الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: وإبراهيم هذا متروك ليس بثقة.
نعم، ربما أبهم الراوي شيخه لكونه حدث عنه في حياته، أو لكونه من أقرانه أو أصغر منه، كما في أسباب التدليس.
حدث أبو إسحاق الفزاري بحديث فقال فيه: عن رجل من أهل الشام، عن أبي عثمان، عن أبي خداش، فقال أبو حاتم الرازي:" هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان "، وقال في سبب إبهام بقية:" وإنما لم يسمه أبو إسحاق؛ لأنه كان حيا في ذلك الوقت "(1).
قلت: كانا قرينين، ومات أبو إسحاق قبل بقية.
كيف يثبت الانقطاع
؟
الصورة الثانية من الانقطاع ظاهرة، فإبهام راو في الإسناد علامة صريحة فيه.
وإنما تحتاج الصورة الأولى إلى طريق تميز بها، وجملة الطرق التي يستعان بها لمعرفة ذلك خمسة:
الأول: التنصيص على عدم السماع.
ويقع:
تارة من الراوي نفسه، وهو قليل، كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني ابن عبد الله بن مسعود): تذكر من أبيك شيئاً؟ قال: " لا "(2).
(1) نقله ابنه في " علل الحديث "(رقم: 965).
(2)
أخرجه أحمد في " العلل "(النص: 456) وابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 256) وإسناده صحيح.
وتارة بتنصيص من روى عنه من الثقات، وهو قليل أيضاً، كقول عبد الملك بن ميسرة:" الضحاك لم يسمع من ابن عباس "(1).
ومثل ما وقع من سليمان التيمي حين حدث عن أبي مجلز، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ (تنزيل السجدة)، قال سليمان:" ولم أسمعه من أبي مجلز "(2).
وتارة بتنصيص الناقد العارف، بناء على الاستقراء والنظر، على عدم الإدراك، أو اللقاء، أو السماع، بقوله مثلاً:(فلان لم يدرك فلاناً، لم يلق فلاناً، لم يسمع فلاناً، عن فلان مرسل).
كقول علي بن المديني: " لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه، ولم يسمع من سمرة بن جندب "(3).
وهذا كثير، واعتنى به أئمة الجرح والتعديل، وفيه كتب مصنفة، من أنفعها:" المراسيل " لابن أبي حاتم الرازي، و" جامع التحصيل في أحكام المراسيل " للحافظ صلاح الدين العلائي، كما يوجد ذكر ذلك في كتب تراجم الرجال.
وقد يختلف فيه بين النقاد، فيحرر الراجح بأصوله.
والثانية: معرفة التاريخ.
والمقصود تمييز تاريخ وفاة الشيخ، ومولد التلميذ، فإن كان التلميذ لم يولد بعد يوم مات الشيخ، أو كان صغيراً في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.
وهذا طريق سلكه النقاد الكبار في معرفة الاتصال والانقطاع في الأسانيد، واستدلوا به كثيرا ً.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 95) وإسناده صحيح .......
(2)
أخرجه أحمد في " مسنده "(رقم: 5556).
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 109) وإسناده صحيح.
والعلم بالتاريخ قد يكون صريحاً بتحديد السنين، وقد يكون بالقرائن المساعدة على ذلك.
فمثاله فيما هو صريح: عبد الرحمن بن أبي ليلى، من كبار التابعين، وقد روى عن أبي بكر الصديق، ومات أبو بكر سنة (113)، وقال ابن أبي ليلى:" ولدت لست بقين من خلافة عمر "(1). فروايته عنه بهذا الاعتبار منقطعة جزماً.
ومثل رواية محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، عن عمر بن الخطاب، فإن أبا حاتم الرازي قال:" ولد لثلاث بقين من خلافة عمر "(2)، فروايته عنه منقطعة؛ لصغره.
وقد يتحمل الصغير شيئاً عمن أدرك، كأن يذكر أنه رآه، ثم يروي عنه ما لم يكن يحتمله سنه من الحديث، فهذا منقطع فيما رواه عن ذلك الشيخ سوى ما جاء عنه من ذلك اليسير في رؤيته أو شبهه، وأدنى درجاته أنه قامت فيه شبهة الانقطاع.
وذلك مثل رواية إبراهيم النخغي عن عائشة أم المؤمنين فإنه أدخل عليها وهو صبي صغير، كما قاله يحيى بن معين (3) وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي (4) وثبتت الرواية عنه بذلك (5).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل "(ص: 126) وإسناده صحيح.
(2)
الجرح والتعديل (4/ 1 / 26) .......
(3)
تاريخ يحيى بن معين (النص: 2373).
(4)
المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: 9، 10).
(5)
فقد أخرج البخاري في " التاريخ "(1/ 1 / 334) وابن حبان في " الثقات (4/ 9) من طريق أبي معشر، أن النخعي حدثهم، أنه دخل على عائشة، فرأى عليها ثوباً أحمر، فقال له أيوب: كيف دخل على عائشة؟ قال: كان يحج مع عمه وخاله وهو غلام، فدخل عليها. قلت: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب ثقة، وأيوب المذكور هو السختياني.
ومثاله فيما عرفنا فيه الانقطاع بعدم الإدراك بالقرينة، رواية عبدة بن أبي لبابة عن عمر بن الخطاب، فإن أكثر روايته عن التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود، كأبي وائل شقيق بن سلمة، وزر بن حبيش، ومن دونهم كمجاهد بن جبر، والقاسم بن مخيمرة، ورأى عبد الله بن عمر بالشام (1)، وهل يصح سماعه منه؟ أثبته بعض الأئمة كالبخاري (2)، وظاهر عبارة أبي حاتم الرازي أنه لم يكن له نصيب من ابن عمر غير الرؤية، فإنه قال:" رأى ابن عمر رؤية "(3)، فإذا كان هذا شأنه، فأنى له أن يدرك عمر؟
(1) نص على ذلك أحمد بن حنبل في رواية الميموني عنه، نقله ابن عساكر في " تاريخه "(37/ 384) والمزي في " التهذيب "(18/ 543).
(2)
التاريخ الكبير (3/ 2 / 114)، ويبدو أنُّ مستند إثبات السماع ما أخرجه الفاكهي في " أخبار مكة " (رقم: 870) من طريق عثمان بن ساج. وأخرجه ابن عدي في " الكامل "(1/ 371) وابن الأعرابي في " معجمه "(رقم: 1498) وابن عساكر في " تاريخه "(7/ 276 و (37/ 381) من طريق سلمة بن عبد الملك العوصي. كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تابعوا بين الحج والعمرة، والذي نفسي بيده إنَّ متابعتهما لتنفي الفقر والذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد ".
قلت: وإسناده ضعيف جداً، إبراهيم هو ابن يزيد الخوزي، واه متروك الحديث، وليس هو ابن يزيد النصري الشامي، خلافاً لما حسبه ابن عساكر من أجل رواية العوصي عنه وهو شامي، فإنه روى عن العراقيين، وحديث الخوزي أيضا وقع للعراقين، وأما النصري فلا يوجد فيما جاءنا من ترجمته ما يساعد على اعتباره المقصود هنا، بل هو لعدم شهرته كان يحتاج إلى تمييزه بالنسبة، فحيث أُهمل ولم تقو القرائن في ترجيحه فلم يصح أن يحمل الحديث على أنه له، بل قويت وترجحت القرائن في كون المقصود هو الخوزي، فابن ساج هو عثمان بن عمرو بن ساج جزري حديثه عن الحجازيين وأهل بلده، والخوزي مكي، وزاد تأكيداً أنّ للحديث أصلاً من حديث الخوزي، كما أخرجه من طريقه الفاكهي (رقم: 869) وابن عدي، يرويه بإسنادٍ آخر عن ابن عمر.
نعم، له أصل من رواية عبدة بن أبي لبابة، لكن من غير حديث ابن عمر، كما بين قصته الدارقطني في " العلل "(2/ 130 ـ 131).
(3)
جامع التحصيل، للعلائي (ص: 282)، والعبارة في " المراسيل " لابن أبي حاتم (ص: 136) لكن سقطت منها كلمة (ابن)، وهو خطأ جزماً.
والثالثة: مجيء الرواية بصيغة تدل على وجود واسطة بين الراوي ومن فوقه.
كقول الراوي: (حدثت عن فلان) أو ما في معناها، وهذا بين في الانقطاع من أجل البناء للمجهول، وأمثلته واردة في الأسانيد بنسبة غير قليلة.
كقول يحيى بن أبي كثير: حدثت عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند أهل بيت قال:" أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار "(1).
والرابعة: أن يقوم دليل على أن رواية فلان عن فلان بواسطة بينهما، فإذا وجدت دون الواسطة فهي منقطعة، وهذه لها صورتان:
أولاهما: أن لا يأتي الإسناد بين الراويين دائماً إلا معنعناً، ويوقف على أن التلميذ ربما أدخل بينه وبين ذلك الشيخ واسطة.
مثل: رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يذكر في شيء من روايته سماعاً من ثوبان، وغالب ما يرويه من حديث ثوبان يدخل بينه وبينه فيه معدان بن أبي طلحة.
ولذا قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي: " لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة "(2).
وثانيهما: أن يروى الحديث المعين مثلاً عن (زيد عن عمرو)، ويوقف على روايته عن زيد بواسطة عن عمرو، ولا يدل دليل على أن
(1) أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة "(298) و " الكبرى "(رقم: 6902) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، به.
وقد رواه بعض أصحاب هشام عنه عن يحيى عن أنس، فبينت هذه الرواية علته .......
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم (ص: 80).
الحديث وقع لزيد من الوجهين، فيكون ما بين زيد وعمرو منقطعاً في ذلك الحديث خاصة.
وقد نعت النقاد أحاديث بالانقطاع، لمثل هذه العلة.
مثاله في أسانيد الأحاديث المروية: ما أخرجه البخاري (1)، قال: حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً ".
عبد الواحد هذا هو ابن زياد، ثقة.
وافقه على رواية الحديث مروان بن معاوية الفزاري، لكنه قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو، بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
فتلاحظ أن مروان حفظ واسطة بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، ومروان ثقة حافظ، فنظر الحفاظ فوجدوا أن مجاهداً لم يقل:(سمعت عبد الله) وإنما قال: (عن)، ورواية مروان ههنا دلت على الانقطاع بينه وبينه، عرف ذلك بالبحث في طرق الحديث.
وقد رجح الحافظ الدارقطني الانقطاع في رواية البخاري، وأن الصواب كما جاء في رواية النسائي (3).
نعم؛ مجاهد لم يعرف بالتدليس، وقد ثبت أنه سمع غير هذا الحديث
(1) في " صحيحه "(رقم: 2995، 6516).
(2)
أخرجه النسائي (رقم: 4750).
(3)
ذكر ذلك في كتاب " التتبع "(ص: 213) .......
من عبد الله بن عمرو، ولولا ما بدا من علة في إسناده الأول لكان إسناداً صحيحاً، وإن كانت هذه صورة مطابقة لمعنى (التدليس) كما سيأتي.
والخامسة: افتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي.
قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة: " كل ما ردت عليك قوسك "، رواه ضمرة عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة؟ فقال:" ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ "، قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: " نعم "(1).
قلت: يريد لا تعرف لابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، لا لعدم الإدراك؛ وإنما لافتراق البلد، سعيد مدني، وأبو ثعلبة شامي، وحديثه في الشام.
* * *
(1) تاريخ أبي زرعة (1/ 459). ومن طريق ضمرة وهو ابن ربيعة، أخرجه ابن ماجة (رقم: 3211).
وذكره الدارقطني في " العلل "(6/ 318 ـ 319) وقال: " يرويه الأوزاعي، واختلف عنه، فرواه ضمرة .. " فساق روايته، ثم قال:" وغيره يرويه عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة مرسلاً والمرسل أصح ".
قلت: وهذا في تضعيف هذا الطريق موافق لقول أحمد، وإنما نفيَ أحمد أن يكون له أصل من حديث سعيد عن أبي ثعلبة، لعدم اللقاء، فلا تعرف له عنه رواية، ولم يرد أن ينفي للحديث أصلاً عن أبي ثعلبة، فهو معروف للشاميين بأسانيدهم.