الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضل طهور بعض أزواجه أن النهي تنزيه وليس بتحريم وإنما اختص النهي بما إذا كانت المرأة قد تطهرت بغيبة من الرجل دون ما إذا تطهرت بمرأي عينه لأنها إذا كانت بمحضر منه فالظاهر أنها تحتاط في أمر الماء مع أنها لو تبادرت إلى شيء مما يفسد الماء منعه، وقوله الماء لا يجنب من الأفعال أي لا يصير ذا جنابة.
[باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء]
أعلم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته تحيرت فيها آراء ذوي الألباب ولم يأتوا بشيء واف شاف صاف في هذا الباب فنقول وعلى الله التوكل وبه الاعتصام إنه كريم مفضل منعام فعليك أولاً أن العلماء كافة أجمعوا على أن (1) ملاقاة النجس بالماء الطاهر يفسده وإنما اختلفوا (2) في
(1) قال ابن نجيم: إن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به قليلاً كان الماء أو كثيرًا جاريًا كان أو غير جار هكذا نقل الإجماع في كتبنا وممن نقله أيضًا النووي في شرح المهذب عن جماعات من العلماء وإن لم يتغير فأتفق عامة العلماء على أن القليل ينجس بها دون الكثير لكن اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير.
(2)
أي وإنما اختلفوا في مقدار الماء الذي يؤثر فيه الملاقي من النجاسة فاختلافهم في الحد الفاصل بين القليل والكثير من الماء.
مقدار الملاقي في تأثيره ذلك فتفرقت فيه الأقوال (1) أوسعها (2) مذهب مالك رحمهم الله ودليله الحديث الوارد في الباب وقد ورد في بعض طرقه زيادة قوله ما لم يتغير فلذلك قيد طهارته بعدم تغير شيء من أحد الأوصاف الثلاثة فاعتبر غلبة الملاقي بحسب الوصف فإن غلب الماء وصفًا ولم يظهر فيه شيء من أوصاف النجس كان طاهرًا وإن غلب النجس بحسب الوصف وظهر شيء من أوصافه في الماء كان نجسًا، وثانيها ما روى (3) عن عائشة رضي الله عنها من أن العبرة لغلبة الماء أو النجس بحسب الذات فإن زالت رقة الماء وسيلانه لغلبة النجاسة كان الماء نجسًا وإلا لا، فإن ثبت هذا العزو لعائشة رضي الله تعالى عنها لكان كافيًا ومغنيًا عن تفتيش غيره من المذاهب لما فيه من الوسعة ولما كانت (4) من التمكن على المراجعة والبحث في كل ما تشاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يستمكنه غيره ولما لها من غزارة العلم وجودة القريحة وإصابة الفهم وقدم في التفقه راسخة وأعلام في التحقيق شامخة فكيف يتوهم أن مسألة طهارة الماء ونجاسته يخفى عليها مع طول ملابستها بالنبي صلى الله عليه وسلم وقلة المياه عندهم الداعية إلى كثرة البحث عنه والعلم بحاله إلا أن رواية هذا المذهب الذي أشرنا إليه لما لم يثبت بإسناد صحيح يعول إليه ولا طريق جيد يطمئن إليه لزمنا القول بتركه والمصير إلى غيره من المذاهب ولذا لم يذهب إليه أحد من الأئمة
(1) ذكر فيها صاحب السعاية خمسة عشر مذاهب للعلماء وبسط الكلام على المياه أشد البسط.
(2)
أي أوسع المذاهب في مذاهب الأئمة وإلا فما روى عن عائشة -رضي الله تعالى عنه- وسيأتي قريبًا أوسع من ذلك أيضًا.
(3)
وروى عن غيرها من الصحابة والتابعين وداؤد الظاهري كما في السعاية عن البناية عن المحلي لابن حزم.
(4)
إلا أن احتمال أنها سمعت قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء فحملته على عمومه ليس بمنتف.
الأعلام ولو أنه ثبت لكان قولها هو القول الثابت الراجح ومذهبها هو المذهب المقبول للكل من غير قادح.
والثالث مذهب الشافعي رحمه الله تعالى من كون الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثًا إلا أن يتغير شيء من أوصافه الثلاثة فإنه يفسده كائنًا ما كان، وقد أخذ في ما اختاره بحديث جيد الإسناد قابل للاعتماد وزاد هذا القيد اعتبارًا لما في غير هذه الرواية من العبرة بالنجاسة إذا ظهر أثرها في الماء أيضًا فإن الأئمة مجمعون على عبرة النجاسة إذا غلبت وهذا الثالث هو الذي تخيره الأئمة الآخرون مثل أحمد (1) وإسحاق وغيرهما لموافقته ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا وأما الإمام الهمام قدوة الأئمة الأعلام فقد ذهب نظرًا إلى اختلاف الروايات في ذلك إلى أن الأمر موكول إلى رأي (2) من ابتلى به فإن ظنه نجسًا كان نجسًا وإن طاهرًا فطاهرًا، وعلى هذا لا يضره شيء مما ورد في هذا الباب مما أخذ به الأئمة الثلاثة أو أخذ به مالك رضي الله تعالى عنه، فأما الرواية التي أخذ بها مالك رضي
(1) أي في المشهور عنه وإلا فعنه في مسألة الماء روايتان آخرهما كقول مالك قال ابن قدامة في ((المغنى)): أما ما دون القلتين إذ لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في المذهب أنه نجس، وبه قال الشافعي وإسحق وأبو عبيد وروى عن أحمد رواية أخرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير قليله وكثيره روى ذلك عن ابن المسيب والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم وهو قول الشافعي.
(2)
ففي الدر المختار: والمعتبر في مقدار الراكد أكبر رأي المبتلي به فيه فإن غلب على ظنه عدم وصول النجاسة إلى الجانب الآخر جاز وإلا لا، هذا ظاهر الرواية عن الإمام وإليه رجع محمد وهو الأصح كما في الغاية وغيرها وحقق في البحر أنه المذهب وبه يعمل، انتهى، وأكثر ابن نجيم في النقول عن المشايخ في أن العبرة عندنا الحنفية لرأي المبتلى به.
الله تعالى عنه من قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء فلأن السؤال (1) عن بئر بضاعة قد أخرجه مخرج الجواب فإنهم لما ظنوا أن البئر إذا تنجس مرة فإنه لا يمكن تطهيره أبدًا لملاقاة الماء النجس جدرانه عند الإخراج مع أن البئر كيفما أخرج ماؤها فإنه لا يخلو عن بقية من الماء النجس فيها فكان مظنة أن لا يتطهر فسألوا عنه، ولا يمكن أن يكون السؤال عن الماء النجس القليل حين لم تخرج النجاسة عنه إذ من الظاهر أن الماء القليل الذي وقع فيه شيء من النجاسات لا يسأل عنه عام فضلاً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكذلك لا يشربه مؤمن فكيف بهذا النبي الأطهر الأكرم، فعلم أن منشأ السؤال أن النجاسة إذا أخرجت واستقى الماء الذي كان فيها وقت الوقوع فالماء الجديد المجتمع فيها ينبغي أن يكون نجسًا لملاقاته الجدران النجسة وعلالة الماء النجس فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الماء طهور بتعريف العهد إذ الجواب على وفق السؤال، والأصل في اللام العهد الخارجي فما أمكن حملها عليه لم تحمل على غيره وممن صرح بكون الأصل في اللام هو العهد العلامة في التلويح والشريف الجرجاني في بعض تصانيفه فإذا كان الأمر كما وصفنا كان المعنى أن الماء (2) الذي سألتم عنه لا ينجسه شيء مما ذكرتم إذا أخرجت النجاسة والماء الذي كان ملاقيها فهذا الذي أخذ به مالك يؤيد ما ذكرنا من إدارة الأمر على رأي المبتلي به فإنه صلى الله عليه وسلم لما ظن برأيه الشريف أن الماء لا يتنجس بذلك المذكور كان طاهرًا لا يتنجس، وأما رأي الصحابة رضوان الله عليهم فلم يعتد به على خلاف رأيه حتى يقال إنها كانت نجسة في حقهم وإنما لم يتنجس الماء فيها لجريانه (3) في البساتين
(1) ومال إلى ذلك الطحاوي وبسط هذا التوجيه.
(2)
وما قيل إن العبرة لعموم اللفظ، هذا إذا كانت الألف واللام للجنس إما إذا كانت للعهد فلا، كذا في النيابة وغيرها من شروح الهداية، كذا في السعاية.
(3)
وبه جزم صاحب الهداية إذ قال إن الحديث ورد في بئر بضاعة وكان ماؤها جاريًا في البساتين.
إما بتدارك الاستقاء منها أو لما في داخلها من كوة تخرج منها الماء كما يشاهد في بعض الآبار واعترض المخالفون على الواقدي (1) في قوله في بئر بضاعة أن مائه كان جاريًا في البساتين وقالوا إن البئر كانت كغيرها من الآبار والسبب في إيرادهم ذلك أنهم فهموا أن مراد الواقدي أن البئر كانت كالنهر فأوردوا عليه بأنه لم يكن كذلك وكان كغيره من الآبار وأنت تعلم أنه برئ من تلك الإدارة (2) وإنما أراد أنه كان في حكم الجاري لكثرة ما يستقي منها وهذا غير خفي على ذي روية فإن من البديهي الغير المحوج إلى فكر ونظر أن البئر (3) في البستان لا يكون إلا لسقي أشجاره وقد علم أن بئر بضاعة كانت قليلة الماء فإذا سقيت منها الأشجار ولم يبق فيها شيء من تلك النجاسات ولا هذا الماء كيف وقد ذكر على ما هو (4) مذكور في سنن أبي داؤد: إني ذهبت في سفري إلى بستان بئر بضاعة فرأيتهم وذرعتها وكان قطرها ستة أذرع فسألت مالك البستان من تغير بناءها فأنكر وسألت عن مقدار مائها فقال إذا كثر فإلى ما فوق السرة وإذا قل فإلى ركبتيه فكيف يظن أن هذا البئر إذ
(1) وما قالوا من تضعيف الواقدي رده صاحب السعاية أحسن الرد وبسط عليه.
(2)
يعني إيرادهم هذا نشأ عن قلة تدبرهم إذا حصروا الجريان في كون الماء كالنهر والعين وليس بسديد فإن الجريان بنزع كثير جريان هكذا أفاده الشيخ -رحمه الله تعالى- بنفسه في موضع آخر.
(3)
فقد كان في بستان بني ساعدة يسقي منها أشجارها.
(4)
لخص حضرة الشيخ ما ورد في سنن أبي داؤد بإضافة شيء من التوضيح وسياق كلامه قال أبو داؤد سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال دون العورة قال أبو داؤد: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غير بناؤها عما كانت عليه قال لا، انتهى.
وقعت فيه نجاسة ثم استقى منها البستان تبقى فيها النجاسة ولا تخرج ولا يخرج كل ماءها فأما إذا أخرجا كلاهما فأمر طهارتها ظاهر على مذهب الإمام، بقى الجواب عما تمسك به الشافعي رحمه الله من حديث القلتين (1) فنقول إنه لا يضر مذهب الإمام شيئًا فإن مذهبه رضي الله تعالى عنه أن الماء إذا كان أقل من قلتين ولم يقتض رأي المبتلي بتنجسه بوقوع شيء من النجاسات فيه لم يحكم بنجاسته فضلاً عما إذا كان الماء قلتين كيف وقد جربه الأستاذ العلامة حين قراءتنا تلك الروايات فكان قلتا الماء قدر غدير عظيم لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر وكان نحوًا من ستة أشبار في مثلها ولله الحمد، وعلى هذا يرتفع الخلاف من البين ويكون مذهبنا كمذهب الشافعي رحمه الله تعالى من غيري مين (2) ويؤل الأمر إلى ما ذكرنا أولاً
(1) قال ابن القيم في تهذيبه: الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات: الأول صحة سنده، الثاني ثبوت وصله وأن إرساله غير قادح. الثالث ثبوت رفعه وإن وقف من وقفه ليس بعلة، الرابع أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يوهنه، الخامس أن القلتين مقدرتان بقلال هجر، السادس أن قلال هجر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع أن القلة مقدرة بقربتين حجازيتين وإن قرب الحجاز لا يتفاوت، الثامن أن المفهوم حجة، التاسع أنه مقدم على العموم، العاشر أنه مقدم على القياس الجلي، الحادي عشر أن المفهوم عام في سائر صور المسكوت، الثاني عشر أن ذكر العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، الثالث عشر الجواب عن المعارض ومن جعلهما خمس مائة رطل احتاج إلى مقام رابع عشر وهو أنه يجعل الشيء نصفًا احتياطًا، ومقام خامس عشر أن ما وجب به الاحتياط صار فرضًا، انتهى ثم ذكر الأجوبة عن المحددين بالقلتين وردها أبسط الرد فأرجع إليه لو شئت.
(2)
المين الكذب كما في القاموس وغيره.
من إدارة الأمر على رأي المبتلي به وذلك لأن علمائنا رحمهم الله تعالى لما شاهدوا في مذهب الإمام الذي قدمناه اختلاف أمر العوام لبون بعيد في آرائهم فمن منجس ماء البحر بإلقائه يده النجسة فيه ومن مجوز طهارة ماء الكوز إذا وقعت فيه قطرة من البول حددوا فيه حدودًا ينتظم بها أمرهم فمنهم من قدره بعشر في عشر وأصله على ما نقلوا أن محمدًا رحمهم الله تعالى سئل عن الماء الكثير فقال نحو مسجدي هذا فلما خرج ذرعوه فكان داخله ثمانيًا في ثمان وخارجه عشرًا في عشر فأخذوا بالمزيد احتياطًا ولعل محمدًا رحمه الله تعالى إن سئل عن الأقل من ذلك لأجاب بقوله نعم فإنه لم يرد بذلك تحديدًا بل تقريبًا ومنهم من قدر الكثير بقوله هو الغدير (1) العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ثم اختلفوا فيما بينهم في التحريك المعتبر هل هو باليد أو بالتوضئ أو الاغتسال وإلى كل ذهب ذاهب ولا يذهب عليك أن التحرك المعتبر إنما هو التحرك الذي ينشأ في الجانب الآخر ويسري إليه معًا لا التحرك الناشئ بالتموج وتدريجًا وهذا القول الأخير يوافق رأي الشافعية في اعتبار الكثرة بالقلتين فقد ذكرنا أن الأستاذ العلامة جربه فكان كذلك فإنه مد الله ظلال جلاله وسقى الطلاب وإياي من نمير (2) نواله أمر بحفر حفيرة فألقى فيها الماء مقدار قلتين ولم يتحرك أحد طرفيها بتحريك الطرف الآخر، وأما ما
(1) ذكره محمد في موطأه وعزاه إلى أبي حنيفة، وفي السعاية عن فتح القدير قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية يعتبر أكبر رأي المبتلي به وعنه الاعتبار بالتحريك على ما هو مذكور في الكتاب أي الهداية بالاغتسال أو الوضوء أو باليد روايات والأول أصح عند جماعة منهم الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وغيرهم، انتهى وقال ابن عابدين ثانيها أصح لأنه الوسط كما في المحيط والحاوي القدسي وتمامه في الحلية، انتهى.
(2)
على وزن عظيم قال المجد النمر كفرح وأمير الزاكي من الماء ومن الحسب والكثير ومن الماء الناجع عذبًا كان أو غير عذب، انتهى.
طول البحث فيه صاحب شرح الوقاية من إثبات العشر في العشر فقد رده ابن نجيم المصري في بعض (1) تصانيفه حرفًا حرفًا، وقد أجاب بعض الأحناف عن حديث القلتين بأجوبة لا ترضاها الطبائع السليمة فقيل إسناده ضعيف (2) وأن فيه اضطرابًا حيث ورد في بعضها قلتان، وفي البعض الآخر ثلاث، وفي البعض الآخر أربع حتى قيل: وردت فيه الروايات إلى أربعين قلال وأن القلة غير متعينة المقدار فإنها مختلفة المقادير فتعذر العمل بأحد معانيها إلى أن يتعين أحد المعاني لدخولها في الإجمال والمجمل لا يمكن العمل به إلا بعد بيان المجمل وأنت تعلم أن كل ذلك تعسفًا، أما الأول فلما فيه من إنكار البداهة فإن صحة روايات القلتين غير منكرة (3) والروايات
(1) قلت: الظاهر أن الشيخ رضي الله تعالى عنه أراد البحر الرائق فإنه بسط فيه وتعقب شارح الوقاية ويحتمل أنه أراد غيره من تصانيفه الآخر.
(2)
مال إلى هذا الجواب جمع من المشايخ الحنفية وغيرهم، ففي البناية حديث القلتين ضعفه ابن عبد البر وأبو بكر بن العربي، وقال أبو بكر في التمهيد في القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت الأثر لأن حديث القلتين قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل، وفي فتح القدير: وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وابن العربي المالكيون وفي البدائع عن علي بن المديني لا يثبت حديث القلتين فوجب العدول عنه وفي البحر الرائق قد بالغ الحافظ أبو العباس بن تيمية في تضعيفه، كذا في السعاية، قلت: وتقدم ما قال ابن القيم أن الاحتجاج به يتوقف على ثبوت خمسة عشر مقامات ولم تثبت، وقال ابن العربي: حديث القلتين مداره على مطعون عليه أو مضطرب أو موقوف وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد وهو إباضي.
(3)
قلت: وفيه أن من ضعف الحديث وهو جمع من المحدثين أنكر الصحة قال ابن القيم: أما تصحيح من صححه من الحفاظ فمعارض بتضعيف من ضعفه، ومنهم ابن عبد البر وغيره ولهذا أعرض عنه أصحاب الصحيح جملة، انتهى.
الواردة في السنن شاهد صدق على ذلك أما الاضطراب فمندفع يحمل تعدد الروايات على تعدد الواقعات (1) وكثرة التساؤلات فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم كلا من السائلين حسب ما تضمنه سؤاله فلا اضطراب ولا اختلاف والأسانيد شاف كل صاف وإلزام الإجمال تحكم أما أولاً فلأن القلة كانت معلومة عندهم فلا يضر جهالتها عندكم، وأما ثانيًا فلما ورد في بعض الروايات من زيادة لفظ يفسر المراد ويبين الإجمال وهو قوله من قلال (2) هجر بل الجواب (3) هو الذي أشرنا إليه من أن الأمر موكول إلى رأي المبتلي به فلا يحكم بنجاسة الماء إذا لم يتنجس الماء قدر ذلك عنده بوقوع النجاسة فيه ومعنى قول محمد بن إسحاق القلة هي الجرار إلخ إنها تكون صغيرة (4)
(1) لكنه مشكل في وحدة الرواية ووحدة مخرجها، قال ابن القيم: ومن المعلوم أن هذا الحديث لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير عبد الله وعبيد الله فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلمائهم من هذه السنة التي مخرجها عندهم، انتهى، قلت: ولو سلم فالاضطراب في الحديث من وجهين سندًا ومتنًا فأين اضطراب السند.
(2)
قال ابن القيم: أما تقدير القلتين بقلال هجر فلم يصح فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره الشافعي فمنقطع وليس قوله بقلال هجر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أضافه الراوي إليه وقد صرح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل فكيف يكون بيان هذا الحكم الذي يحتاج إليه جميع الأمة لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع وهذا اللفظ ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
(3)
أي كماله وبديعه وإلا فقد عرفت أن للحديث أجوبة كثيرة وبعضها عقيمة عن الجواب لكن حضرة الشيخ لم يرض بها لأن جوابه الذي اختاره يناسب طبعه النفيس العالي.
(4)
قال المجد: القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء (أي أعلى كل شيء) والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير انتهى.