المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كيف يثبت الانقطاع - تحرير علوم الحديث - جـ ٢

[عبد الله الجديع]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثالثالنقد الخفي

- ‌الفصل الأولالمراد بالنقد الخفِيِّ وبيانمنزلته وتعيينُ محلَّه

- ‌المبحث الأول:معنى النقد الخفي

- ‌طريقةُ النُّقَّاد فيما يسمَّى (علّة):

- ‌المبحث الثاني:منزلة هذا العلم والطريق إليه

- ‌المبرّزون من أئمة الحديث في معرفة علله:

- ‌هل انتهى الزمن الذي يمكن فيه تمييز العلل الخفية للأحاديث

- ‌المبحث الثالث:تحديد إطار النقد الخفيِّ

- ‌الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب

- ‌الصورة الثانية: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ولا أثر له على ثبوت الحديث

- ‌الصورة الثالثة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو من العلل الظاهرة

- ‌الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو صواب

- ‌الفصل الثانيأسباب التَّعليل من خلالمنهج النُّقَّاد

- ‌المبحث الأول:التعليل بالتَّفرُّد

- ‌مسألتان متممتان لمبحث التفرد:

- ‌المبحث الثاني:التعليل بالزيادة

- ‌الأصل الأول: محل وقوع زيادات الثقات

- ‌أولاً: وصل المرسل

- ‌ثانياً: رفع الموقوف

- ‌ثالثاً: الزيادة خلال الإسناد

- ‌الصورة الأولى: زيادة راوٍ خلال الإسناد في موضع عنعنة

- ‌الصورة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد

- ‌الصورة الثالثة: زيادة ذكر التحديث والسماع بدل العنعنة

- ‌رابعاً: الزيادة في متن الحديث

- ‌خامساً: الإدراج

- ‌الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة

- ‌القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد:

- ‌القسم الثاني: زِيادة الثقة في المتن

- ‌المبحث الثالث:التعليل بالمخالفة

- ‌النوع الأول: الشذوذ

- ‌النوع الثاني: مُخالفة القرآن

- ‌النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية

- ‌النوع الرابع: مخالفة المحسوس

- ‌النوع الخامس: مخالفة العقل

- ‌خلاصة هذا المبحث:

- ‌المبحث الرابع:التعليل بالاختلاف

- ‌معنى الاختلاف على الراوي:

- ‌القسم الأول: اختلاف غير قادح

- ‌القسم الثاني: اختلاف قادح

- ‌الصورة الثانية: الاضطراب

- ‌المبحث الخامس:التعليل بالغلط

- ‌الصورة الأولى: دخول حديث في حديث

- ‌الصورة الثانية: التصحيف في الأسانيد والمتون

- ‌الصورة الثالثة: القلب:

- ‌المبحث السادس:التعليل بالتدليس

- ‌الفصل الثالثقوانين ضبط عمليةتعليل الأحاديث

- ‌المبحث الأولعلم التخريج

- ‌تفسير علم التخريج:

- ‌التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ:

- ‌من القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج

- ‌أولاً: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها

- ‌ثالثاً: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد

- ‌المبحث الثاني:علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين

- ‌أولاً: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجاً عنها

- ‌رابعاً: أن يأتي الحديث موافقاً للمنقول عن أهل الكتاب

- ‌خامساً: أن يكون الثقة يرجع إلى أصول، ولا يوجد ذلك الحديث في أصوله

- ‌سادساً: أن يثبت عن راوي الحديث ترك عمله به، أو ذهابه إلى خلافه

- ‌المبحث الثالث:مقدمات أساسية لكشف العلة الخفية

- ‌المقدمة الأولى: تمييز مراتب الرواة الثقات

- ‌المقدمة الثانية: حفظ الأسانيد المعروفة الصحة، والأسانيد المعللة

- ‌المقدمة الثالثة: تمييز المراسيل، ومن كان معروفاً بالإرسال

- ‌المقدمة الرابعة: تمييز ما يدخل على أحاديث بعض الثقات، وهماً أو تعمداً

- ‌المقدمة الخامسة: تمييز التدليس، ومعرفة ما يقع من بعض الثقات من تدليس الأسماء

- ‌المقدمة السادسة: تمييز بلدان الرواة، ومعرفة ما يتفردون به من السنن

- ‌المقدمة السابعة: تمييز المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب

- ‌المقدمة الثامنة: تمييز المقلين من الرواة والمكثرين

- ‌المقدمة التاسعة: تمييز أصح ما يروى في الباب

- ‌المقدمة العاشرة: تمييز الأبواب التي لا يثبت فيها حديث

- ‌المقدمة الحادية عشرة: تفقد صيغ التحمل والأداء

- ‌المقدمة الثانية عشرة: تمييز الإدراج للألفاظ في سياقات المتون

- ‌القسم الثانيأصناف الحديثمن جهة القبول والرد

- ‌الباب الأولالحديث المقبول

- ‌الفصل الأولالحديث الصحيح

- ‌المبحث الأولتعريف الحديث الصحيح

- ‌المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال:

- ‌الشرط الأول: اتصال السند

- ‌الشرط الثاني: عدالة الرواة

- ‌الشرط الثالث: ضبط الرواة

- ‌الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة

- ‌المبحث الثاني:تطبيق لإظهار تحقق شروط الحديث الصحيح

- ‌المبحث الثالث:نقد تعريفات الصحيح

- ‌المبحث الرابع:الحديث الصحيح في اصطلاح الترمذي

- ‌الفصل الثانيالحديث الحسن

- ‌المبحث الأول:تعريف الحديث الحسن

- ‌الترمذي و (الحديث الحسن):

- ‌المبحث الثاني:تاريخ هذا (المصطلح)

- ‌تنبيهان:

- ‌المبحث الثالث:تطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث

- ‌تطبيق للحديث الحسن لذاته:

- ‌تطبيق للحديث الحسن لغيره:

- ‌الفصل الثالثمباحث في الصحيح والحسن

- ‌المبحث الأول:الكتب في الحديث الصحيح

- ‌ طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة

- ‌المبحث الثاني:ذكر المصنفات المسماة بـ (الصحاح)غير كتابي الشيخين

- ‌1 _ صحيح ابن خزيمة

- ‌2_ صحيح ابن حبان

- ‌3 _ المستدرك على الصحيحين

- ‌تنبيهان:

- ‌المبحث الثالث:الأحاديث المعلقات في " صحيح البخاري

- ‌إطلاق مصطلح (المعلق):

- ‌سبب تعليق الحديث:

- ‌تنبيهان:

- ‌تتمة في مسائل تتصل بالمعلقات:

- ‌المبحث الرابع:السنن الأربعة والمسندأعظم دواوين السنة بعد الصحيحين

- ‌شرط أبي داود في (سننه):

- ‌شرط الترمذي في " سننه

- ‌شرط النسائي في " سننه

- ‌شرط ابن ماجة في " سننه

- ‌شرط أحمد في " المسند

- ‌المبحث الخامس:المستخرجات على " الصحيحين

- ‌فوائد المستخرجات:

- ‌من أمثلة المستخرجات على " الصحيحين

- ‌تنبيهان:

- ‌المبحث السادس:أين يوجد الحديث الصحيح في غيرالكتب الموسومة بالصحة

- ‌المبحث السابع:تصحيح الحديث على شرط الصحيح

- ‌ شرط البخاري

- ‌شرط مسلم

- ‌الواجب اعتباره لفهم شرط الشيخين فيما انتقياه

- ‌المبحث الثامن:مسائل في الحديث الصحيح والحسن

- ‌المسألة الأولى: الحديث الصحيح والحسن كلاهما حجة

- ‌المسألة الثانية: درجات الصحة تتفاوت في القوة بحسب القرائن

- ‌المسألة الثالثة: هل صحة الإسناد توجب صحة الحديث

- ‌المسألة الرابعة: قولهم في الحديث: (رجاله ثقات) هل يعني الصحة

- ‌المسألة الخامسة: عدد الحديث الصحيح

- ‌المسألة السادسة: قولهم: (أصح شيء في الباب)

- ‌المسألة السابعة: أصح الأسانيد

- ‌المسألة الثامنة: قولهم: (حديث جيد)

- ‌المسألة التاسعة: أين يوجد الحديث الحسن

- ‌المسألة العاشرة: أوصاف للحديث تفيد القبول

- ‌المسألة الحادية عشرة: استدلال العالم بحديث، هل يعني تصحيحه له

- ‌الباب الثانيالحديث المردود

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأولألقاب الحديث الضعيفبسبب عدم الاتصال

- ‌المبحث الأولالحديث المنقطع

- ‌الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو

- ‌سبب إبهام الراوي:

- ‌كيف يثبت الانقطاع

- ‌المبحث الثاني:الحديث المعضل

- ‌طريق معرفة المعضل:

- ‌المبحث الثالث:الحديث المرسل

- ‌نقد تعريفات المرسل:

- ‌مثال المرسل:

- ‌طريق تمييز المرسل:

- ‌المبحث الرابع:مسائل في الانقطاع والإرسال

- ‌المسألة الأولى: تداخلُ استعمال مصطلح (المنقطع) في (المرسل) عند السلف:

- ‌المسألة الثانية: المفاضلة بين المراسيل

- ‌القول في مراسيل سعيد بن المسيب:

- ‌قولهم في مراسيل عروة بن الزبير:

- ‌قولهم في مراسيل الحسن البصري:

- ‌قولهم في مراسيل جماعة آخرين:

- ‌المسألة الثالثة: حكم الحديث المرسل:

- ‌المسألة الرابعة: رواية الصحابي ما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الخامس:الحديث المدلس

- ‌النوع الأول: تدليس الوصل

- ‌القسم الأول: تدليس الإسناد

- ‌القسم الثاني: تدليس التسوية

- ‌سبب وقوع التدليس في الإسناد:

- ‌النوع الثاني: تدليس الأسماء

- ‌تحرير الفرق بين (التدليس) و (الإرسال الخفي):

- ‌تاريخ التدليس:

- ‌مذاهب أهل العلم في خبر المدلس:

- ‌الترجيح:

- ‌تنبيه:التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم

- ‌كيف يعرف التدليس

- ‌طبقات المدلسين:

- ‌فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس:

- ‌الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به:

- ‌تتمة في مسائل في التدليس:

- ‌الفصل الثانيألقاب الحديث الضعيفبسبب جرح الراوي

- ‌المبحث الأول:حديث المجهول

- ‌المبحث الثاني:الحديث اللين

- ‌المبحث الثالث:الحديث المقلوب

- ‌الصورة الأولى: قلب في الإسناد

- ‌الصورة الثانية: قلب في المتن

- ‌الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث

- ‌المبحث الرابع:الحديث المصحف

- ‌طريق معرفة التصحيف أو التحريف في الرواية:

- ‌المبحث الخامس:الحديث المدرج

- ‌القسم الأول: مدرج الإسناد

- ‌القسم الثاني: مدرج المتن

- ‌طريق معرفة الإدراج:

- ‌المبحث السادس:الحديث الشاذ

- ‌ زيادات الثقات

- ‌ المزيد في متصل الأسانيد

- ‌المبحث السابع:الحديث المعلل

- ‌المبحث الثامن:الحديث المضطرب

- ‌المبحث التاسع:الحديث المنكر

- ‌تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين:

- ‌المبحث العاشر:الحديث الموضوع

- ‌بداية ظهور الكذب في الحديث:

- ‌أسباب تعمد وضع الحديث:

- ‌السبب الأول: الطعن على الإسلام، والتشكيك فيه

- ‌السبب الثاني: نصرة الأهواء:

- ‌السبب الثالث: الترغيب في الأعمال الصالحة

- ‌السبب الرابع: الرغبة في استمالة السامعين

- ‌مصادر المتون الموضوعة:

- ‌مسائل في الموضوع:

- ‌المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له)

- ‌المسألة الثالثة: الكتب المؤلفة في تمييز الأحاديث الموضوعة

- ‌المسألة الرابعة: مما يساعد على تمييز الموضوع في الحديث: معرفة أبواب مخصوصة

- ‌الفصل الثالثحكم الاعتباربالحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول:تفسير الاعتبار

- ‌المبحث الثاني:تمييز ما يصلح للاعتبار

- ‌ صلاحية الراوي

- ‌ صلاحية نفس الحديث

- ‌تنبيه:الاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح

- ‌المبحث الثالث:تقوية الحديث بتعدد الطرق

- ‌الشرط الأول: أن يكون حديثاً له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه

- ‌الشرط الثاني: أن يكون في أدنى درجاته مما يصلح الاعتبار به

- ‌مناقشة قول الشافعي فيما يتقوى به المرسل:

- ‌الشرط الرابع: أن يوجد فيه معنى المجبور به إن لم يطابقه في لفظه

- ‌الفصل الرابعاستعمالالحديث الضعيف

- ‌المبحث الأول:حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف

- ‌المبحث الثاني:الحديث الضعيف في فضائل الأعمال

الفصل: ‌كيف يثبت الانقطاع

قلت: وإبراهيم هذا متروك ليس بثقة.

نعم، ربما أبهم الراوي شيخه لكونه حدث عنه في حياته، أو لكونه من أقرانه أو أصغر منه، كما في أسباب التدليس.

حدث أبو إسحاق الفزاري بحديث فقال فيه: عن رجل من أهل الشام، عن أبي عثمان، عن أبي خداش، فقال أبو حاتم الرازي:" هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان "، وقال في سبب إبهام بقية:" وإنما لم يسمه أبو إسحاق؛ لأنه كان حيا في ذلك الوقت "(1).

قلت: كانا قرينين، ومات أبو إسحاق قبل بقية.

‌كيف يثبت الانقطاع

؟

الصورة الثانية من الانقطاع ظاهرة، فإبهام راو في الإسناد علامة صريحة فيه.

وإنما تحتاج الصورة الأولى إلى طريق تميز بها، وجملة الطرق التي يستعان بها لمعرفة ذلك خمسة:

الأول: التنصيص على عدم السماع.

ويقع:

تارة من الراوي نفسه، وهو قليل، كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني ابن عبد الله بن مسعود): تذكر من أبيك شيئاً؟ قال: " لا "(2).

(1) نقله ابنه في " علل الحديث "(رقم: 965).

(2)

أخرجه أحمد في " العلل "(النص: 456) وابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 256) وإسناده صحيح.

ص: 913

وتارة بتنصيص من روى عنه من الثقات، وهو قليل أيضاً، كقول عبد الملك بن ميسرة:" الضحاك لم يسمع من ابن عباس "(1).

ومثل ما وقع من سليمان التيمي حين حدث عن أبي مجلز، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ (تنزيل السجدة)، قال سليمان:" ولم أسمعه من أبي مجلز "(2).

وتارة بتنصيص الناقد العارف، بناء على الاستقراء والنظر، على عدم الإدراك، أو اللقاء، أو السماع، بقوله مثلاً:(فلان لم يدرك فلاناً، لم يلق فلاناً، لم يسمع فلاناً، عن فلان مرسل).

كقول علي بن المديني: " لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه، ولم يسمع من سمرة بن جندب "(3).

وهذا كثير، واعتنى به أئمة الجرح والتعديل، وفيه كتب مصنفة، من أنفعها:" المراسيل " لابن أبي حاتم الرازي، و" جامع التحصيل في أحكام المراسيل " للحافظ صلاح الدين العلائي، كما يوجد ذكر ذلك في كتب تراجم الرجال.

وقد يختلف فيه بين النقاد، فيحرر الراجح بأصوله.

والثانية: معرفة التاريخ.

والمقصود تمييز تاريخ وفاة الشيخ، ومولد التلميذ، فإن كان التلميذ لم يولد بعد يوم مات الشيخ، أو كان صغيراً في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.

وهذا طريق سلكه النقاد الكبار في معرفة الاتصال والانقطاع في الأسانيد، واستدلوا به كثيرا ً.

(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 95) وإسناده صحيح .......

(2)

أخرجه أحمد في " مسنده "(رقم: 5556).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 109) وإسناده صحيح.

ص: 914

والعلم بالتاريخ قد يكون صريحاً بتحديد السنين، وقد يكون بالقرائن المساعدة على ذلك.

فمثاله فيما هو صريح: عبد الرحمن بن أبي ليلى، من كبار التابعين، وقد روى عن أبي بكر الصديق، ومات أبو بكر سنة (113)، وقال ابن أبي ليلى:" ولدت لست بقين من خلافة عمر "(1). فروايته عنه بهذا الاعتبار منقطعة جزماً.

ومثل رواية محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، عن عمر بن الخطاب، فإن أبا حاتم الرازي قال:" ولد لثلاث بقين من خلافة عمر "(2)، فروايته عنه منقطعة؛ لصغره.

وقد يتحمل الصغير شيئاً عمن أدرك، كأن يذكر أنه رآه، ثم يروي عنه ما لم يكن يحتمله سنه من الحديث، فهذا منقطع فيما رواه عن ذلك الشيخ سوى ما جاء عنه من ذلك اليسير في رؤيته أو شبهه، وأدنى درجاته أنه قامت فيه شبهة الانقطاع.

وذلك مثل رواية إبراهيم النخغي عن عائشة أم المؤمنين فإنه أدخل عليها وهو صبي صغير، كما قاله يحيى بن معين (3) وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي (4) وثبتت الرواية عنه بذلك (5).

(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 126) وإسناده صحيح.

(2)

الجرح والتعديل (4/ 1 / 26) .......

(3)

تاريخ يحيى بن معين (النص: 2373).

(4)

المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: 9، 10).

(5)

فقد أخرج البخاري في " التاريخ "(1/ 1 / 334) وابن حبان في " الثقات (4/ 9) من طريق أبي معشر، أن النخعي حدثهم، أنه دخل على عائشة، فرأى عليها ثوباً أحمر، فقال له أيوب: كيف دخل على عائشة؟ قال: كان يحج مع عمه وخاله وهو غلام، فدخل عليها. قلت: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب ثقة، وأيوب المذكور هو السختياني.

ص: 915

ومثاله فيما عرفنا فيه الانقطاع بعدم الإدراك بالقرينة، رواية عبدة بن أبي لبابة عن عمر بن الخطاب، فإن أكثر روايته عن التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود، كأبي وائل شقيق بن سلمة، وزر بن حبيش، ومن دونهم كمجاهد بن جبر، والقاسم بن مخيمرة، ورأى عبد الله بن عمر بالشام (1)، وهل يصح سماعه منه؟ أثبته بعض الأئمة كالبخاري (2)، وظاهر عبارة أبي حاتم الرازي أنه لم يكن له نصيب من ابن عمر غير الرؤية، فإنه قال:" رأى ابن عمر رؤية "(3)، فإذا كان هذا شأنه، فأنى له أن يدرك عمر؟

(1) نص على ذلك أحمد بن حنبل في رواية الميموني عنه، نقله ابن عساكر في " تاريخه "(37/ 384) والمزي في " التهذيب "(18/ 543).

(2)

التاريخ الكبير (3/ 2 / 114)، ويبدو أنُّ مستند إثبات السماع ما أخرجه الفاكهي في " أخبار مكة " (رقم: 870) من طريق عثمان بن ساج. وأخرجه ابن عدي في " الكامل "(1/ 371) وابن الأعرابي في " معجمه "(رقم: 1498) وابن عساكر في " تاريخه "(7/ 276 و (37/ 381) من طريق سلمة بن عبد الملك العوصي. كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تابعوا بين الحج والعمرة، والذي نفسي بيده إنَّ متابعتهما لتنفي الفقر والذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد ".

قلت: وإسناده ضعيف جداً، إبراهيم هو ابن يزيد الخوزي، واه متروك الحديث، وليس هو ابن يزيد النصري الشامي، خلافاً لما حسبه ابن عساكر من أجل رواية العوصي عنه وهو شامي، فإنه روى عن العراقيين، وحديث الخوزي أيضا وقع للعراقين، وأما النصري فلا يوجد فيما جاءنا من ترجمته ما يساعد على اعتباره المقصود هنا، بل هو لعدم شهرته كان يحتاج إلى تمييزه بالنسبة، فحيث أُهمل ولم تقو القرائن في ترجيحه فلم يصح أن يحمل الحديث على أنه له، بل قويت وترجحت القرائن في كون المقصود هو الخوزي، فابن ساج هو عثمان بن عمرو بن ساج جزري حديثه عن الحجازيين وأهل بلده، والخوزي مكي، وزاد تأكيداً أنّ للحديث أصلاً من حديث الخوزي، كما أخرجه من طريقه الفاكهي (رقم: 869) وابن عدي، يرويه بإسنادٍ آخر عن ابن عمر.

نعم، له أصل من رواية عبدة بن أبي لبابة، لكن من غير حديث ابن عمر، كما بين قصته الدارقطني في " العلل "(2/ 130 ـ 131).

(3)

جامع التحصيل، للعلائي (ص: 282)، والعبارة في " المراسيل " لابن أبي حاتم (ص: 136) لكن سقطت منها كلمة (ابن)، وهو خطأ جزماً.

ص: 916

والثالثة: مجيء الرواية بصيغة تدل على وجود واسطة بين الراوي ومن فوقه.

كقول الراوي: (حدثت عن فلان) أو ما في معناها، وهذا بين في الانقطاع من أجل البناء للمجهول، وأمثلته واردة في الأسانيد بنسبة غير قليلة.

كقول يحيى بن أبي كثير: حدثت عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند أهل بيت قال:" أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار "(1).

والرابعة: أن يقوم دليل على أن رواية فلان عن فلان بواسطة بينهما، فإذا وجدت دون الواسطة فهي منقطعة، وهذه لها صورتان:

أولاهما: أن لا يأتي الإسناد بين الراويين دائماً إلا معنعناً، ويوقف على أن التلميذ ربما أدخل بينه وبين ذلك الشيخ واسطة.

مثل: رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يذكر في شيء من روايته سماعاً من ثوبان، وغالب ما يرويه من حديث ثوبان يدخل بينه وبينه فيه معدان بن أبي طلحة.

ولذا قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي: " لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة "(2).

وثانيهما: أن يروى الحديث المعين مثلاً عن (زيد عن عمرو)، ويوقف على روايته عن زيد بواسطة عن عمرو، ولا يدل دليل على أن

(1) أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة "(298) و " الكبرى "(رقم: 6902) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، به.

وقد رواه بعض أصحاب هشام عنه عن يحيى عن أنس، فبينت هذه الرواية علته .......

(2)

المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 80).

ص: 917

الحديث وقع لزيد من الوجهين، فيكون ما بين زيد وعمرو منقطعاً في ذلك الحديث خاصة.

وقد نعت النقاد أحاديث بالانقطاع، لمثل هذه العلة.

مثاله في أسانيد الأحاديث المروية: ما أخرجه البخاري (1)، قال: حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً ".

عبد الواحد هذا هو ابن زياد، ثقة.

وافقه على رواية الحديث مروان بن معاوية الفزاري، لكنه قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو، بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).

فتلاحظ أن مروان حفظ واسطة بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، ومروان ثقة حافظ، فنظر الحفاظ فوجدوا أن مجاهداً لم يقل:(سمعت عبد الله) وإنما قال: (عن)، ورواية مروان ههنا دلت على الانقطاع بينه وبينه، عرف ذلك بالبحث في طرق الحديث.

وقد رجح الحافظ الدارقطني الانقطاع في رواية البخاري، وأن الصواب كما جاء في رواية النسائي (3).

نعم؛ مجاهد لم يعرف بالتدليس، وقد ثبت أنه سمع غير هذا الحديث

(1) في " صحيحه "(رقم: 2995، 6516).

(2)

أخرجه النسائي (رقم: 4750).

(3)

ذكر ذلك في كتاب " التتبع "(ص: 213) .......

ص: 918

من عبد الله بن عمرو، ولولا ما بدا من علة في إسناده الأول لكان إسناداً صحيحاً، وإن كانت هذه صورة مطابقة لمعنى (التدليس) كما سيأتي.

والخامسة: افتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي.

قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة: " كل ما ردت عليك قوسك "، رواه ضمرة عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة؟ فقال:" ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ "، قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: " نعم "(1).

قلت: يريد لا تعرف لابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، لا لعدم الإدراك؛ وإنما لافتراق البلد، سعيد مدني، وأبو ثعلبة شامي، وحديثه في الشام.

* * *

(1) تاريخ أبي زرعة (1/ 459). ومن طريق ضمرة وهو ابن ربيعة، أخرجه ابن ماجة (رقم: 3211).

وذكره الدارقطني في " العلل "(6/ 318 ـ 319) وقال: " يرويه الأوزاعي، واختلف عنه، فرواه ضمرة .. " فساق روايته، ثم قال:" وغيره يرويه عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة مرسلاً والمرسل أصح ".

قلت: وهذا في تضعيف هذا الطريق موافق لقول أحمد، وإنما نفيَ أحمد أن يكون له أصل من حديث سعيد عن أبي ثعلبة، لعدم اللقاء، فلا تعرف له عنه رواية، ولم يرد أن ينفي للحديث أصلاً عن أبي ثعلبة، فهو معروف للشاميين بأسانيدهم.

ص: 919