الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع:
تصحيح الحديث على شرط الصحيح
المراد به: (على
شرط البخاري
ومسلم) أو (أحدهما).
وتوضيح هذا يوجب تحرير شرط كل من الشيخين فيما خرجاه في (كتابيهما).
شرط البخاري:
شرط البخاري في " صحيحه ": أنه جرد الصحيح المستوفي لشروط الصحة: من اتصال الإسناد، وثقة الرواة، والسلامة من العلل.
وذلك مستفاد من تتبع كتابه.
كذلك يتبين من عنوانه، فإنه سماه:" الجامع المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه " .......
وقال البخاري: " ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول "(1).
(1) أخرجه ابن عَدي في " الكامل "(1/ 226) و " أسامي من روى عنهم البخاري ومسلم "(ص: 62) ومن طريقه: الخليلي في " الإرشاد "(3/ 962) والخطيب في " تاريخه "(2/ 8 _ 9) وابن عساكر في تاريخه " (52/ 73) من طريق إبراهيم بن مَعْقل النسفي عن البخاري، به. وعند ابنِ عساكر من وجهين عنه، هو صحيحٌ بهما.
قلت: وهذا صريح منه أنه لم يقصد إلى مجرد الجمع، بل جرد الصحيح في كتابه لم يَشُبه بغيره، كذلك يدل هذا على ضعف الاستدراك عليه لما لم يخرجه من الحديث، فإنه قصد إلى الاختصار.
فأما شرطه في الاتصال فشديد، فإنه لم يكتف بمعاصرة الراوي لشيخه، بل اشترط لقاءه له ولو مرة، وقد حررته في الكلام على (الاتصال) في (القسم الأول).
وأما في الرجال، فإنه عمد إلى أحاديث الثقات الذين هم في أعلى درجات الثقة، واحترز من أحاديث من قامت الشبهة أو قويت مظنتها في روايته.
قال الدارقطني: " أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وعن بهز بن حكيم اعتباراً؛ لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهزاً متوسط "(1).
وبين الحاكم شرط البخاري في صفة الثقة الذي خرج له، فقال:" من شرط البخاري في (الصحيح) أن الحديث لا يشتهر عنده إلا بثقتين يتفقان على روايته "(2).
وزاد ذلك بياناً في موضع آخر، وضم إلى البخاري مسلماً، فقال:" الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة في روايته "(3).
(1) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: 75).
(2)
سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: 267).
(3)
المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: 33) .......
ومراد الحاكم بهذا أن أحاديث الصحيحين ليس فيها راو خرجا له أو خرج له أحدهما، إلا وهو معروف برواية اثنين فصاعداً عنه، وليس مراده أن ذلك الحديث رواه اثنان، وعن كل واحد منهما اثنان.
والذي يرفع الإشكال عن كلام الحاكم في تفسيره لشرط الشيخين في الرجال، ما بينه بنفسه في كتاب " المدخل إلى كتاب الإكليل " حين قسم الحديث الصحيح المتفق على الاحتجاج به عند فقهاء الحجاز وفقهاء الكوفة، لا المختلف فيه، إلى خمسة أقسام، فذكر أول الأقسام ما اتفق عليه الشيخان، وأتبعه ببيان الشرط المذكور، ثم قال:" القسم الثاني من الصحيح المتفق عليه: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي، وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد ".
ثم مثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي في الحج، ثم قال:" هذا حديث من أصول الشريعة، مقبول متداول بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيحين، إذ ليس له راو عن عروة بن مضرس غير الشعبي. وشواهد هذا كثيرة في الصحابة " فذكر جماعة من الصحابة لم يعرفوا إلا برواية واحد عن كل منهم (1).
ونفى الحاكم أن يكون الشيخان أو أحدهما قد خرجا لراو لم يعرف إلا بروية واحد عنه.
لكن هذا الذي قاله الحاكم لم يقبله النقاد.
قال الحافظ ابن طاهر المقدسي: " إن البخاري ومسلم لم يشترطا هذا الشرط، ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري إنه شرط حسن لو كان
(1) المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: 36 _ 37).
موجداً في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعاً " (1).
فذكر أمثلة لذلك، فمما أخرجه البخاري: مرداس الأسلمي، تفرد عنه قيس بن أبي حازم. وعمرو بن تغلب، تفرد عنه الحسن البصري.
واتفق هو ومسلم على تخريج حديث المسيب بن حزن، وتفرد عنه ابنه سعيد.
ومما أخرجه مسلم: الأغر المزني، تفرد عنه أبو بردة بن أبي موسى. وأبو رفاعة العدوي، تفرد عنه حميد بن هلال. إلى غير ذلك.
ومن الغريب في هذا أن الحاكم قد درس " الصحيحين " دراسة العارف، فعجباً له كيف أطلق تلك المقالة، بل إنه كان يعلم أن الشيخين احتجا بمن لم يرو عنه إلا واحد، فقد قال في " المستدرك ":" وقد أخرجا جميعاً عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد "(2).
ووجدت البيهقي كذلك جرى على مذهب شيخه الحاكم في تلك الدعوى، فإنه ذكر (عمرو بن بجدان) فقال:" وليس له راو غير أبي قلابة، وهو مقبول عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابة ثقة، وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حد الجهالة بأن يروي عنه اثنان "(3).
والرد المتقدم لكلام الحاكم رد على البيهقي كذلك.
وأما تحري البخاري في سلامة الحديث من العلل المؤثرة، فغاية في الظهور لمن درس كتابه، ولذا ندر التعقب عليه في ذلك، وكان لفطنته لما قد يتعقب به مما يقع من اختلاف الرواة في حديث، فإنك تراه يسوق
(1) شروط الأئمة الستة (ص: 96) .......
(2)
المستدرك (1/ 8 بعد الحديث رقم: 16).
(3)
الخِلافيات (2/ 457).