الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: يقول: يزيد لحفظه وإتقانه لا يقع له مثل هذا الوهم، ولا يحمل فيه عليه الخطأ وفيمن دونه أولى بحمل الخطأ عليه منه مع صدقه، وهو علي بن هاشم الرازي.
لكن إذا لم يتبين ما يمكن أن يحمل عليه الوهم من رواته، فتكون الرواية معلولة، دون إلحاق المأخذ فيها على معين.
وتلك العلامات المساعدة المستفادة من طرق النقاد في التعليل، منها ما يعرف من الفصل السابق، إذ التفرد، والزيادة، والمخالفة، والاختلاف، ودخول حديث في حديث، والتصحيف، والقلب، والتدليس، جميعها تكون بملحظ الناقد، بل يقصد إلى تقصيها في الرواية، حتى تسلم له منها، فوقوع الشيء منها في الرواية علامة على العلة، فإن استقرت بحجتها كانت هي العلة.
لكن قد بينت من قبل أنه ليس كل تفرد علة، ولا كل مخالفة مؤثرة، ولا كل اختلاف قادحاً، فما لم يكن من قبيل ما بينت قبل أنه قادح بمجرد تلك الأسباب، فإن الناقد قد يهتدي بعلامات أخرى للتوصل إلى العلة، ترجع أصولها إلى ما يلي:
أولاً: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجاً عنها
.
ومن عباراتهم فيه: (لزم فلان الطريق)(1). و (أخذ طريق المجرة فيه)(2). و (وهذا الطريق كان أسهل عليه)(3).
(1) علل الحديث، لابن أبي حاتم فيما نقله عن أبيه (رقم: 46، 288، 582، 1286، 1823، 2162، 2237، 2296).
(2)
معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: 118).
(3)
الكامل، لابن عدي (5/ 425).
والمعنى فيه: أن يروي الحديث ثقتان، فيجريه أحدهما على المعتاد في أسانيد شيخه، والآخر على غير المعتاد منها.
فمن خرج به عن المعتاد، فذلك قرينة على إتقانه للرواية، إذ مثل ذلك يحتاج حفظه إلى مزيد احتياط، ولا يتفطن إليه متيقظ، بخلاف ما جاء على الجادة.
وقد قال أحمد بن حنبل في مثال هذا: " أهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما "(1).
وهذه أمثلة:
المثال الأول، ويدخل في غير شيء من علل الحديث: حديث سمرة بن جندب في كفارة تفويت الجمعة.
رواه قتادة، واختلف عليه، فرواه همام بن يحيى، عنه، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:" من فاتته الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار "، وفي لفظ:" من ترك جمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار "(2).
تابع هماماً عليه إسناداً ومتناً: حجاج بن حجاج الباهلي الأحول (3)، وهو ثقة.
ورواه خالد بن قيس بن رباح، فقال: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، به (4).
(1) أخرجه ابن عدي في " الكامل "(2/ 306، و 5/ 499 _ 500) وإسناده جيد.
(2)
أخرجه أحمد (33/ 277، 330 رقم: 20087، 20159) وأبو داود (رقم: 1053) والنسائي (رقم: 1372) وغيرهم، واستوعبتُ بيانه في كتاب " علل الحديث ".
(3)
أخرجه البخاري في " تاريخه "(2/ 2 / 176).
(4)
أخرجه أبو داود في " المسائل "(ص: 296) والنسائي في " الكبرى "(رقم: 1662) وابنُ ماجة (رقم: 1128) والبيهقي (3/ 248).
وهذا الطريق خالفت في الإسناد، فجعلت (الحسن) بدلاً من (قدامة بن وبرة)، وهي محيلة الرواية من مجهول، وهو قدامة، إلى ثقة، وهو الحسن البصري، وهي رواية صحيحة الإسناد إلى قتادة، كصحة رواية همام عنه.
ومن يذهب من أهل العلم إلى صحة حديث الحسن عن سمرة، يصحح هذا الإسناد على طريقته، ومن لا يصححها قد يقوي روايتي قتادة ببعضهما، وهذان المنهجان كلاهما خطأ ههنا.
فتصحيح الرواية لذاتها من رواية الحسن عن سمرة، أو اعتبارها طريقاً مستقلة للحديث تنضم إلى رواية قدامة، إغفال لمخالفة همام.
والتحقيق: أن هماماً ألصق بقتادة، وأعلم بحديثه وأشهر به من خالد، بل هو من المكثرين عن قتادة وغيره، وليس خالد كذلك وإن كان ثقة، ثم إن خالداً أجرى الإسناد عن قتادة على الجادة، فقتادة عن الحسن عن سمرة نسخة، ومثل همام في كثرة حديثه عن قتادة لا يفوته مثل هذا، ليأتي به عن قتادة عن رجل غير معروف، لا يحفظ مثله ولا يتفطن له إلا بتعنٍّ، بخلاف المشهور المعروف.
ولذا قال البخاري: " والأول أصح " يعني رواية همام.
وممن أشار إلى علة هذه الرواية: أبو داود في " سننه " وأبو حاتم الرازي فيما حكاه ابنه (1).
وقال البيهقي: " كذا قال، ولا أظنه إلا واهماً في إسناده، لاتفاق من مضى على خلاف فيه ".
والحديث لا يصح، ولهمام فيه مخالفان آخران مرجوحان كذلك.
(1) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 577).
قال البخاري: " لا يصح حديث قدامة في الجمعة ".
قلت: العلة كما بينت من جهة جهالة قدامة، وكذلك لعدم العلم بثبوت سماع له ولا لقاء من سمرة، فإنه لم يذكر سماعاً في شيء من الطرق، ولم نجده يروي عن غير سمرة في شيء يثبت إسناده إليه.
فرجل مجهول لم تثبت عدالته، يروي بالعنعنة، لا يجوز قبول حديث ينفرد به لا يرويه سواه.
المثال الثاني: ما رواه محمد بن صالح بن مهران، قال: حدثنا أرطاة أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "(1).
قال ابن عدي: " الحديث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر خطأ، إنما يرويه عبيد الله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، على أنه قد روي عن هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهذا خطأ أيضاً (2)، وهذا الطريق كان أسهل عليه إذا قال: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر؛ لأنه طريق واضح، وبهذا الإسناد أحاديث كثيرة، من أن يقول: عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ".
المثال الثالث: ما رواه سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله
(1) أخرجه ابنُ عدي في " الكامل "(2/ 143) والطبراني في " الكبير "(12/ 375 رقم: 13389) من طُرق عن محمد بن صالح بن مهران، به.
(2)
وهذا من طريق هِشام بن حسان أخرجه العُقيلي في " الضعفاء "(2/ 246)، وعلته شبيهةٌ بهذه، وبيَّن العُقيلي أيضاً صواب روايته من طريق هشامٍ عن عبيد الله عن المقبري عن أبي هريرة.
بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال:" سبحانك اللهم، تبارك اسمك، وتعالى جدك " وذكر الحديث بطوله (1).
قال الحاكم: " لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه ".
ثم أسنده الحاكم من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا افتتح الصلاة، فذكر الحديث بغير هذا اللفظ.
قال الحاكم: " وهذا مخرج في صحيح مسلم ".
المثال الرابع: ما رواه عبد الله بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ساقي القوم آخرهم "(2).
قال ابن عدي: " كذا قال المقدمي هذا: عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وهذا الطريق كان أسهل عليه؛ لأن ثابتاً أبداً يروي عن أنس، وإنما روى ثابت هذا الحديث عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ".
المثال الخامس: ما رواه عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن الكريم، يقول:" إذا هم أحدكم بالأمر أو أراد الأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك " فذكر الحديث (3).
(1) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث " (ص: 118) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عُفير، به.
(2)
أخرجه ابن عدي في " الكامل "(5/ 425) قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي، به.
(3)
أخرجه ابنُ عدي (5/ 500) من طريق منْصور بن أبي مُزاحم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، به.
قال أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال؟ قال: " عبد الرحمن لا بأس به "، قال:" كان محبوساً في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثاً لابن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستخارة، ليس يرويه أحد، هو منكر "، قلت: هو منكر؟ قال: " نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما "(1).
ثانياً: أن تأتي رواية الغرباء عن الثقة على خلاف رواية أهل بلده، أو المعروفين من ثقات أصحابه.
ومثل له الحاكم بما رواه موسى بن عقبة، وهو مدني، عن أبي إسحاق السبيعي، وهو كوفي، زعم الحاكم أنه وهم في إسناده، من جهة أنه قال: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة "(2).
قال الحاكم: " هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا ".
قلت: هو إسناد ظاهره الصحة بلا ريب، والحاكم تبع جماعة من أئمة الحديث، رأوا هذا الحديث يعرف من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن الأغر المزني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من رواية العراقيين عن أبي بردة، وأبو بردة من أئمة الكوفيين.
(1) أخرجه ابن عدي (5/ 499 _ 500).
(2)
أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة "(رقم: 440) من طريق زياد بن يونس، والطحاوي في " شرح المعاني " (4/ 289) والطبراني في " الدعاء " (رقم: 1810) والحاكم في " معرفة علوم الحديث "(ص: 115) والبيهقي في " الشعب "(5/ 318 رقم: 6789) من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن موسى بن عُقبة.
ولو كان الأمر كذلك، أنه لم يروه العراقيون عن أبي بردة عن أبيه، لصح قول الحاكم ومن سبقه أو لحقه من أئمة الحديث.
لكني وجدت لهذا الحديث أصلاً من حديث أبي إسحاق عن أبي بردة من حديث أهل بيت أبي إسحاق، بل من أخصهم به، وهو حفيده إسرائيل بن يونس.
لكن المقصود أن تعلم أن وقوع هذه الصورة شبهة توجب البحث عن العلة (1).
ثالثاً: أن يأتي الحديث على شبه أحاديث راو آخر، وقد يكون ذلك الآخر من المجروحين.
هذا أيضاً من أسباب القدح في النقلة.
مثل أحاديث (سنان بن سعد عن أنس بن مالك).
قال أحمد بن حنبل: " تركت حديثه، حديثه حديث مضطرب "، وقال:" يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس "(2).
لكن العلل الخفية إنما هي في أحاديث الثقات، فهل لهذه الصورة تأثير في رواياتهم؟
من أئمة الحديث من أعل رواية الثقة لمشابهتها لأحاديث المجروحين.
والتحقيق أنه لا يصح التعليل لحديث الثقة بممجرد الشبه بحديث المجروح، أو أن ذلك الحديث رواه ذلك المجروح كذلك كما رواه الثقة، من جهة انتقاء المانع من وقوع الحديث لكليهما.
(1) شرحت علة هذا الحديث في كتابي " علل الحديث ".
(2)
العلل ومعرفة الرجال (النص: 3409، 3410).
لكن قد يفيد الشبه شبهة توجب مزيد تحر، وربما كشفت عن علة قادحة.
قال ابن رجب: " حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه فلان، فيعللون الأحاديث بذلك "(1).
قلت: ومن مثاله: ما رواه أبو بكر الحنفي، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكيني إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل "(2).
قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: " هذا حديث منكر، وإنما
(1) شرح علل الترمذي (2/ 756).
(2)
أخرجه الحاكم (1/ 348 _ 349 رقم 1290) وعنه: البيهقي في " الكبرى "(3/ 375) و " الشعب "(6/ 547 و 7/ 187 _ 188 رقم 9239، 9943) قال: حدثني بكر بن محمد الصيرفيُّ بمكة، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، حدثنا علي بن المديني، حدثنا أبو بكر الحنفي، به.
قال الحاكم: " حديث صحيح على شرْط الشيخين ولم يخرجاه "، وقال البيهقي في " الشعب ":" إسناد صحيح ".
قلت: كذا قالا، وليْس كذلك كما سيأتي.
وعزاه أبو الفَضل بن عمار الشهيد في " علل الأحاديث في كتاب التصحيح "(ص: 117 _ 118) إلى " صحيح مسلم "، وليس في شيء من نُسخه، ولائقٌ أن لا يكون فيه، فلعل مسلماً أدخله أولاً ثم رفعه لما كشف علته، فبقي في نُسخة وقف عليها ابنُ عمار، ولذا أيضاً استدركه الحاكم، ونبّه البيهقي أنه ليس في " الصحيح " وتوالى طائفة على نفيِ وُجوده فيه.
رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحداً أضعف من عبد الله بن سعيد المقبري. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وهو حديث يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد " (1).
قلت: وذكر البيهقي أيضاً أن قرة بن عيسى، وهو الواسطي، رواه كذلك عن عاصم، عن عبد الله بن سعيد.
وتفرد به أبو بكر الحنفي عن عاصم عن سعيد بن أبي سعيد.
وليس في روايته أيضاً ذكر سماع بين عاصم وسعيد، ورواية غيره جعلته بالواسطة بين عاصم وسعيد، وهي عبد الله بن سعيد.
والحنفي اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، ثقة، لكنه في الحفظ دون معاذ بن معاذ بلا تردد.
فمن أتى بزيادة الواسطة فيه ثقة، بل أرجح في الثقة ممن لم يأت بها.
أيد رواية من أتى بها أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن سعيد من رواية غير عاصم. فقد رواه كذلك محمد بن فضيل، وهو ثقة (2)، وعبد الرحمن بن
(1) علل الأحاديث، لأبي الفضل بن عمار (ص: 118 _ 119).
(2)
أخرجه ابن أبي الدنيا في " المرض والكفارات "(رقم: 78) قال: حدثنا أحمد بن عمران بن عبد الملك، قال سألت محمد بن فُضيْل؟ فحدثني: حدثنا: عبْد الله بن سعيدٍ، عن جدِّه، عن أبي هريرة، به مرفوعاً نحوه.