الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أحببت والتقدير قال أبو خبر (1) وكان على إذا توضأ وضوءه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم الذي ذكر فيه من شرب الماء قائمًا ينافي ما ورد في غير هذا من النهي عنه فأما أن يحمل النهي على التنزيه (2) والأدب أو النهي الطبي لا الشرعي فيقال إنه مقصور على ما إذا كان الماء المشروب كثيرًا إذ لا إضرار في القليل منه إذا شربه قائمًا ثم إن تحضير البركة بشربه لا يقتضي كونه بحيث لا يجوز به الاستنجاء كما هو معتقد العوام والله أعلم.
[وروى شعبة هذا الحديث إلخ] هذا ليس باضطراب (3) حتى يخل بصحة الحديث أو حسنه وإنما هو خطأ في تسمية شخص واحد والاضطراب إنما يكون حيث يختلف المسمى دون الاسم فقط.
[باب في النضح]
لما كان النضج مشتركًا لفظيًا بين معنيين (4) أحدهما الاستنجاء
(1) هكذا في الأصل والصواب على الظاهر قال عبد خير.
(2)
وبسطه ابن القيم وابن عابدين فأرجع إليهما لو شئت وسيأتي شيء منه في المجلد الثاني.
(3)
أي اضطراب مخل للصحة قال السيوطي في التدريب: إن الاضطراب قد يجامع الصحة وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر، انتهى.
(4)
أي على المشهور وإلا فقد قال ابن العربي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أربعة أقوال: الأول معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صبًا ولا تقتصر على مسحه الثاني معناه استبرى الماء (أي البول) بالنثر والتنجنح الثالث رش الازار، والرابع الاستنجاء بالماء، انتهى مختصرًا، قلت: وميل المصنف إلى المعنى الثالث لأن بعد الوضوء لا يكون إلا هذا وعزا النووي هذا المعنى إلى الجمهور ويؤيده رواية ابن ماجة عن الحكم بن سفيان أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ كفًا من ماء فنضح به فرجه وغير ذلك من الروايات فهذا المعنى أشهر معانيه.
لما فيه من النضح على الذكر، والثاني الرش على الازار الذي يماس الذكر وكان المعنى الأول لا يفيد فائدة جديدة إذ الاستنجاء بعد الحدثين معلوم ومندوب إليه في الكتاب العزيز، وفي غير رواية حمل الحافظ رضي الله تعالى عنه النضج ههنا على المعنى الثاني بزيادة قوله في الترجمة بعد الوضوء فإن النضج بالمعنى الاول لا يكون إلا قبل الوضوء ومعنى قوله إذا توضأت على المعنى الأول أنك إذا أردت الوضوء وقد بلت فانتضح، وأما على المعنى الثاني فهو على ظاهره وفائدة هذا النضج دفع الوسوسة عن نفس المصلي لو أحس بردًا في أثناء الصلاة، ومن البين أنه لو تبين بعد الصلاة خروج شيء فيها لم تصح صلاته ولو أحس فمضى على صلاته ثم ظهر أنه لا شيء صحت صلاته غير أن النضج في الصورتين يفيد الطمأنينة في وقت أدائه الصلاة حتى لا تلتبس عليه صلاته.
[قوله واضطربوا في هذا الحديث] لفظ الحديث ههنا بالمعنى اللغوي (1) أي في هذا اللفظ من الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم أو المعنى اضطربوا في هذا الحديث لأجل هذا اللفظ فالحديث بمعناه المصطلح والاضطراب يقع تارة في المتن وأخرى في الإسناد (2).
[قوله ألا أدلكم إلخ] فائدة السؤال الإيقاع في النفس بأوكد كرز إذ ربما
(1) فإن الحديث لغة ضد القديم ويطلق على قليل الكلام وكثيره كذا في شرح الشرح للنخبة ولا مانع من الحمل على هذا اللفظ.
(2)
فإن الاضطراب قد يقع في الإسناد وأخرى في المتن وقد يقع في كليهما أي الإسناد والمتن معًا، كما بسطه أهل الفن والواقع ههنا هو الاضطراب في السند ومثل السيوطي في التدريب الاضطراب في السند بهذا الحديث، وقال: اختلف فيه على عشرة أقوال ثم بسطها فأرجع إليه لو شئت.
يتوهم أن ذلك الحظ الجسيم من الثواب كيف يحصل بالحقير من العمل فيظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لعله أراد بكلامه الترغيب والمجاز لا حقيقته المفهومة منه بحسب الظاهر فلما سألهم وتشوقوا إليه أجاب بقوله إسباغ الوضوء إلخ أي إتمام فرائضه وسننه على المكاره أي مع مكاره النفس من يرد الماء وصرد الهواء وغير ذلك.
[وكثرة الخطأ] جمع خطوة إلى المساجد إما لبعده عنه أو لكثرة دوره إليه في الفرائض والنوافل والمراد بالانتظار انتظاره في مجلسه من المسجد بعد الصلاة لصلاة أخرى وإلى هذه الخصلة الثالثة أشار بقوله ((فذلكم الرباط (1))) وإن كان بمعنى ربط الخيول لكنه أريد به ههنا القيام على الثغور رابطي خيولهم وهذا على مراتب الجهاد وإن كان الجهاد كله خيرًا إذ المجاهد يجاهد ويقاتل في حين من الأحيان معلوم وسائر أوقاته فارغة تحصل له طمأنينة ولا كذلك المرابط فإنه لا يأمن أن يناله العدو في حين وذلك للصوق أرضهم وديارهم ووجه الشبه غير مختلف فإن المقيم في المسجد لانتظار الصلاة يجاهد نفسه الباعثة على الخروج من المسجد كل وقت والمحرضة على الاشتغال بأشغاله الدنيوية كل ساعة وممكن إرجاعه إلى الثلاثة جميعًا فأفهم وبالله التوفيق.
ثم المحو المذكور في الرواية محو عن كتاب الأعمال (2) لا المحو عن اللوح المحفوظ فيمحى من كتب الأعمال التي تكتبه الملائكة ويمحى ما أثره منه في قلبه وعلى وجهه تراه الأرواح المطهرة والملائكة وإن لم نشاهده والمراد بالخطايا هي كل ما اقترفه من الصغائر والكبائر وحقوق الله، وأما حقوق العباد فيغتفر بالندم ما فيه من الذنب والإثم، وأما نفس حقه فلا يغتفر بنفس الندم والتوبة لما كانت هي الرجوع عما اكتسب فالتوبة من حقوق العباد إنما هو إيتاء حقوقهم
(1) وقال ابن العربي: أشار بذلك إلى تفسير قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الآية.
(2)
وبهذا جزم ابن العربي في العارضة.
وردها إليهم فكيف يكتفي بمجرد الندم ولا يذهبن عليك الفرق بين الإثم والحق وهما موجودان في أخذ حقوق العباد والتعدي عليهم والأول لما كان حقه تعالى اغتفر بالندم والاستغفار دون الثاني فأحفظ وبالله التوفيق.
[قوله يقال عبيدة] بفتح العين المهملة مكبرًا ككريمة، والأول صغر، ومما (1) إنسانيه الشيطان.
[حديث المسح بالمنديل] واختلف فيه أقوال العلماء (2) وجملة الأمر عندنا أن مسحه صلى الله عليه وسلم كان لبيان الجواز وثبوته الذي كان لابسه لبيان الجواز وإظهار أن المستعمل من الماء لا يكون نجسًا ولا منجسًا، غاية الأمر أنه لا يبقى مطهرًا للنجس الحكمي ويكون اختلاطه بالماء الغير المستعمل منافيًا للتنظيف فقط لا مورثًا للتنجيس فيه ما لم يغلب، والسبب فيه أن النجاسة الظاهرة لا توجب حكمًا (3) باطنًا والنجاسة
(1) كان هذا في الأصل على الحاشية بطريق الترك.
(2)
قال ابن العربي: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، أنه جائز في الوضوء والغسل، قاله مالك والثوري، الثاني مكروه فيهما قاله ابن عمر وابن أبي ليلى واختاره أبو حامد من أصحاب الشافعي، الثالث كرهه ابن عباس في الوضوء دون الغسل، وقال الأعمش: إنما كره في الوضوء مخافة العادة والصحيح جواز التنشق بعد الوضوء ثم ذكر الآثار المؤيدة لذلك ثم قال وما روى الترمذي من الكراهية لأن الوضوء يوزن، ضعيف لأن وزنه لا يمنع من مسحه، انتهى، وذكر صاحب الدر المختار التمسح بمنديل في الآداب وبسطه ابن عابدين، وقال النووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل مكروه في الصيف مباح في الشتاء، انتهى. وبسط العيني في روايات المنديل.
(3)
قلت: وعلى هذا فينبغي أن يجوز الوضوء بماء خالطته نجاسة ظاهرية والأمر ليس كذلك اللهم إلا أن يقال إن ذلك لعارض وهو أن ماء الوضوء يحتاج إلى الطهارة عن النجاسة الحقيقية والحكمية معًا كما يحتاج إلى الخلو عن الجامدات المخرجة له عن طبع الماء.
الباطنة لا تورث حكمًا ظاهرًا فالماء المستعمل لما لم يخالطه شيء من النجاسات التي نجاساتها ظاهرة لم يحكم بنجاسته بحسب الظاهر بل يجوز به إزالة النجاسات الظاهرة، وأما في الباطن الغيب عنا فقد أزيلت به نجاسة الآثام فلا يتصور إزالة النجاسة كذلك به ثانيًا كما لا يتصور إزالة النجاسة الحقيقية ثانيًا بالماء الذي أزيلت هي به مرة وهذه هي الرواية المعتمدة من مذهب الإمام التي ينبغي أن يعتد بها من أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر فيجوز استعماله في إزالة النجاسات الحقيقية دون الحكمية فيكتفي به حيث يكون المناط إزالتها عن محالها بخلاف ما لا يكتفي فيه بذلك.
[وقد رخص قوم إلخ] هذه الفرقة لا ترى بأسًا ولا كراهة بخلاف الآتين (1) ذكرهم فإنهم قربوا ذلك بالكراهة التحريمة.
(1) هكذا في الأصل، ومقتضى القواعد الآتي ذكرهم لأفراد الفاعل لكن قد يحصل المضاف من المضاف إليه معنى الجمعية، قال شارح الأشباه: وقد تقصيت عما يكتسبه المضاف من المضاف إليه فأوصلت ذلك إلى ثمانية عشر شيئًا، ولم يسبقني أحد إلى ذلك إذ غاية ما أوصلها الجمال ابن هشام في المغنى إلى عشرة، والجلال السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية إلى ثلاثة عشر وقد نظمتها في أبيات وهي، شعر:
ثمان وعشر يكتسبها المضاف من
…
مضاف إليه فاستمعها مفصلاً
فتعريف تخصيص وتخفيف بعده
…
بناء وإعراب وتصغير قد تلا
وتذكير تأنيث وتصدير بعده
…
إزالة قبح والتجوز يافلا
وظرفية جنسية مصدرية
…
وشرط وتنكير فلا تك مهملاً
وتثنية جمع وقد تم جمعنا
…
صحيحًا من الأدواء على زعم من قلا
واعلم أن الوضوء الموزون هو الذي (1) التصق بالعضو، فأما ما تقطر منه كان غسالة، ومما ينبغي أن يعلم أن الفرق بين المستحب (2) والمكروه بمعنى ترك الأولى مما يعسر ويشتبه لما بين التعريفين من التشابه وصدق تعريف المستحب على كثير مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز مع أنها كانت أحرى أن لا تفعل، والتفصي عنه بأن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو مرتين إما أن يكون بعد العلم بكونه محظورًا أو فعله لئلا يعد محظورًا فهو على ترك الأولى وبيان الجواز، وإما أن يكون فعله تحصيلاً للمثوبة والحسنى وإنما كان تركه شفقة على الأمة وخوفًا من أن تتأكد السنية أو تصل إلى حد الوجوب فيتشققوا فهو مستحب فترك الفعل ههنا مع رغبته إليه بخلاف الأول فإن الترك ثمة مرغوب فيه والفعل لعارض البيان، وهذا التمييز موقوف على استقراء تام وتصفح وافر، ثم إن قوله ((الوضوء يوزن)) لفظ الحديث (3) وكونه من قول الزهري وسعيد مما يحمل على ذلك لكونه مما لا يدرك بالرأي، وهذا الحديث دال على طهارة المستعمل من الماء.
(1) هذا هو الأوجه لما قال السيوطي أخرج تمام في فوائده وابن عساكر في تاريخه من طريق مقاتل بن حيان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال، انتهى، فالتقريب لا يتم إلا بأن يراد به الملتصق بالعضو لأنه لا دخل للمسح وعدمه في الساقط.
(2)
يعني أن تعريف المستحب وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات وتركه أخرى يصدق على أفعاله التي فعلت مرة أو مرات لبيان الجواز فالفرق بينهما دقيق.
(3)
قال السيوطي رواه البيهقي في شعب الإيمان من طريق الهندي بلفظ كل قطرة توزن وهذا الذي ذكره الزهري قد ورد مرفوعًا ثم ذكر حديث مقاتل ابن حبان المذكور قبل.
[قوله حدثنيه على بن مجاهد إلخ] كان جرير قد تداخله النسيان في كبره فأراد أن ينبه أن روايتي هذه مما يرويها علي بن مجاهد عني فكان إسناده أولاً: حدثني علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري، ثم آل أمر الإسناد بعد أخذ جرير عن مجاهد (1) حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير قال حدثنا علي بن مجاهد قال حدثنا جرير عن ثعلبة عن الزهري ولما كان علي بن مجاهد ثقة أخذ أستاذه بقوله وإن لم يتذكر روايته (2) إياه، فأفهم، ومن العجائب في هذا المقام ما وقع لبعض من لا ممارسة له بهذا الفن فقال علي بن مجاهد عنين بكسر العين وتشديد الياء والنون فقال معناه أن عليًا وإن كان عنينًا غير قادر على النساء إلا أنه ثقة فسبحان الله.
[قوله عن ربيعة بن يزيد] هذا هو المعطوف عليه لقوله عن أبي عثمان لا كما يتوهم من ظاهر العبارة أن عقبة (3) بن عامر وأبا عثمان في درجة واحدة بل الأمر على ما وصفناه من العطف، وكذلك فيما بعد في قوله عن معاوية بن صالح عن
(1) كذا في الأصل والصواب بعد أخذ جرير عن علي بن مجاهد.
(2)
قال الحافظ في شرح النخبة: إن روى عن شيخ حديثًا وجحد الشيخ مرويه فإن كان جزمًا كان يقول كذب على أو ما رويت له رد ذلك الخبر لكذب واحد منهما لا بعينه ولا يكون ذلك قادحًا في واحد منهما للتعارض أو كان جحده احتمالاً، قبل ذلك الحديث في الأصح لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ وقيل لا يقبل، وفي هذا النوع صنف الدارقطني كتاب ((من حدث ونسى)).
(3)
هكذا في الأصل والصواب على الظاهر محله أبا إدريس فتأمل ثم لا يذهب عليك أن لفظ ((أشهد)) يوجد في جميع النسخ الهندية في الموضعين، ولا يوجد في المصرية في الموضع الثاني، وكذا نفاه صاحب المشكاة فقال رواه الترمذي في جامعة إلا كلمة ((أشهد)) قبل أن محمدًا، انتهى، فتأمل.
ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمرو عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، ويمكن أن يقال إن زيد (1) بن حباب أخطأ في هذا الإسناد في موضعين في ترك الراويين عن عمرو هما عقبة بن عامر وجبير بن نفير، وفي جعل أبي إدريس شريكًا لأبي عثمان فجعلهما تلميذًا على أستاذ مع أنهما مختلفان في الأخذ وبينهما وسائط لا تخفى فإن ربيعة وأبا عثمان قد حدثا معاوية بن صالح ولم يأخذا عن واحد بل أخذ أبو عثمان عن جبير وأخذ ربيعة عن أبي إدريس هذا وقد ذكر النووي في شرحه (2) على المسلم ما نصه، اختلفوا من القائل لقول ((وحدثني أبو عثمان)) فقيل معاوية بن صالح، وقيل ربيعة، والصحيح الأول فمعاوية يروي بإسنادين أحدهما عن ربيعة عن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة والثاني عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة، انتهى، فأفهم وتذكر.
[وقوله كثير شيء] أي شيء معتبر يعتد به وهذا ذهول منه فإن حديث الباب رواه مسلم في صحيحه بإسناد (3) جيد.
[كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع] وهو مكيل يسع أربعة أمداد والمد
(1) أي على رأي الترمذي إذ حمل الوهم فيه على زيد كما سيجيئ عن النووي وإليه أشار المصنف بقوله ((قد حولف زيد بن الحباب في هذا الحديث وإلا فرأى النووي أن زيدًا بريتي من هذه العهدة كما سيأتي.
(2)
وبسط الكلام عليه فأرجع إليه ورد على الترمذي إذ قال قال: أبو علي وقد خرج الترمذي هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقم إسناده عن زيد وحمل أبو عيسى في ذلك علي زيد بن الحباب وزيد بريتي نم هذه العهدة والوهم في ذلك من أبي عيسى أو من شيخه الذي حدثه به لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف ما ذكره أبو عيسى، وذكره أبو عيسى أيضًا في كتاب العلل وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاري فلم يجوده وأتى فيه عنه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة ولعله لم يحفظه عنه.
(3)
ولذا تعقب الحافظ في التلخيص كلام الترمذي فقال لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض.
رطل وثلث وبه قالت الشافعية وفقهاء الحجاز، وقيل المد رطلان وبه قالت الحنفية فالصاع ثمانية أرطال وقد ثبت رجوع أبي يوسف (1) إلى مذهب الشافعية لما ورد المدينة مع الخليفة هارون الرشيد (2) فأراد أن يتكلم مع فقهاء المدينة وكان ذا فصاحة ولسان وصاحب تقرير وبيان فامتنعوا أن يتكلموا معه وكان قد ألزم مالكًا رحمه الله من قبل وكان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل المدينة وكان معه أبو يوسف أراد أن تقع بين ذينك الإمامين مناظرة كما هو دأب أرباب الدولة والثروة وكان مالك رضي الله تعالى عنه قد صم فسأله أبو يوسف عن سجدتي السهو (3) قبل
(1) على ما هو المشهور في الفقه وشروح الحديث، وقال ابن عابدين: وفي الزيلعي والفتح اختلف في الصاع فقال الطرفان ثمانية أرطال بالعراقي، وقال الثاني (أي أبو يوسف) خمسة أرطال وثلث، وقيل لا خلاف لأن الثاني قدره برطل المدينة لأنه ثلاثون أستارًا والعراقي عشرون وإذا قابلت ثمانية بالعراقي بخمسة وثلث بالمدني وجدتهما سواء وهذا هو الأشبه لأن محمدًا لم يذكر خلاف أبي يوسف وهو أعلم بمذهبه وتمامه في ((الفتح)).
(2)
وكان الخليفة كثير الحج قيل أنه كان يحج سنة ويغزو سنة وفيه يقول بعض شعرائه:
فمن يطلب لقاءك أبو يرده
…
فبالحرمين أو أقصى الثغور
وفي سيرة مغلطائي قد كان حج تسع حجج وغزا ثماني غزوات، كذا في ((الخميس)) وذكر ابن قتيبة في كتاب الإمامة خروج الرشيد سنة أربع وسبعين ومائة إلى مكة ثم إلى المدينة وسماع الموطأ عن مالك بقراءة حبيب كاتب الرشيد وسؤال أبي يوسف أن يجمع بينه وبين مالك ليكلمه في الفقه وأنف مالك إلى آخر ما ذكره لكنه لم يذكر هذه القصة.
(3)
ذكر أهل الفروع هاتين المسألتين في بابهما وذكر قصة الصاع أهل السير والحديث في كتب الرواية والشروح أيضًا.
السلام أو بعده فأجاب عنه مالك حسب مذهبه إن زاد بسهوه شيئًا في صلاته فبعد السلام، وإن نقص فقبله فقال أبو يوسف فإن أتى بهما أي الزيادة والنقصان معًا فسكت مالك ولم يدر ما يقول له فقال الرشيد لمالك ما لك لا تجب يا إمام فقال أبو يوسف أشيخ يخطئ مرة فلا يصيب (1) أبدًا وفهمه مالك ظانًا أنه يقول الشيخ يخطئ مرة ويصيب أخرى فقال على هذا وجدنا مشايخنا وأخذ أرباب المجلس في القهقهة فقال مالك: وقد أحفظه ضيعهم ذلك وقام مغضبًا من ذهب معاصروه ووقع بأيدي الشأن هكذا سخرت به الأحداث فطار الحديث وامتنع أهل المدينة من المناظرة معه في تعيين الصاع والمد وقالوا نجيب غدًا إن شاء الله تعالى فلما كان من الغد حضروا ومعهم من الأمداد ما شاء الله بعضها قديم وبعضها جديد وما منها مد وزنه رطلان فأنصف أبو يوسف من نفسه ورجع عما كان عليه واستقر رأيه أن الصاع والمد الحجازيين هما المعتبران دون العراقي، وأما الإمام الهمام قدوة العلماء الأعلام فقد ذهب إلى الأحوط ومستدله ما قد نص عليه في بعض الروايات في بيان الوضوء المد رطلان (2) وعلى هذا فلو أراد الشارع بالمد والصاع
(1) وذكر صاحب الكفاية (وذكر الحافظ في تهذيبه القصة لعمر بن قيس المكي بسياق آخر) عن مبسوط شيخ الإسلام محله الشيخ تارة يخطئ وتارة لا يصيب ولم يذكر القهقهة ولا جواب مالك نعم ذكر في خزانة الروايات محل ذلك هذا جزاء من لم يمت مع أقرانه.
(2)
قلت: بسط الكلام على هذه الروايات الشيخ في البذل وهذا الحقير في الأوجز منها ما وراه الطحاوي بسند صحيح عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بمثل هذا قال مجاهد فحزرته ثمانية أرطال تسعة أرطال عشرة أرطال وقالوا لم يشك مجاهد في الثمانية وإنما شك فيما فوقها.
قلت: وأخرجه النسائي بلا شك فروى في السنن بسنده عن موسى الجهني قال أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا، قال ابن التركماني: إسناده جيد ثم ذكر توثيق رواته ومنها ما رواه الدارقطني بطريقين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وتضعيفه الدارقطني منجبر بالتعدد والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بطريقين عن أنس وأخرجها أبو داؤد وسكت عليه هو والمنذري فهو صالح للاحتجاج، ومنها ما رواه أبو عبيد بسنده إلى إبراهيم قال كان صاع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أرطال ومده رطلين والمرسل حجة لا سيما إذا توبع وههنا كما ترى عدة متابعات له.
ما أردنا لزم عدم انفراغ الذمة أن لو عمل على الصاع المدني فإنه خمسة أرطال وثلث فلا بد من الاعتماد على الصاع العراقي احتياطًا بتلك الرواية التي أسلفناها لا بمجرد الوهم، وأما الوضوء (1) فليس تقدير الماء فيه تحديدًا أو تعيينًا لا يجوز الزيادة عليه أو النقص عنه وإنما هو تقريب (2) وتخمين حيث اعترف به المؤلف
(1) ولا يذهب عليك أن روايات وضوئه صلى الله عليه وسلم وغسله بالصاع بيان لمقدار ماءهما عند الجمهور وأبدع الباجي في شرح الموطأ احتمالاً آخر فقال: ويحتمل بيان الإناء يعني يغتسل بهذا الإناء وإن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه، انتهى.
(2)
قال ابن عابدين عن الحلية أنه نقل غير واحد إجماع المسلمين على أن ما يجزئ في الوضوء والغسل غير مقدور بمقدار وما في ظاهر الرواية من أن أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مد للحديث المتفق عليه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ليس بتقدير لازم بل هو بيان أدنى القدر المسنون، قال في البحر حتى إن من أسبغ يدون ذلك أجزأه وإن لم يكفه زاد عليه لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة، كذا في البدائع، انتهى، قلت: وحكى ابن رسلان فيه خلاف ابن شعبان من المالكية وحكى الباجي دون ابن العربي خلاف أبي إسحاق وما حكى ابن قدامة من خلاف الحنفية لا يصح كما بسط في الأوجز.