الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصحيح عدم كراهتها إذا لم يخف فوات التكبيرة الأولى من صلاة المغرب.
[قوله بين كل أذانين صلاة] فيه تغليب عند من لم ير استحبابًا في صلاة الغروب ومن ذهب إلى كراهتها، وأما من قال بالاستحباب فإنه لا يحتاج إلى القول بالتغليب.
[فلم ير بعضهم] مستدلين بعدم رؤيتهم ونحن لا ندري ذلك دليلاً إذ عدم الرؤية ليس دليلاً على عدم الوجود.
[باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر]
غرض الترمذي من عقد هذا الباب هو التنبيه على ما سبق من أن النائم والناسي إذا استيقظ أو ذكر فليصل إذا ذكرها فإن ذلك هو وقتها ومعنى هذا الحديث هو أن من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وتمت صلاته والذي ذهب إليه الأحناف هو الفرق بين العصر والفجر في ذلك الحكم ومستدلهم في ذلك ما ذكروه من أن حديث النهي عن الصلاة في
الأوقات المكروهة لما عارضه هذا الحديث المذكور في الباب رجعنا إلى القياس إذ هو المصير عند تعارض الآثار وتناقض الأخبار فالقياس يرجح حديث النهي في صلاة الفجر وحديث الإدراك في صلاة العصر إذ الواجب في صلاة العصر هو الناقض لما أن الوجوب يضاف إلى أن الشروع وذلك الوقت ناقض فإذا اعترض الفساد بغروب الشمس لم تصر صلاته أدنى مما وجبت عليه فكان المؤدي مثل الواجب بخلاف وقت الفجر فإن كله تام حتى يبدو حاجب الشمس وبعد ذلك لم يبق فليس في ذلك الوقت جزء هو ناقص نسبة إلى الباقي فالآن المضاف إليه الوجوب لما كان كاملاً وجبت صلاته كاملة فإذا اعترض الفساد بطلوع الشمس لم يبق المؤدي على الصفة التي وجب عليها فكان باطلاً هذا ما قالوا وأنت تعلم ما فيه من الاختلال وتزويق المقال فإن قولهم النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها ينادي (1) بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس فادعاء المعارضة بينهما باطل وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر والجواز في العصر فإن الوقت شرط لكلتيهما فإذا غربت الشمس بعد أداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة إذ ليس ذلك إلا قولاً بعدم اشتراط الوقت فعلى هذا يلزم (2) عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة وثوبه نجس بقدر الدرهم أو دونه ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمتها أو من أخذ في الصلاة وهو يدافعه الأخبثان فلما قضى ركعة أو ركعتين بال أو تغوط أو ليس نظير ما قالوا فإنه أدى صلاة بعد الحدث على نحو مما التزمه وحاصله أنكم لم تفترقوا
(1) قلت: لكن الكلام فيه مجال يظهر من ملاحظة كتب الأصول والفقه.
(2)
قلت: إلا أن بين الشرطين فارقًا فإن الوقت ليس بشرط لصحة الصلاة بل لأداء الصلاة فإذا فات فلا شك في أنه لا يبقى أداء بخلاف الحدث فإن الطهارة شرط لصحة الصلاة فتدبر.
بين الفساد والبطلان لزمت عليكم مفاسد جمة والفرق بينهما ظاهر فوقت اصفرار الشمس وقت الفساد بعد الغروب ليس (1) الوقت أصلاً فكيف القول باتحاد الفساد فيهما كما ادعيتم بل إطلاق الفساد على الثاني بمعنى البطلان لعدم فرقهم بين الفساد والبطلان في باب العبادات فلعلهم قاسوها على المعاملات وليت شعري إذا خرج وقت العصر فأي شيء يقتضي صحة ذلك الصلاة حتى تصح ولا تبطل فالفرق بين الفجر والعصر بالتقرير الذي سبق منا لا يجدي نفعًا إذ بعد ما شرع مصلي العصر في أداء الصلاة التي وجبت ناقصة لو غربت الشمس فالوقت الذي بعد الغروب إذا سلم أن كراهته ليست إلا مثل كراهة وقت الغروب فما معنى قضاء العصر بعد غروب الشمس إذ هذا الوقت على ما ذكرتم ليس إلا مثل الوقت الذي هو وقت الغروب ولا قائل بقضاء العصر إذا لم تغرب الشمس كلها، وما قيل (2) من أن بين وقت العصر الذي في وقت الغروب والذي بعده تجانسًا بالنسبة إلى صلاة العصر فإن كلاً الوقتين مكروه لها ولا كراهة في ذات الوقتين بل الكراهة لهما عارضية في الأول بسبب تشبه عبدة الأوثان، وفي الثاني بسبب كون ذلك الوقت معينًا لغير ذلك الصلاة وهو صلاة المغرب بخلاف
(1) هذا صحيح أن بعد الغروب لم يبق له الوقت أصلاً إلا أن الوقت لما لم يكن من شرائط الصحة بل من شرائط الأداء فبفوته فات الأداء لكن الأداء بنية القضاء وكذا العكس لما كان صحيحًا لم تبطل الصلاة كمن شرع الظهر في وقته ثم خرج حتى دخل وقت العصر فتفكر.
(2)
ونظري القاصر لم يصل إلى من فرق بذلك بل المذكور في كتب القوم أن الفرق بينهما باعتبار ما قبل الطلوع والغروب فإن الأول لما كان كاملاً فاعتراء النقص عليه مبطل بخلاف الثاني فإن وقت الاصفرار لما كان ناقصًا في نفسه فاعتراء الغروب عليه ليس بمناف له غاية ما فيه أنه أنقص من الأول ولا خير فيه ففتش نعم فرقوا بينهما بأن ما بعد الغروب وقت صالح للصلاة ولذا وجبت صلاة المغرب بخلاف ما بعد الطلوع فإنه وقت الكراهة حتى ترتفع الشمس فتفارقا.
وقت الفجر فإن كامل وبعد الطلوع لعل النقص ذاتي له ولذلك لم يشرع في ذلك شيء من الصلوات المفروضة فاعتراض الفساد بالغروب يغاير اعتراض الفساد بالطلوع ففي الأول لا تبطل الصلاة إذ وقت المؤداة مثل وقت المفروضة في كونهما فاسدين وصفًا وفي الثاني تبطل إذ المفروضة كاملة والمؤداة مؤداة في وقت النقض ذاتي له فتطويل من غير طائل إذ الأوقات التي عينت للصلوات إنما هي أسباب لوجوب أدائها كما أنت تعلمه فإذا كان كذلك فبعد خروج الوقت سواء كان في الفجر أو العصر لا يؤديه العبد إلا من عنده فيستويان في أن كلاً منهما من عنده فإن الوقت بعد الطلوع وقبل الزوال إنما هو حق العبد كما أن أوقات سائر الصلوات حق العبد غير وقت أداء فريضة ذلك الوقت فكيف يقال بأن الوقت الذي بعد الغروب غير الذي بعد الطلوع إذ هما من حق العبد ونسبة كل وقت لغير صلاة ذلك الوقت لا تفريق بينهما في أن تكون فيه شرعية صلاة أخرى أولاً فبطل الفرق الذي بينه فأفهم فلعل ذلك البحث دقيق فلما لم يتعين عند الأحناف معنى الحديث على الوجه الذي ذكر كما بينا فالمراد بالإدراك ليس هو الإدراك على سبيل الإحاطة وإلا لزم جواز الصلاة بالاقتصار على ركعة فإنه لما أريد بالإدراك في الموضعين هو الإحاطة صار المعنى من صلى ركعة قبل الطلوع أو الغروب فقد صلى الصلاة كلها وهذا باطل لم يقل به أحد فعلم أن الإدراك ليس ههنا بمعنى الإحاطة وإنما معناه اللحوق فإنه كما يطلق على الإحاطة كما في قوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} كذلك يطلق على اللحوق تقول أدركت زيدًا إذا لحقته فالمعنى أن من لحق بركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الفجر بمعنى أن النائم مثلاً والساهي أو المقصر إذا شرع في الصلاة والباقي من الوقت لم يكن إلا قدر ركعة لو صلى وأتم جازت صلاته وأما إن صلاته هل هي مكروهة أو لا فأمر آخر لم يبحث عنه ههنا، وحاصله أن هذه الرواية تنبئ عن فراغ الذمة لمن صلى في شيء من هذين الوقتين وإن لم يخل فعله ذلك من كراهة ولا يعارضه حديث النهي عن الصلاة في الوقتين لأن النهي عن الأفعال الشرعية لما