الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني:
الحديث اللين
تعريفه:
هو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو لين الحفظ، كالموصوف بسوء الحفظ وكثرة الأوهام والخطأ أو الغفلة مع صدقه في الجملة، ولم يبلغ به خطؤه درجة الفحش إلى حد الترك.
والواقع في كلام أهل الحديث وصفهم لهذا النوع من الأحاديث بقولهم: (حديث ضعيف)، فمع أن كل أنواع الحديث المردود موصوفة بالضعف إلا أنهم يستعملون وصف (الضعيف) لهذا النوع كالاسم العلم له، كما تجد قولهم:(إسناد لين) و (إسناد ليس بالقوي) وشبه ذلك.
وأمثلته كثير شائعة، كروايات خصيف بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعلي بن زيد بن جدعان، وأمثالهم ممن ثبت صدقه، لكن كثر غلطه ووهمه واضطرابه في رواياته، فصار دون من تقبل رواياته عند انفراده، ولا يخلو حديث هذا الصنف من وقوع المنكرات فيه، لكنهم لا يطرحون طرحاً تاماً.
ومن العبارة المفسرة المبينة لهذا المعنى قول ابن حبان في تحرير حال (أبي هلال محمد بن سليم الراسبي): " والذي أميل إليه في أبي هلال
الراسبي: ترك ما انفرد من الأخبار التي خالف فيها الثقات، والاحتجاج بما وافق الثقات، وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير؛ لأن الشيخ إذا عرف بالصدق والسماع، ثم تبين منه الوهم ولم يفحش ذلك منه لم يستحق أن يعدل به عن العدول إلى المجروحين، إلا بعد أن يكون وهمه فاحشاً وغالباً، فإذا كان كذلك استحق الترك، فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير فهو عدل، وهذا مما لا ينفك عنه البشر، إلا أن الحكم في مثل هذا إذا علم خطؤه تجنبه واتباع ما لم يخطئ فيه، هذا حكم جماعة من المحدثين العارفين الذين كانوا يخطئون، وقد فصلناهم في الكتاب (1) على أجناس ثلاثة:
فمنهم من لا يحتج بما انفرد من حديثه ذلك، ويقبل غير ذلك من روايته.
ومنهم من يحتج بما وافق الثقات فقط من روايته.
ومنهم من يقبل ما لم يخالف الأثبات، ويحتج بما وافق الثقات " (2).
قلت: هذا المعنى الذي بينه ابن حبان هو من أحسن التفصيل لحال المراد بلين الحديث، أو سيء الحفظ، ممن لا يسقط حديثهم، ولا يحتج به لذاته، وفي كلامه ما يبين أنهم درجات تعود إلى قدر اللين في حفظهم من جهة خطئهم كما وكيفاً، مما بينته مفصلاً في محله من هذا الكتاب.
ويلخص القول في علة إلحاق هذا النوع بالحديث الضعيف: هو رجحان جانب الخطأ من قبل الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وإن لم نجزم به أنه وقع في الحديث الذي ضعفناه لأجله، فحيث علمنا ضعف حفظه، فمجرد نزول ضبطه عن درجة من غلب عليه الحفظ، جعل ذلك كافياً في رد حديثه.
(1) يعني كتابه: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.
(2)
المجروحين (2/ 283 _ 284)
ولك أن تقول: رددنا حديثه من أجل الشك الراجح في ثبوته.
فأما إذا تبين أن الحديث المعين مما خالف فيه، أو أخطأ، فهو محكوم عليه بلقب آخر، وهو (المنكر)، وما في معناه.
وهذا النوع من الحديث المردود لعلة سوء حفظ راويه، مما يتنازعه علماء الحديث، فمنهم من يجعله حسناً؛ وذلك من أجل صدق راويه في الجملة، وعدم القطع بخطئه في الحديث المعين، ومنهم من يضعفه؛ لما تقدم من غلبة الظن أن التفرد من مثله محل شك.
والتحقيق: أنه حديث ضعيف؛ من أجل أن الحسن مطلوب فيه رجحان الراوي إلى جانب صحة حديثه، لسلامته في غالب أمره من الوهم والخطأ، بحيث غلب وصفه بالحفظ على وصفه بسوء الحفظ، بخلاف راوي هذا النوع من الحديث فإن اختبار أمره أوجدنا وهماً وخطأً ومخالفات إسنادية ومتنية وقعت منه أورثت الريبة في سائر أفراده التي لا نقطع بخطئه فيها، إلا أن يندفع ذلك عنه بطريق صالح، فيرقى حديثه إلى القبول، وهو (الحسن لغيره) على ما تقدم ذكره في محله.
واعلم أنه يلحق بهذا النوع من الحديث: رواية الراوي المختلط الواقعة بعد اختلاطه المؤثر، فإنه باختلاطه صار سيء الحفظ لما حدث به بعد الاختلاط، على ما بينته في (المبحث الخامس) من مباحث (تفسير الجرح).
* * *