الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن ذلك غاية ما في الباب أن القلة على تقدير المثل كثيرة وعلى تقدير المثلين قليلة وصحة التشبيه تتوقف على نفس القلة والكثرة دون مقدارها مع أن للكلام فيه مجالاً بعد وهو (1) أن يقال المراد بالصلاة فيهما ليس هو الوقت الأصلي إنما المراد إجارته إياه من حين يصلي القوم العصر بجماعة وهو أوسط وقتها المستحب لاستحباب تأخيرها فلا يضر زيادة وقت العصر على وقت الظهر لتوقف صحة التشبيه على تفاوت وقتيهما بعد أداء المفروضة فأفهم فالتحقيق الذي ارتضاه المحققون أن الصحيح من المذهب هو العمل برواية المثل في الظهر ويدخل بعده وقت العصر ومع ذلك فالأولى أن يفرغ من الظهر قبل انقضاء المثل سوى فتى الزوال ويدخل في صلاة العصر بعد المثلين لئلا يكون صلاته مختلفًا فيها لكن التشدد في ذلك مما لا ينبغي أيضًا فإياك وأن تجادل مع المخالفين لذلك الذي عينا وإياك وأن تظن قطعية العمل بالذي بينا والله ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق إنه الميسر للصعاب وإليه الموئل في كل باب والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.
[قوله
باب التغليس بالفجر]
هذا بيان لما أجمله من الوقت المستحب وإشارة إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به من بين ذلك فقال باب التغليس بالفجر، اعلم أن مذهب الشافعي (2) أن الأحب هو التغليس وذهب في ذلك إلى ما روى أن النبي
(1) وفيه أن القائلين بالمثل أكثرهم قالوا باستحباب الصلاة في أول الوقت فهذا التوجيه أيضًا لا يجدي لهم شيئًا.
(2)
وبه قال مالك وأحمد في رواية، وفي أخرى له كما في الأوجز والمغنى أن العبرة بحال المصلين إن أسفروا فالأسفار أفضل، وقال الأئمة الثلاثة الحنفية الأسفار أفضل ومال الطحاوي إلى أن يبدأ بالتغليس ويطول القراءة حتى يسفر جدًا ومستدل الحنفية بسطت في الأوجز بأحسن البسط.
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أنهم كانوا يصلون بغلس، ولنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أحيانًا كذا وأحيانًا كذا فلا يدري أي فعليه كان للاستحباب وأي فعليه كان لعارض فرجعنا إلى أنه هل بين لأحدهما أجرًا ومحمدة، أم كلاهما حسن فرأينا قوله أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر يشفي علتنا ويسقي غلتنا فعلمنا أن المرضى المحبوب عنده الموجب للأجر هو التنوير مع أن فيه تكثير الجماعة فكان هو الأولى وما فعله كان بعارض منه (1) وجود النسوة في الجماعات ولما كان الأسفار مبني للأجر وسببًا له فكلما كان الأسفار أكثر كان الأجر أوفر وقد وقع مثل ذلك في رواية أيضًا، وأما الجواب عما أورده من حديث التغليس فيمكن أيضًا بأن المراد بالتغليس ههنا إنما هو ظلمة داخل المسجد إذا كانت له درجات فالمراد أن النساء كن لا يعرفن من ظلمة المسجد إذ لا يجوز إرادة غير ذلك لأن من المستبعد الغير المسلم أن بعد الصلاة التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر بحيث يقرأ فيها ستون آية أو خمسون في كل ركعة تبقى الظلمة مع أن (2) الأذان وسنة الفجر بعد طلوع الفجر وكذلك كان يسبح بعد قضاء فريضة الفجر ويكبر ويحمد على ما نقل عنه فكيف يتصور بعد كل ذلك بقاء الظلمة في الفضاء حتى لا تعرف النساء في غير البيت من وضع الشخص وطول القامة وغير ذلك من القرائن إذ الوجوه كانت مستورة فلا مصير إلا إلى ما قلنا وقال هؤلاء معناه أن يضح الفجر فلا يشك فيه وأنت تعلم ما فيه من البعد فإن
(1) الضمير إلى العارض يعني تغليسه صلى الله عليه وسلم كان لعوارض منها شهود النسوة الجماعات، وفي البدائع: فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في ابتداء حين كن يحضرن الجماعات ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك، قلت: وأخرج ابن أبي شيبة والطحاوي عن النخعي قال ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير أفترى أنهم كلهم اجتمعوا على خلاف فعله صلى الله عليه وسلم.
(2)
وأيضًا فإن كان صلى الله عليه وسلم يضطجع غالبًا بعد ركعتي الفجر.