المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

سبق حكمه، وإن لم يوجد ما يرجح به كما سبق - الفائق في أصول الفقه - جـ ٢

[الصفي الهندي]

فهرس الكتاب

- ‌التأويل

- ‌مقدمة(تفسير النص والظاهر والمؤول)

- ‌المفهوم

- ‌المسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌أدلة القائلين بالتوقف

- ‌أدلةالقائلين بالوجوب منالقرآن والسنة والإجماع والمعقول

- ‌دليلهم من المعقول

- ‌وللإباحة

- ‌مسألة

- ‌دليل القائل بالتفصيل بين العبادات

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فصل في النسخ

- ‌مسألةالفرق بين النسخ والبداء

- ‌مسألةالنسخ جائز عقلا، وواقع سمعا

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌أدلة المخالفين ومناقشتها

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌أدلة القائلين بعدم الوقوع

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌خاتمة

- ‌الإجماع

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فصلفيما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو خبر الواحد

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌‌‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فروع:

- ‌مسألة

- ‌مسألةفي مراتب نقل الصحابي، وهي سبع:

- ‌مسألةفي مراتب رواية غير الصحابي:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألةمن شروط حكم الأصل:

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌خاتمة:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فروع:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألةفي تقسيم المناسب:

- ‌مسألة

- ‌مسألةالمناسبة دليل علية الوصف:

- ‌مسألةقيل في حد الشبه:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألةالسبر والتقسيم:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة في النقض

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألةتقسيم العلة من وجه:

- ‌مسألة

- ‌مسألةوفي التعليل بالحكمة:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فرع:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألةفي شرائط الفرع:

- ‌خاتمةفي تقسيم القياس

- ‌الاعتراضات

- ‌التعادل والترجيح

- ‌مسألة

- ‌فرع:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌‌‌مسألةالترجيح لا يجري في القطعية:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌الاجتهاد

- ‌مسألة

- ‌مسألةفي جواز الاجتهاد في عصر الرسول

- ‌مسألة

- ‌ مسألة

- ‌مسألة

- ‌خاتمة:

- ‌المفتي والمستفتي

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌فرع:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌ مسألة

- ‌الأدلة التي اختلف فيها

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألةفي تفاريع القديم:

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

- ‌مسألة

الفصل: سبق حكمه، وإن لم يوجد ما يرجح به كما سبق

سبق حكمه، وإن لم يوجد ما يرجح به كما سبق في التعادل.

وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا: فالعمل بالعلوم بكل حال، لكن بطريق النسخ إذا علم تأخر المعلوم عند من يرى نسخ الخاص بالعام، وحيث قدم المعلوم عليه لا بطريق النسخ، فإنه قد ترجح المظنون عليه بسبب الحكم، فيقع التعارض، والحكم على ما سبق.

هذا ما قيل، وفيه نظر، إذ الترجيح الظني لا يعارض القطعي، كما في ترتيب الأدلة، فإنه إذا قدم الخبر على القياس فلا يعارضه القياس يكون حكمه خطرا أو غيره.

‌مسألة

يرجح الخبر: بكونه معلوما. وبكثرة الرواة. وعلو الإسناد، فإنه قلة الوسائط تقلل احتمال الكذب والنسيان والسهو ونحوها، لكنه قد يكون مرجوحا لغزة وجوده، فإن كان بحيث لا يعز فيكون راجحا من غير معارضته.

ويكون راويه عدلا، إن قبل رواية المستور، وتكون عدالته ظهرت بالاختيار، وتكون الاختيار بحصبة طويلة، ويكون عدالته بتزكية جمع عظيم، وبشهرة عدالته وثبته. فإن وجد في أحدهما الشهرة وفي الآخر الاختيار فتعارض. وتكون تزكيته ممن هو أكثر بحثا عن أحوال الرواة، وبتزكية الرجل الأعلم، والأروع، ويذكر أسباب العدالة في تزكيته ويكون رواية غير مبتدع، وهذا إذا لم تكن بدعته نحو: كون الكذب كفرا، أو كبيرة. وبتزكيته بالعمل بالخبر على تزكيته بالرواية عنه إن جعلت الرواية تزكية، وبعمل رواية، وإن تحققت العدالة بغيره، وبتزكية ذي المنصب العلي، لأنه يمنعه من الكذب كدينه.

تنبيهات:

(أ) لو علم حصول شيء مثلها في الرواية - بواسطة أو ابتداء - ترجح على ما ليس فيه ذلك.

(ب) قد يقع التعارض بين هذه الترجيحات، فيعتمد فيه على ما يغلب الظن.

ص: 350

وبعدم رواية - فقها كان أو أصولا - لأن العالم إذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهر - بحث عنه وسأل عن سبب يزيله، فيطلع على ما يزيل الإشكال. وقيل: إنما يرجح به فيما يروى بالمعنى، وأهميته ظاهرة، والجواب أظهر، إذ الإشكال غير منحصر في المعنى. وبزياداته كالأروع بالنسبة إلى الورع. وبعلمه بالعربية، لتحفظه في مواضع الغلط، وإذا سمع ما لا يسوغ في العربية بحث عنه فيطلع على الإشكال. ويمكن أن يقال: إنه يعتمد على لسانه، فلا يتابع في الحفظ وبزيادته.

ويكون الراوي صاحب الواقعة، ولهذا رجح خبر عائشة وأبي رافع (التقاء الختانين) و (تزويج ميمونة، وهو غير محرم)، على ما يعارضهما، لأن أبا رافع كان السفير في النكاح.

وبقربه من المروي عنه حاله السماع، كرواية ابن عمر:(إفراد الرسول بالحج)، لأنه كان تحت ناقته، وسمع إحرامه به. وبكثرة مخالطته للمحدثين، وبعلمه بروايته عن شيخه، على رواية من يعتمد على نسخة سماعه. وبقلة الالتباس في المروى، كما إذا روى أنه شاهد زيدا ظهرا والآخر روى أنه شاهده سحرا. وبكونه ذكيا وبزيادته، وبضبطه، وبزيادته، فإن كان أحدهما أسرع حفظا، وأسرع نسيانا، والآخر أبطأ حفظا، أبطأ نسيانا: فهما متعارضان، ويحتمل أن الثاني أولى، لأنه إنما يروى بعد حفظه فبقاؤه أغلب على الظن، ولذا انتفاع هذا الطبع بعلمه أكثر.

ومن هو أسرع حفظا، وأبطأ نسيانا أولى، وعكسه آخر المراتب. ثم المراد من قلة الضبط

ص: 351

وكثرة النسيان: أن لا ينتهي إلى حد لا تقبل معه رواية.

وبكثرة حفظ ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوة حفظها، وبجزم الرواية، وبسلامة عقله، دائما، مع احتمال رواية الآخر حال اختلال عقله. وبتعويله على حفظه، وقيل: لا، إذ تطرق الخلل والخلط إلى المحفوظ أكثر من المكتوب.

وبكونه من أكابر الصحابة، إذ منصبه العالي يمنع من الكذب - أيضا - وبكونه غير مدلس - إن قبل روايته - وبكونه مشهورا باسم واحد، إذ يحتمل أن الآخر مجروح بالآخر، وبكونه معروف النسب وبكونه غير ذي رجال تلتبس أسماؤهم بأسماء ضعفاء.

وبتقدم إسلامه، إذ ظن صدقه أكثر، لأصالته فيه، وباحتمال تقدمه مع القطع بانتفاء التأخر، وبكونه غير راو في الصبي، وبتحمله زمان البلوغ أو الإسلام، وبعد احتمال تحمله في الصبي والكفر.

النوع الخامس: الترجيح الراجع إلى زمان الرواية وتحمله الإسلام

وبكونه متواترا وإن قيل بإفادته الظن، لغلبته، وبكون رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم متفقا عليه، وبنسبته الحديث إليه قولا لا اجتهادا، كما يقال: وقع بين يديه، فلم ينكر عليه، ويذكر نسب الحكم الذي تضمنه الخبر وبروايته بلفظه عليه السلام وبكونه معتضدا بسباقه أو سياقه، أو حديث آخر، وبعدم إنكار راوي الأصل، وبكونه مرويا بالعنعنة والآخر بالشهرة، أو بإسناده إلى كتاب من كتب المحدثين، وهذا أولى من الشهرة، وبكونه مسندا إلى كتاب مشهور، وبكونه مسندا إلى الصحاح، وبقراءة الشيخ عليه ثم بقراءته عليه، ثم المناولة لأنها إجازة وزيادة، ثم الإجازة على الكتابة.

ص: 352

[ترجيح الخبر بكيفية الرواية]

وبسماعه من غير حجاب كرواية القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، لأنها عمته، بخلاف من روى أنه حر فإنه سمعه من وراء حجاب، وبكون الرواية متفقا عليها. وبكونه مسندا. وقيل: المرسل أولى. القاضي: يتساويان.

لنا:

أن عدالة المروي عنه في صورة الإرسال معلومة لمن روى عنه فقط، وفي الإسناد لكل الرواة، لتمكنهم من البحث عنه، ورواية من ظهرت عدالته لجمع أولى من راوية من لم تطهر عدالته إلا: لواحد إذ قد يخفى الحال على الواحد ويبعد بذلك على الجمع.

لعيسى بن أبان:

(أ) أن الثقة لا يجزم بإسناد الحل والحرمة إلى الرسول ما لم يقطع به، أو قريب منه، وليس ذلك في المسند.

(ب) قال الحسن رضي الله عنه: (إذا حدثني نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث تركتهم وقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وأجيب:

عن (أ) أن ظاهره الجزم وهو غير مراد قطعا، فيحمل على ظنه وهو حاصل له فقط، بخلاف المسند: فإن الظن فيه حاصل للكل، فكان أولى. وهو الجواب عن (ب)، ويخصه: أنه يقتضي أن تكون مراسيله مقبولة لا غير.

وقد يقول به القاضي في الإسناد: العدالة معلومة لكل الرواة وفي الإرسال - حصل الجزم به، أو ظن قريب منه، فيتساويان.

ص: 353

وجوابه: منع التساوي، فإن العدالة معلومة في صورة الإسناد بالبحث والاختيار، فكان الظن فيه أكثر.

فروع:

(أ) ثم رجحان المرسل إنما يصح لو قال الراويك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا قال: عن رسول الله فلا، على الأظهر، لأنه في معنى قوله: روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غير مقبول أو مرجوح. وهو إذا كان الراوي ممن يمكن أن يرى المروي عنه، فإن قوله عنه ظاهر في الرواية عنه، على ما سبق في الأخبار، فهو كالمسند.

نعم: إذا لم يكن، فلا بد من واسطة، وهو غير معلوم العدالة، فلا يقبل.

(ب) مراسيل الصحابة أولى من غيرهم، أن جعل من صور الخلاف إذ الرواية من الأعراب الذين لا صحبة لهم - نادرة. ثم مراسيل التابعين، إذ الظاهر روايتهم من الصحابة.

ثم مراسيل أئمة النقل، وما فيه الوسائط أقل وأولى.

(ج) إذا علم من حال الراوي أنه لا يروي إلا: عن عدل: فمراسيله كمسنده، وإن علم من حاله أنه لا يرسل إلا: إذا حصل له ظن أكثر من ظن الرواية عن عدل - فمرسله راجح على مسنده.

فرع:

رجح قوم الخبر بالذكورة والحرية، كالشهادة. وفيه نظر، إذا الحرية فيها شرط، ولا ترجح بالذكورة فيما تسمع فيه شهادة النساء، وفي غيره فهي شرط كالحرية، فلا يتحقق اعتباره بالشهادة.

وبكونه مدنيا، إذ الغالب عليه التأخر، وما يحتمل كونه مدنيا راجح على ما لا يحتمله.

وبوروده عند قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وبكونه محتملا لذلك والآخر ورد في حال الضعف. وبتأخير إسلام راويه فيما علم سماعه حال إسلامه، وعلم موت المتقدم قبل إسلام المتأخر، أو علم سماعه له قبل إسلامه، أو أن أكثر ما يرويه قبل إسلامه، وحيث لا تقدم روايته، فرواية المتقدم أولى، لسبق إسلامه. ويكون سماع أحد الروايتين بعد إسلامه، وإسلامه

ص: 354

مع إسلام الآخر، ولم يعلم أن سماعه بعده، وكذلك إذ علم أن أكثر ما يرويه كذلك.

وبكونه مؤرخا بتاريخ مضيق كصلاته بالناس قاعد. وهم قيام في مرضه الذي توفي فيه، فيرجح على قوله:"إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين". وبكونه خاليا عن التاريخ المتقدم، والآخر مقيد به. وبكونه خبر التخفيف في حادثة كان الرسول يغلظ فيها زجرا لهم عن العادات، لأنه أظهر تأخرا.

ويحتمل ترجيح المغلظ، لأنه عليه السلام ما كان يغلظ إلا: في قوته، فهو أظهر تأخرا.

وأجيب:

بمنعه، فإن كثيرا من التغليظات تشرع أولا، وأكثر التخفيفات آخر الأمر.

التراجيح الراجعة إلى حال ورود الخبر

وبورود أحد العامين على سبب، لأنه إن اختص به فظاهر بخصوصه وإلا: فكذلك لأن دلالته على السبب أقوى، ولذا لم يجز تخصيصه، وهذا يقيد رجحانه بالنسبة إلى السبب دون غيره. وبكونه لفظا والآخر فعلا. وبفصاحة لفظ الخبر - إن قبل الركيك -، وبكونه أفصح، وقيل: لا، لأن الفصيح يتفاوت كلامه، فيها، ولذا نرى آيات القرآن متفاوتا فيها.

ص: 355

وبخصوصه:

وبكونه حقيقة، فإن غلب المجاز ففيه خلاف تقدم، وبكون الحقيقة ظاهرة معروفة، وبكون حقيقته متفقا عليها، وبكونه غير مشتمل على ما هو خلاف الأصل، كالاشتراك والإضمار، وبكون الحقيقة شرعية أو عرفية، على ما سبق في اللغات. وهذا في لفظ واحد دل في أحد الخبرين على شرعي، وفي الآخر على لغوي.

فأما في لفظين: أحدهما دل على شرعي، والآخر على لغوي لم ينقله الشارع عنه، فهو أولى، لأنه لغوية وشرعية وعرفية معا، وبكونه مجازا أظهر، على ما سبق في اللغات. وبكونه عاما لم يدخله التخصيص، لكونه حقيقة وحجة وفاقا.

وأورد:

أنه خاص بالنسبة إليه، والخاص راجح.

وأجيب:

بمنعه مطلقا، فإن الخصوص الأصلي مرجح دون ما ليس كذلك. وبكونه إلا من وجهين، وبكون حكم الخبر مذكورا بعلته، أو بمعنى مناسب. وبالتنصيص على الحكم، واعتباره بمحل آخر، لأنه إشارة إلى علة جامعة كقوله عليه السلام:"أي إهاب دبغ فقد طهر"، كالخمر يتخلل فيحل، فيرجح في المشبه على قوله:"لاتنفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".

ص: 356

وفي المشبه به في تخلل الخمر، وعلى قوله:"أرقها". وبتأكيد دلالته كقوله: (أيما امرأة

) الحديث. فيرجح على قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" - لو سلم صحته، ودلالته على المطلوب بالتنصيص على الحكم مع ذكر المقتضى لضده، كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور

" الحديث فإن تقديم ضده عليه يقتضي النسخ مرتين. وبكونه مقرونا بالتهديد كقوله: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم".

وبزيادته:

وبدلالته على الحكم لمنطوقه، أو بغير واسطة، وهو بالنسبة إلى مفهوم المخالفة، وإلا: فمفهوم الموافقة قد يترجح عليه، وهو بشرط أن لا يكون المفهوم خاصا، والمنطوق عاما، وإلا: فيخص به عموم النطق على ما سبق، ومفهوم الموافقة راجح على مفهوم المخالفة، لأن

ص: 357

دلالته قوية.

ولذا حجيته متفق عليها، ورجح الآخر، فإنه لا يتوقف على مفهوم المقصود من الحكم، ووجوده في محل السكوت، وبأن فائدته تأسيسية. وبكونه نهيا، لأن دلالته على الترك أشد من دلالة الأمر على الفعل ولذا اتفق على تكراره، ونقل الخلاف شاذ. وقال كثير ممن قال بعدم إفادة الأمر الوجوب، بإفادته التحريم ولأن المطلوب فيه دفع المفسدة، وأنه أهم من جلب المنفعة، ولقلة إجمالة، ولسهوته الإتيان بمقتضاه، قال صلى الله عليه وسلم:(بعثت بالسمحة السهلة) الحديث وبكونه مبيحا والآخر أمر: وقيل: بترجيح الأمر.

لنا:

(أ) أن ترجيح الأمر عليه تعطيل له، وفي عكسه تأويل الأمر، فكان أولى.

ورد: بمنع لزوم التعطيل، وهذا لأن حمل الإباحة على جواز الفعل كحمل الأمر عليه، فالتأويل لازم على التقديرين. فإن قلت: المبيح صريح قوله: أجزت لك أن تفعل وأن لا تفعل، ومثله لا يقبل التأويل.

قلت: مثله في الأمر، كقوله: أوجبت عليكم الفعل، ولا يجوز لك أن تتركه، والجواب الجواب.

(ب) أنه لا إجمال في الإباحة لعدم الاختلاف في معناها، بخلاف الأمر، فكان أولى.

(ج) العمل بالمبيح يمكن على تقديرين: مساواته له، ورجحانه عليه فإن بتقدير المساواة يتخير بين الفعل والترك، وهو يرجح المبيح ووقوع واحد من اثنين أرجح من وقوع واحد بعينه. وقد عرف ضعفه في التعادل.

(د) المبيح أسهل فكان أولى، للحديث.

ولمن رجح الأمر:

(أ) أنه أحوط فيجب المصير إليه، للحديث.

(ب) العمل بالأمر حمل لكلام الشارع على الحكم التكليفي والشرعي دون العمل بالإباحة، لما سبق، فكان أولى. وبكونه خبرا عندما يكون الآخر أمرا. لبعض ما سبق. ولقوة دلالته. ولأنه لو لم يعمل به لزم الخلف في كلام الشارع، بخلاف الأمر، فإنه لا يلزم هذا

ص: 358

المحذور عند تركه. وبكونه مبيحا أو خبرا عندما يكون الآخر نهيا، لبعض ما سبق وبكونه خبرا عندما يكون الآخر مبيحا. وبكونه غير دال بالاقتضاء، وبكونه دالا بالاقتضاء عندما يكون مجازا أو إضمارا أو إشارة أو إيماء أو تشبيها، أو مفهوم المخالفة، ثم الإشارة، والإيماء والتشبيه راجح على مفهوم المخالفة.

وبكونه دالا بالاقتضاء، لضرورة صدق المتكلم عندما يكون الآخر كذلك، لضرورة وقوع الملفوظ، ثم ما يكون لضرورة وقوعه عقلا على ما يكون شرعا. والعام المخصوص راجح على الخاص والعام المؤولين لكثرة التخصيص، وقلة التأويل. والمقيد أولى من المطلق، ولو من وجه، وهو أولى من العام.

والعام المخصوص أولى من المطلق المؤول، وبكونه عاما من وجه وخاصا من وجه عندما يكون الآخر عاما مخصوصا، وبكونه مطلقا ومقيدا عندما يكون الآخر مطلقا. وبكونه نكرة منفية، ثم الشرط والجزاء، ثم الجمع المعرف، وعموم البدل أولى من الشمول، لما فيه من الخصوص، واسم الجنس المعرف أولى من المفرد. وبكونه غير مضطرب.

وبكونه مشتملا على زيادة لم ينفها الآخر، كما روى أنه عليه السلام "كبر في العيد سبعا". "ورُوي أنه كبَّر أربعًا).

وبتأكيده بسياقه أو سباقه، وبكونه على قاعدة العربية، وبشهرة لفظه، أو معناه، وبكونه على

ص: 359

لغة قريش أو الحجاز، وبكونه دالا من غير تقديم وتأخير. وبكونه ناقلا وعليه الجمهور. وقيل: بكونه مقررا، وهو اختيار الإمام.

للناقل:

(أ) أن تقديم المقرر يقتضي النسخ مرتين. وما قال عليه: أن دلالة الأصل مشروطة بعدم دلالة السمع، فيزول لزواله، فلا يكون نسخا، وبأنه لو تقدم المقرر لكان المنسوخ حكما ثبت بدليلين، وأنه نسخ الأقوى بالأضعف ضعيف، لاقتضائه عدم النسخ بالكلية، ولو سلم فلا شك في أنه خلاف الأصل، لأنه تغيير عما كان، فإن منع فيقتضي أن لا تكون البراءة الأصلية حجة.

و- أيضا - توقيف دلالة الدليل على الشطر خلاف الأصل، وما ذكر من دلالة العقل مشروطة بعدم دلالة السمع، يقتضي أن لا يكون الحكم ثابتا إلا: بالسمعي، فلز يلزم ما ذكر.

ثم إنه إن عنى بكونه أقوى: أنه يقيني فممنوع، أو غيره فلا نسلم امتناعه، إذ يجوز نسخ حكم ثبت بخبرين أو ثلاثة من أخبار الآحاد بخبر واحد وارد بعدها، مع أن الظن - هناك - أقوى.

ثم إنه منقوض بما إذا علم تقدم ورود المقرر، ثم المعتبر القوة الحاصلة من الدلالة الشرعية.

(ب) الناقل يستفاد من ما لا يعلم من غيره دونه، فكان أولى.

وأورد عليه:

أنه يقتضي تقديم المقرر، فإنه لو ورد الناقل قبل المقرر كان المستفاد من كل واحد منهما ما لا يعلم من غيره، فكان أولى وستعرف ما عليه.

(ج) الناقل فيه زيادة علم فكان أولى.

ورد:

بأن الفائدة في تقديم المقرر أكثر، لما سبق فكان أولى.

ص: 360

للمقرر:

أنه لو تقدم على الناقل لكان وروده حيث يستقل العقل بمعرفة حكمه، ولو تأخر عنه لورد في محل الحاجة، فكان أولى.

وأجيب:

بمنع استقلال العقل بمعرفته - حينئذ - وهذا لأن العقل لا يستقل بمعرفة كونه شرعيا، وهو إنما يصير شرعيا بتقريره، فلم يكن واردا حيث لا يحتاج إليه، لأن الجواز المكيف بكونه شرعيا غير معلوم بالعقل، وإن كان أصله معلوما به.

ثم كونه واردا حيث لا يحتاج إليه لا يعارض مفسدة زايدة النسخ، فكان الناقل أولى، دفعا لزيادة المفسدة. ثم قال القاضي عبد الجبار: هذا ليس من باب الترجيح:

(أ) بأنا نعمل بالناقل على أنه ناسخ.

(ب) ولأنه لو كان ترجيحا لوجب العمل بالمقرر عند عدم الناقل، والعمل بالأصل - إذ ذاك

وأجيب:

عن (أ) أنا لا نقطع بالتأخر ليكون نسخا.

وعن (ب) بمنع انتفاء اللازم، فإن العمل - إذ ذاك - بالمقرر، حتى جعل حكمه شرعيا - لا يصح رفعه، إلا: بما صح به النسخ وبكونه مثبتا عند الفقهاء. وقيل: بكونه نفيا. وقيل: إن ذكر لفظا معناه النفي فهما سواء، وإن نفي العمل أو القول صريحا، كقوله: لم يفعل، أو لم يقل، فالمثبت. عبد الجبار: إذا كانا شرعيين فهما سواء مطلقا، كما إذا اقتضيا الوجوب والإباحة، حيث يقتضي العقل الحظر، أو الحظر والإباحة حيث يقتضي العقل الوجوب، أو الوجوب والحظر، حيث يقتضي العقل والإباحة. وهو غير مستقيم على رأينا، إذ لا حكم

ص: 361

للعقل، ولا على رأيهم إذ فرض حيث يقضي العقل فيه بحكم غير حكمهما، و - حينئذ - ينبغي أن يرجح ما فيه النقل أكثر، أو التقرير على ما يرى من ترجيح الناقل أو المقرر. نعم يستقيم ذلك على رأيهم في المثال الأخير، لتساوي جهتي النقل والتقرير فيه، ويستقيم - أيضا - الحكم بتساويهما، حيث لا يقضي العقل فيه بشيء كما هو على رأينا.

وفي الأمثلة نظر من وجه آخر، وهو أنه ليس المراد من كونه خبر نفي: أن يبقى مقتضاه الآخر، وإن كان ضمنا، وإلا: لكان خبرين مختلفين كذلك، بل المراد منه: أن ينفي الحكم بصراحته، كما أورد لذلك مثالا: من أنه عليه السلام "صلى داخل الكعبة". وروى الآخر: "أنه ما صلى"، ودليله على المسألة - على ما يذكر - يشير إلى هذا، و- حينئذ - لا تصح الأمثلة.

ثم احتج القاضي على تساويهما: أن المبعث معه زيادة علم، والثاني متأكد بالأصل فاستويا.

وأجيب:

بمنع التساوي، فإن اشتماله على زيادة علم راجح، إذ نسيان ما جرى، والذهول عنه، أقرب من تخيل ما لم يجر جاريا.

ولمن قدم النافي:

أن تقدير وروده بعد المثبت يفيد فائدة تأسيسية، وعسكه يفيد تأكيدية، فكان الأول أولى.

ص: 362

وأجيب:

بمنع أنه تأكيدية، فإنه كون النفي شرعيا وهو غير حاصل قبل.

ولمن فصل:

فإنه: إن نفى صريحا - قولا أو فعلا - فالمثبت أولى، لزيادة العلم، وإلا: فهما سواء، لأن كل واحد منهمامثبت.

ولمن قدم المثبت:

بأنه: مفيد للحكم الشرعي إجمالا، والنافي ليس كذلك، فكان أولى، لما سبق غير مرة.

وعورض: بأن تقرير ماكان على ما كان من الشارع أكثر، فكان الإلحاق به أولى.

وأجيب: - أيضا -: بأن التقرير على العدم الأصلي حكم شرعي. وبأن الحكم غير مقصود بالذات، بل الحكمة التي تتربت عليه، وكذلك الحكمة التي تتربت على النفي مقصودة بالذات، فلا فرق. وفيهما نظر، من حيث إن ذلك غير لازم في جميع صور النفي، وبأن عدم الفرق بينهما من ذلك الوجه لا يقتضي عدمه من وجه آخر، وهو حاصل يعرف بأدنى تأمل.

وبكونه خبر حظر عندما يكون الآخر إباحة، إذا كان شرعيين عند الإمام أحمد والكرخي والرازي، وكثير من الفقهاء. قال أبو هاشم وعيسى بن أبان: إنهما سواء.

للألين:

(أ) قوله عليه السلام: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا: وقد غلب الحرام الحلال).

وقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

فإن قلت: المراد منه ما اجتمع فيه جهة الحل والحرمة، كالمتولد بين ما يؤكل وبين ما لا

ص: 363

يؤكل، أو ما جهل حاله، ككونه مذبوحا أو ميتة، وما نحن فيه ليس كذلك. قلتك كون ذلك مرادا لا يقتضي عدم إرادة غيره، وإن عنى به أنه كل المراد: فممنوع، ثم لا نسلم أن ما نحن فيه ليس كذلك، لأن حرمة تينك الجهتين بتحريم الشارع، فإذا كان اجتماعهما في الشيء موجبا للحرمة فكذا اجتماع الخبرين، بل أولى، لأصالتهما.

لا يقال: الفرق، وهو: أن جهتي الحل والحرمة حاصلتان معا في الشيء بخلاف الخبرين، لأن ذلك غير حاصل في كل الصور، كما في مجهول الحال، فإنه لم يتحقق فيه الذبح والموت معا.

فلو قيل: الموجب لذلك كونه مشكوكا فيه، وهو حاصل فيه - لقيل مثله في الخبرين، فإن الموجب لذلك كونه مقولا فيه بالحرمة والإباحة وهو حاصل فيه.

(ب) قال عثمان رضي الله عنه في الأختين المملوكتين: (أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحريم أولى)، واشتهر ذلك منه، ولم ينكر فكان إجماعا.

(ج) أن من طلق إحدى نسائه، أو أعتق إحدى إمائه، ونسى عينهما - حرم عليه الكل، فكذا ما نحن فيه، بجامع أن تغليب الحرمة على الحل يدفع ظن ضرر العقاب عن النفس.

(د) أن ترك المباح أولى من فعل المحرم، فالتحريم أحوط، وأما الخطأ في الاعتقاد فمشترك.

للآخرين:

(أ) أن في ترجيح خبر الإباحة لم يقطع بفوات مصلحة الحظ، لجواز أن يتركه، بخلاف عكسه، فكان أولى.

(ب) كونه مباحا من التخيير معلوم، وحرمته من النهي ليس كذلك، لتردده بين محامله، فكان الإباحة أولى.

وأجيب:

عن (أ) أنه مبني على وجوب رعاية المصالح، ثم بمنع أنه لم يقطع بفوات مصلحة الحظر،

ص: 364

فإن مصلحته غير مصلحة الترك ثم إنه متناقض، لأنه لا يعمل بمقتضى الإباحة إلا: وليس في الفعل والترك مفسدة ولا مصلحة فيمتنع أن يقال: إنه تحصل تلك المصلحة بتركه.

وعن (ب) أنه قد يستفاد التحريم بصراحة لفظه، فلا أولوية وخبر الحظر راجح على خبر الكراهة والندب والوجوب، للاحتياط، ولكون دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة، وبكون الترك أسهل من الفعل، فكان أولى، للنصوص النافية للحرج والمشقة.

وخبر الوجوب أولى من الثلاثة، للاحتياط ولشدة اهتمام الشارع به ولكون الداعية إلى فعله أكثر، لما في تركه من العقاب، وفي فعله من الأجر الجزيل فكان أفضى إلى الوقوع. وخبر الكراهة أولى من الندب. وخبر الندب أولى من المباح، لبعض ما سبق. وقيل: المباح لتأييده بالأصل وكثرته، وسهولته. وبكونه معقول المعنى؛ لأنه أفضى إلى الوقوع، وغير معقول المعنى، وإن كان أكثر ثوابا؛ لكونه أشق على النفس، لكن اعتبار كونه أفضى إلى الوقوع أولى، لكونه مقصود الشارع؛ وبكونه مفيدا للحكمين، لزيادة الفائدة. وبكونه مثبتا للطلاق والعتاق، وهو اختيار الكرخي، لكونه موافقا الأصل. وقيل يتساويان، لأن الآخر ناف.

وقيل: الثاني أولى، لأنه على وفق الدليل الشرعي، المقتضى لصحة النكاح، وثبوت ملك اليمين. وبكونه مفيدا للحكم الوضعي بالنسبة إلى التكليفي، لأنه لا يتوقف على ما يتوقف هو عليه، من أهلية المخاطب وتمكنه من الفعل. وقيل: التكليفي أولى، لأنه أكثر، ومقصود بالذات. وبكونه نافيا للحدود والقصاص.

(أ) لقوله عليه السلام: "لا ضرر

".

(و)"ادرأوا الحدود بالشبهات".

ص: 365

لا يقال الدرء بعد الثبوت، أو بعد وجوب المقتضى له، والنفي أعم، فالدليل خاص والمدعي عام، - لأنا نقيس ذلك عليه بالطريق الأولى.

(ب) أنه يسقط بتعارض البينتين مع ثبوته في أصل الشرع، فسقوطه بتعارض الخبرين مع أنه لم يسبق له ثبوت فيه - أولى.

وأورد عليه:

أنه لا نزاع في سقوطه، لكنه بالبقاء على العدم الأصلي عند تعارض الخبرين، فليس ليه دلالة على تقديم النافي، وإنما يتكون تقديما له أن لو صار ذلك النفي شرعيا، لا يرفع (إلا: بما يرفع الشرعي، وهو ممنوع.

(ج) أنه متأيد بالأصل فكان أرجح.

وبكونه أخف، للنصوص النافية للحرج، والمشقة، والإلحاق بالأغلب، ولكونه تعالى رحيما ورؤوفا غنيا عن العبيد وطاعتهم، فإنه ينفي أن يكلفهم بالشاقة.

وقيل: بعكسه. لقوله: (الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف وبي). وبأن ثوابه أكثر، وأنه أظهر تأخرا.

أجيب:

بأن الكلية الموجبة لا تنعكس كنفسها، وأن اعتبار غرض الشارع أولى، فإن الأخف أفضى إلى الوقوع. وبمنع أنه أظهر فإنه كان عليه السلام يشدد في الأمر. لقطع المألوف. وبكونه مما لا تعم به البلوى بالنسبة إلى ما تعم به البلوى، لأنه متفق عليه، وأبعد من الكذب.

وبكونه موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو قياس.

ص: 366

وبكونه غير متروك العمل من الصحابة، أو من راويه، أو من أهل المدينة، أو أكثر الأمة، والخبر لا يجوز أن يخفى عليهم، لأن هذه الأمور إن لم توجب الرد، فلا أقل من المرجوحية.

وقيل: لا يرجح به، لأن ما ليس بدليل لا يرجح به. وبكونه معتضدا براجح، وبكونه غير مؤول بتأويل مرجوح. وبكونه دالا على الحكم وعلته، أو على الحكم بالنسبة إلى ما ذكر فيه العلة فقط.

وقيل: بتساويهما، لما لكل واحد منهما من المرجحية. وبكونه دالا على الحكم بصيغة الإخبار، وبخطاب مشافهة، لكن بالنسبة إلى المخاطبين، أما بالنسبة إلى غير المشافهة أولى، لأنه غير مختلف في تخصيصه. وبكونه غير مختلف فيه في تطرق النسخ إليه، وبكونه غير قابل له، وبكونه لو لم يعمل به لتعطل بالكلية. وبكونه قصد به بيان الحكم، كقوله:(أيما إهاب دبغ فقد طهر) فإن دلالته على الطهارة راجحة على دلالة قوله: (نهى عن افتراش جلود السباع)، على نجاسته، وكقوله تعالى:{وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد س} [النساء: آية 23]{إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: آية 24]. وبكونه على وفق الاحتياط أو أقرب منه. وبكونه لا يوجب غضا من منصب الصحابة، كمعارض حديث (القهقهة).

وبكونه متضمنا لما ظهر تأثيره في الحكم، كما روى أن بريرة أعتقت تحت عبد، وروى أنها أعتقت تحت حر، فإن ضرر الرق قد ظهر تأثيره في الاختيار.

وبكونه مقترنا بتفسير الراوي، وبتلقي الأمة بالقبول.

تنبيه:

أنه (قد) يقع التعارض بين هذه الوجوه وبين كمياتها وكيفياتها فالمتبع ما أفاد زيادة

ص: 367

الظن.

مسألة

يترجح الإجماع على النص، لعدم تطرق النسخ إليه. ويمكن ترجيحه عليه، لأصالته. وعلى الإجماع الآخر بكونه قطعيا، وبزيادة إفادته الظن، وبكونه إجماع الصحابة ولميته غير خاف، أو التابعين، لقوله: (خير القرون

) الحديث، ولا يخفى الكلام في بقية الإجماعات مما سبق.

مسألة

يرجح القياس بكون علته وصفا حقييا، لكونه متفقا عليه، ولأنه أشبه بالعلل العقلية.

ثم بكونها حكمة، لأنها الداعي إلى الحكم، ولأن التعليل بها علة بنفس المؤثر، والعدم علة لسبب اشتمالها عليها، وهذا وإن اقتضى رجحها على الحقيقي، لكن الحقيقي يترجح عليها بانضباطه، ولهذا كان متفقا عليه، والعدم ينضبط بالنسبة إلى الوجود، والإضافي عدمي، وإن جعل وجوديا فهو كالحكم الشرعي علة بمعنى الأمارة، والتعليل بالعلة بمعنى الحكمة أولى منها بمعنى الإمارة، والتقديري عدمي، ولأنها أشبه بالعلل العقلية. ثم بكونها عدما، لأنه أشبه بالأمور الحقيقية، وبالعلل العقلية ولكونه مناسبا، والحكم الشرعي والإضافي والتقديري ليس كذلك.

وقيل: الحكم الشرعي أولى منه، لأنه أشبه بالوجود.

وأجيب:

بمنعه، لأنه اعتباري، ولهذا أجاز تبدلها بالأشخاص والأزمان وفيه نظر لا من جهة أنه آيل

ص: 368

إلى الكلام، وهو وجودي. ثم الإضافي إن جعل وجوديا، وهذا إن لم يجعل الحكم الشرعي وجوديا وإلا: فلا يظهر ترجحه عليه، بل هو أولى للكثرة، ولتلازم بعضه للبعض.

ثم الحكم الشرعي، إذ التقديري عدمي وفاقا، نادر.

وتعليل الوجودي بالوجودي أولى من الأقسام الثالثة الباقية، لأن العلمية والمعلومية وجوديتان، ولأنهما أشبه بالعلل العقلية، وللاتفاق عليه. ثم مقابلة للمشهابهة.

وفيه نظر، إذ مخالفة الأصل فيه أكثر من الباقين.

ثم تعليل العدمي بالوجودي لحصول الأشرف في الأشرف، ولأن في عكسه جعل العدم علة الوجود.

وقيل: بتساويهما.

وبكونها مفردة للاتفاق عليه، ولكثرة احتمال وجودها، وقلة احتمال تطرق العدم إليها.

وبكونها بمعنى الباعث لكونه متفقا عليه، ولكثرة قبول الطباع (له)، ولسهولة فعله - إذ ذاك.

وبكونها معلومة الوجود، والترجيح بكونها بديهية أو حسية - فيه خلاف، مبني على تطرق الترجيح إلى اليقينيات.

وبكون ظن عليتها أكثر، وقد يكون ذلك لقلة مقدماته.

ولرجحان دليل عليتها، فما هو نص في العلية راجح على ما هو ظاهر فيها وهما راجحان على الطرق العقلية.

وكذا الإيماءات عند من لا يشترط المناسبة في المومأ إليه، ومن شرط فاللائق بمذهبه ترجح (على) المناسبة عليها، لأنها تستقل دونها.

ص: 369

ونقل الإمام الإجماع في ترجحها على الطرق العقلية مطلقا، لكن أبدى فيه نظرا، يدل (على ما ذكرنا وإن كان، فما أبدى من النظر: نظر) على ما ذكرنا في (النهاية).

ثم إن لم تشترط المناسبة في المومأ إليه، فما اتصف بها أولى من غيره، وإنما الراجح بشرط تساويهما وإلا: فتعارض. والنظر في نفس الإيماء أولى من دليله.

(أ) لأنها علة لعلية العلة، فتأثيرها لها لا لدورانه، فإنه أمارة العلية، ولأنه يوجد بدونها، كما في سبق في فصله، وتوجد بدونه كما إذا كانت أخفى أو مع المناسبة فالمناسبة أولى. والمناسبة أولى من الدوران.

(ب) أن ظن العلية فيها أكثر للاتسقراء، فكانت أولى. وقيل: الدوران أولى.

(أ) لأن المضطرد المنعكس أشبه بالعلل العقلية، وصحته مجمع عليها.

وأجيب:

(ب) علل الشرع معرفات، والطرد والعكس أدخل في التعريف منها عن (أ): بمدى وجوب العكس في العقلية، وقد عرف سنده ثم لا نسلم أن الأشبه بها أولى، فإن العقلية موجهة، والشرعية معرفة أو داعية، ومع الفرق لا يمكن اعتبار أحدهما بالآخر، والإجماع إنما هو في مطرد منعكس مناسب، والكلام في مناسب غير مطرد منعكس، وفي منعكس مطرد غير مناسب، وترجحه عليه ممنوع، وهذا لأن الطرد غير معتبر والعكس غير واجب، ومقتضى هذا: أن لا يكون الدوران حجة، ترك العمل في الخالي عن المعارض فيبقى على الأصل في غيره، لأنه غيره، ثم المناسب - أيضا - مجمع عليه بين القائسين.

وعن (ب): بمنعه، فإنه إذا كانت منضبطة بوصف كانت مناسبة ومعرفته، ثم هو معارض لفوائدها. والمناسب أولى من التأثير، لأن تأثيرها لنفسها، وتأثير المؤثر بواسطة، فكانت أولى، ولأنه مفتقر إليها من غير عكس.

والمناسبة أولى من السبر الظني الذي جميع مقدماته ظنية فإن كان البعض قطعيا: فذلك

ص: 370

يختلف بحسب كثرة إفادة الظن وقلته، فإن تساويا فيه تساويا.

وقيل:

المناسبة أولى: نظرا إلى أن نوعها راجح على نوعه. ثم الدليل على رجحانها على الظني:

(أ) أنه يفتقر إلى ثلاث مقدمات، وليس الدال عليها قطعيا. وإلا: لكان قطعيا وليس كلامنا فيه، وهو: إما المناسبة أو غيرها.

والمناسبة المستقلة أولى من غير المستقلة، وغيرها إما عقلي أو غيره، وهي أولى من العقلي بأسرها، مع أنها وحدها كافية، وكذا من غيره، إيماء كان أو غيره، لقلة مقدماتها وكثرة السبر مع مقدمات ذلك الدليل.

(ب) القياس يخص به العام، وإن كان مقطوع المتن، فإذا تقدم على العام، فلأن يقدم السبر بالطريق الأولى.

وزيف:

بأن ذلك لخصوصه، وما نحن فيه ليس كذلك.

(ح) الاستدلال له بالمناسبة على العلية: استدلال بما به العلية عليها، والسبر ليس كذلك، فهي أولى.

وقيل:

السبر أولى، لأنه يفيد مع ظن العلية نفي المعارض، وهي ليست كذلك.

وأجيب:

بمنع أن ذلك يوجب الترجيح، وهذا لأنه لا يفيد قوة في العلة بل هو خارج عنها، سلمناه لكن عند تساوي الظن بالعلية، وهو ممنوع، ثم إن هذه الفائدة معارضة بفوائد المناسبة، والترجيح معنا لأنها متعددة.

ومنه يعرف أن المناسبة راجحة على بقية الطرق. ثم المناسبات يترجح بعضها على بعض، فأعلاها: التي في محل الضرورة، ثم ما هي من كمالاتها، ثم التي في محل الحاجة، ثم كمالاتها. ثم التي في محل الزينة والتتمة. وفي كل نوع من الأنواع مراتب: فأعلاها: المراتب الضرورية: حفظ الدين: إذ به تحصل السعادة الأبدية، ثم حفظ النفس.

ص: 371

ولا نسلم أن حفظ الدين محض حق الله، بل فيه حق اله وحق العبد، إذ به السعادة الأبدية، وحفظ نفسه وماله.

ولو سلم فحق الآدمي إنما يقدم على حق الله تعالى في فروع الشرع، دون أصوله، وإنما يقتل الشخص قصاصا، لا ارتدادا عند المزاحمة لأن المقصود منه - وهو إعدام النفس الخبيثة المرتكبة على الجريمة العظيمة زجرا لغيره عن مثلها - حاصل مع حصول التشفي لأولياء المقتول، ولو قتل ارتدادا لم يحصل هذا المقصود، فكان قتله قصاصا أولى.

لا يقال: زجر غيره عن مثلها إنما يحصل لو قتل لردته، لأنه إذا علم أنه مقتول، سواء وجب عليه القصاص (معه) أو لم يجب، حصل ذلك. ثم حفظ الأنساب، ثم حفظ العقل، ثم المال. والوصف المناسب نوعه لنوع الحكم راجح على الأقسام الثلاثة الباقية، ثم المناسب نوعه لجنسه، ثم عكسه، ثم الأخير.

وقيل:

الثاني والثالث متعارضان.

والجنس الأقرب أقدم، والجلي أولى من غيره، وكل ما فيه الحاجة أمس فهو أولى، وكذا مما يقع في القسم الثالث، فإن ما فيه مقصوده أكثر فهو أولى. وترجح المناسبة بكونها متأيدة بغيرها، وخالية عن المعارض ولكنها مناسبة من وجهين، وبكونها غير متخصصة.

والسبر راجح (على الدوران وغيره من الطرق، وهو راجح) على بقية الطرق، والدوران في صورة واحدة أولى منه في صورتين، والمقيد بغيره أولى، والوجودي والعدمي أولى من كل واحد منهما، والوجودي أولى من العدمي.

والمؤثر والشبه متقاربان، ولو قيل: يرجحانه على الشبه لم يكن فيه بأس، وهما راجحان على البقية. ولاشبه في الصفة أو الصورة أولى منه في الحكم، لأنه أشبه بالعقل والعقلية. وقيل: الحكم الشرعي أولى.

ص: 372

وتقيح المناط القطعي أولى من الظني، وما دليل عليته الإجماع أولى. ويرجح القياس باطراد علته، والمتخصصة لمانع، أو فقد شرط أولى من المتخصصة على سبيل الاستثناء، أو التي لا يعقل في تخصصها ذلك. وبتعديتها، وبكثر تعديتها، وبكونها غير منكسرة، وبانعكاسها فإن اطردت إحداهما وانعكست الأخرى: فالمطردة أولى، وبكونها مقترنة مع الحكم، وما يتقدمها الحكم وما يتأخر عنها - متقاربان.

وبكونها متضمنة للحكمة، والأخرى مظنة، وبكونها لا تعكس على أصلها من نص أو حكم، وبكونها لا توجب حكما على خلاف دليل أو مرجح، من تفسير الراوي، وبكونها مستنبطة من أصول عدة.

وبكونها غير مناسبة لضد الحكم المطلوب ولو بوجه مرجوح، وبكونها أفضى إلى حصول مقصودها، وبكونها متضمنة مصلحة عامة وبكونها مستنبطة من حكم ليس على خلاف الأصل. وضابط الحكمة إذا كان جامعا مانعا أولى من الذي ليس كذلك وترجيحها سبب حكمها وحكم الأصل، ودليله يعرف ما سبق.

ويرجح القياس بكون حكمه في الفرع لا يوجب محذورا، كتخصيص عموم، وتقييد مطلق، وبكونه مثبتا للحكم في جميع الفروع، وبكون فرعه مشاركا لأصله في عين الحك وعين العلة. ثم بمشاركته له في عين العلة وجنس الحكم، ثم عكسه، ثم بالمشاركة في الجنسين.

وبالعلم بتأخر فرعه عن أصله، وبالعلم بوجود العلة في الفرع، وبغلبة ظنه. وبكون حكم فرعه مدلولا عليه بالنص جملة، والقياس أصله، وبكون الحكم في فرعه لا يبطل الحصر في أصله، وبكون العلة فيه خالية عن المعارض. وبكثرة فروعه.

وقيل: لا:

(أ) قياسا على النص، إذ لا ترجيح بكثرة العموم.

(ب) التعدية فرع الصحة، فلا يرجح به.

وأجيب:

عن (أ) بالفرق، وهو: أن تقديم الخاص لا يوجب إلغاء العام، و - ههنا - لا بد من إلغاء

ص: 373