاستعمال في مفهومين مختلفين.
لا يقال: إنما يلزم ذلك لو كانا مرادين منهن وهو ممنوع لما ذكرتم - لأن اللفظ عام، والحكم ثابت فيهما على وفقه، والأصل عدم دليل (آخر) وندرتهما إنما (ينفي) الاقتصار لا الاندراج.
مسألة
ضعف التأويل: لقوة ظهور اللفظ، ولضعف دليله، وأولهما.
فمن الثاني: منع عموم نحو: قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر"، حتى لا يتمسك به في الخضروات؛ لأن المقصود منه الفصل بين واجب الجنس، لا العموم - لأن كونه مقصودا لا يمنع من أن يكون غيره مقصودا معه
مسألة
منه ما يقتضي حمل كلامه تعالى، أو كلام رسوله، على شذوذ اللغة والإعراب.
مثاله: من قال بوجوب مسح الرجلين عينًا، كالشيعة، وتخييرا بينه وبين الغسل كالحسن البصري، أو جمعا بينهما كالظاهرية.
لما تمسكوا عليه بقراءة الكسر، فإنها تقتضي وجوب المسح، للعطف على مسح
الرأس.
منع بعض النفاة العطف عليه، بل هو عطف على ما قبله لتقدير الحكم إلى الغاية، والكسر للجواز.
فأجيب:
بأنه يقتضي حمل كلامه تعالى على نوادر الإعراب، فإن الكسر على الجوار من نوادره التي لا يعدل بها عن محل السماع، إلا: لضرورة الشعر، سلمناه، لكن إنما يجوز فيما لا لبس فيه كقولهم (جحر ضب خرب) وقوله: كبير أناس في بجاد مزمل.
ليس منه، إذ كسرته للقافية، سلمناه، لكن فيما لا فصل فيه، وحرف العطف فصل.
فإن قلت: فما وجه مذهب الجمهور على قراءة الكسر؟
قلت: جهه: أنه معطوف على المشترك بين المسح والغسل، وهو مذكور تضمنًا، وهو غير شاذ، بل فصيح.
قال سيبويه: (الكلام الجزل الفصيح، يسترسل في الأحايين استرسالًا، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغير في معانيه) ومنه:
علفتها تبنا وماء باردا
…
ولقد رأيتك في الوغى
…
متقلدا سيفا ورمحا
وأطفلت
…
بالجهلتين ظباؤها ونعامها
وهذا إن لم يكن تأويلا فظاهر، وإن كان فهو أولى من جعله معطوفا على مسح الرأس، وتأويل قراءة النصب بجعله عطفا على المحل، لما فيه من الجمع بين الأدلة.