الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا من أغمض ما يكون، إذ لا يتبينه إلا حاذق عارف، يقارن بين المتون والأسانيد فيقيس على المحفوظ المعروف.
ومثال ذلك من هؤلاء الكذابين (أبو جعفر عبد الله بن المسور الهاشمي)، فقد صح عن الثقة رقبة بن مصقلة العبدي قوله:" كان يضع أحاديث، كلام حق، وليست من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم "(1).
وثبت عن محمد بن سعيد الشامي المصلوب قوله: " إني لأسمع الكلمة الحسنة، فلا أرى بأساً أن أنشئ لها إسناداً "(2).
قلت: ووجود مثل هذا يبطل عبارة يدعيها بعض الناس في بعض أحاديث الضعفاء المتهمين والمجهولين: (هذه الكلمات حق، لا بد أن تكون خارجة من مشكاة النبوة)، كذلك يبطل قبول خبر المجهول الذي لا يعرف له على خبره متابع معتبر على ما روى؛ لجواز أن يكون على نفس صفة هذا الهالك، حتى يتبين أمره في الثقة والأمانة.
مسائل في الموضوع:
المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له)
.
كان يستعمل في عرف السلف في الحديث يروى بإسناد، لكنه خطأ أو باطل لا حقيقة له ولم يوجد أصلاً.
(1) أخرجه مسلم في " مقدمته "(1/ 22) وأبو أحمد الحاكم في " الكنى "(3/ 46) والخطيب في " تاريخه "(10/ 172) بإسناد صحيح.
(2)
أخرجه أبوزرعه الدمشقي في " تاريخه "(1/ 454) ومن طريقه: ابن حبان في " المجروحين "(2/ 248) وابن الجوزي في " الموضوعات "(رقم: 19) وابن عساكر في " تاريخه "(53/ 77)، وبنحوه أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفه والتاريخ "(1/ 700) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "(3/ 1 / 263) والبرذعي في " أسئلته لأبي زرعه "(2/ 726) وابن عدي (7/ 317) وابن عساكر، وإسناده جيد .......
وإذا حكموا بذلك على الحديث أرادوا: لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا حكموا على الإسناد أرادوا: لا أصل له عمن أضيف إليه في ذلك الطريق ممن لم يعرف من حديثه من الثقات، وجائز أن يكون له أصل محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذلك الوجه.
والعبارة تساوي: ما هو كذب في نفسه متناً أو سنداً، أو في كليهما، ولذلك كثيراً ما تقترن بلفظ (موضوع) أو (كذب).
وكثيراً ما يستعمل هذه العبارة أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والعقيلي وابن عدي وابن حبان، وغيرهم من السالفين في الخبر له إسناد، لكنه باطل أو كذب.
ومن أمثلته:
مثال ما ليس له أصل بإسناد معين، ومتنه محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه آخر:
سئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنيات "(1)؟
فقال أبو حاتم: " هذا حديث باطل، لا أصل له، إنما هو: مالك،
(1) أخرجه من هذا الوجه: أبو نعيم في " الحلية "(6/ 374 رقم: 8984) والخليلي في " الإرشاد "(1/ 233) والقضاعي في " مسند الشهاب "(رقم " 1173) من طرق عن نوح به.
كما أخرجه الدارقطني في " غرائب مالك "(كما في " تخريج أحاديث المختصر " لابن حجر 2/ 274) وابن حجر نفسه في الكتاب المذكور، من طريق إبراهيم بن محمد العتيق، عن ابن أبي رواد، به، كما ذكر ابن حجر (2/ 248) تخريج الحاكم له في " تاريخ نيسابور " من وجه ثالث عن ابن أبي رواد.
عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) " (2).
ومثال ما روي بإسناد، ولا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه:
ما رواه العلاء بن عمرو الحنفي، قال: حدثنا يحيى بن بريد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي "(3).
فهذا قال فيه العقيلي: " منكر، لا أصل له "(4).
وسبقه أبو حاتم الرازي فقال: " هذا حديث كذب "(5).
والمتأخرون استعملوا العبارة أيضاً فيما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المتون
(1) كذلك هو مخرج في " الصحيحين " من طريق مالك: أخرجه البخاري (رقم: 54، 4783) ومسلم (رقم: 1907)، وهو في " الموطأ " من رواية محمد بن الحسن (رقم: 983).
ورواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري خلق كثير، مخرجة رواياتهم في أكثر الأصول.
(2)
علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 362).
وقال الخليلي في " الإرشاد "(1/ 167): " عبد المجيد صالح، محدث ابن محدث .. لكنه يخطئ، ولم يخرج في الصحيح، وقد أخطأ في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري " فذكره بإسناده المعروف إلى عمر بن الخطاب، ثم قال:" وهذا أصل من أصول الدين، ومداره على يحيى بن سعيد، فقال عبد المجيد وأخطأ فيه: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم .. " فذكر هذا الإسناد، وقال:" غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه، فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة ".
(3)
أخرجه العقيلي في " الضعفاء "(3/ 348) والطبراني في " الكبير "(11/ 185 رقم: 11441) و " الأوسط "(6/ 271 رقم: 5579) وابن الأنباري في " الوقف والابتداء "(رقم: 19) والحاكم في " المستدرك "(4/ 87 رقم: 6999) و " معرفة علوم الحديث "(ص: 161 _ 162) والبيهقي في " الشعب "(2/ 159، 230 رقم: 1433، 1610) وأبو زكريا ابن مندة في " ذكر أبي القاسم الطبراني "(ص: 357 - 359) من طريق العلاء المذكور، به.
(4)
الضعفاء (3/ 349).
(5)
علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: 2641).
الموضوعة، ولا تروى عنه بإسناد، ولا ريب أنه استعمال صحيح أيضاً ليس بخارج عما استعمله فيه السلف، بل إطلاقه على هذه الصورة أولى.
وذلك كحكم ابن حجر العسقلاني وغيره على حديث: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " بقوله: لا أصل له " (1).
ويشبه هذه العبارة في المعنى قول الناقد في حديث ما: " ليس له إسناد "، فإنه حكم بكونه لا أصل له.
ومن ذلك ما حكاه أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وليس له إسناد "، قال أبو داود:" يعني حديث عبد الله بن جعفر المخرمي من ولد مسور بن مخرمة، عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يريد بقوله: ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة "(2).
المسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل، والترغيب والترهيب، والقصص، والتفسير، والفتن والملاحم، والسير والمغازي.
قال أحمد بن حنبل: " ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير "(3).
قال الخطيب: " وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أن المراد به كتب
(1) المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: 702) .......
(2)
مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: 300 _ 301).
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 362) والترمذي (رقم: 344) والطبراني في " الأوسط "(رقم: 794 _ 9136) من طرق عن المخرمي، به. وقال الترمذي:" حديث حسن صحيح "، كذا قال، وقول أحمد في تعليله أرجح، وفصلت القول فيه في كتاب " علل الحديث ".
(3)
أخرجه ابن عدي في " الكامل "(1/ 212) ومن طريقه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي "(رقم: 1493) وإسناده صحيح.
مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها " (1).
قال: " أما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية "(2).
قلت: ومن تأمل الكتب العتيقة المدونة في هذه الأبواب وجد الوهاء سمة مؤلفيها، ككتب محمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الضبي في السير والمغازي، وتفيسر الكلبي ومقاتل بن سليمان.
وإن كان المؤلف موصوفاً بالسلامة كمحمد بن إسحاق، كان تصنيفه كثير الغث قليل الصواب.
نعم، ربما يسهل في قبول بعض ما جمعه هذا الصنف، مما استفادوه من كلام العرب ولغتها، لا الرواية.
قال يحيى بن سعيد القطان: " تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث " ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجرير بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب يعنى الكلبي، وقال " هؤلاء لا يحمد حديثهم، ويكتب التفيسر عنهم "(3).
ويبين البيهقي وجه هذا الترخص فيقول: " وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط "(4).
(1) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 162).
(2)
الجامع لأخلاق الراوي (2/ 162 _ 163) .......
(3)
أخرجه البيهقي في " دلائل النبوة "(1/ 35 _ 37) والخطيب في " الجامع "(رقم: 1588) وإسناده صحيح.
(4)
دلائل النبوة (1/ 37).