الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن قبيل تدليس الإسناد:
ما كان يصنعه هشيم بن بشير، فقد قال أحمد بن حنبل:" كان هشيم يوماً يقول: (حدثنا)، و (أخبرنا)، ثم ذكر أنه لم يسمع، فقال: يا صباح، قل لهم: توسعون الطريق حتى يمر الصبي والمرأة، ثم قال: فلان عن يونس، و: فلان عن مغيرة "(1)
القسم الثاني: تدليس التسوية
.
وهو: أن يسقط الراوي ممن فوق شيخه في الإسناد، كراو مجروح أو مجهول، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك ويجوده (2).
وهو شر صور التدليس، وفرع عن (تدليس الإسناد).
سئل يحيى بن معين عن الرجل يلقي الرجل الضعيف من بين ثقتين، يوصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة، يحسن الحديث بذلك؟ فقال:" لا يفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا هو قد حسنه وثبته، ولكن يحدث به كما روي "(3).
وسمي هذا النوع من التدليس (تسوية)؛ لأن فاعله يسقط المجروح من
(1) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: 2152).
قلت: وهذه الصورة أطلق عليها ابنُ حجر من المتأخرين اسم (تدليس القَطع)، وهي نادرةٌ إنما عُرف مثالها من صنيع هُشيم، ولا تخرُج عن تدليس الإسناد، ولم أرَ ما يدعو للتوسُّع في التقسيم لتُعدَّ هذه بمنزلة النوع المستقل للتدليس.
كما أهملت من القِسمة ما سماه بعض المتأخرين (تدليس العَطف) ويذكرون مثاله من صنيع هُشيم في ذلك في حِكاية عنه أراد أن يختبر بها تلاميذه، أوردها الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: 105) بدون إسناد، ولا يوجد لها في الواقع صورةٌ حقيقةٌ مؤثرةٌ، والحكاية المذكورة عن هُشيم لو صحَّت فإنها لا تُخرج هذه الصورة عن (تدليس الإسناد).
(2)
الكفاية (ص: 518).
(3)
تاريخ عثمان الدارمي عن يحيى بن معين (النص: 952) ومن طريقه: ابن عدي (1/ 216) والخطيب في " الكفاية "(ص: 520).
الإسناد من بعد شيخه ليستوي حال رجاله في الثقة، وكان بعض المحدثين يسميه (تجويداً) لأن المدلس يبقي جيد رواته.
وكان جماعة من الرواة يعرفون بفعل ذلك، منهم:
سليمان بن مهران الأعمش، قال عثمان الدارمي: كان الأعمش ربما فعل ذلك " (1).
وكذلك جاء عن سفيان الثوري، فعن قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان يوماً حديثا ًترك فيه رجلاً، فقيل له: يا أبا عبد الله، فيه رجل؟ قال:" هذا أسهل الطريق "(2).
ومن أفعل الناس له: بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم.
قال أبو حاتم ابن حبان: " دخلت حمص وأكثر همي شأن بقية، فتتبعت حديثه وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه، فرأيته ثقة مأموناً، ولكنه كان مدلساً، سمع من عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة، ثم سمع عن أقوام كذابين ضعفاء متروكين عن عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك، مثل: المجاشع بن عمرو، والسري بن عبد الحميد، وعمر بن موسى الميثمي، وأشباههم، وأقوام لا يعرفون إلا بالكنى، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء، وكان يقول:(قال عبيد الله بن عمر عن نافع) و (قال مالك عن نافع كذا)، فحملوا عن بقية عن عبيد الله، وعن بقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهما، فالتزق الموضوع ببقية
(1) تاريخ عثمان الدارمي عن يحيى بن معين (النص: 952) ومن طريقه: ابنُ عدي (1/ 217) والخطيب في " الكفاية "(ص: 520).
وتعقب هذا منه الحافظ ابن حجر، فقال في مقدمة " لسان الميزان " (1/ 105):" ما علمت أحداً ذكرَ الأعمش بذلك ".
(2)
أخرجه الخطيب في " الكفاية "(ص: 518 _ 519) وإسناده صحيح .......
وتخلص الواضع من الواسط " ثم اعتذر له (1).
وقال الدارقطني: " الوليد بن مسلم يرسل في أحاديث الأوزاعي، عند الأوزاعي أحاديث عن شيوخ ضعفاء عن شيوخهم أدركهم الأوزاعي، مثل نافع والزهري وعطاء، فيسقط الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع والزهري وعطاء "(2).
وقال أبو زرعة الدمشقي: " كان صفوان بن صالح ومحمد بن المصفى يسويان الحديث "(3).
قلت: لم يذكر أحد من الرجلين بتدليس التسوية إلا في هذا النص، وعليه بنى من ذكرهما في المدلسين، فهل تسلم دلالة هذا اللفظ على المعنى الاصطلاحي لهذا التدليس؟ في هذا تردد؛ لاحتمال إرادة غير معنى التدليس، والله أعلم.
مثال الحديث يعل بتدليس التسوية:
قال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي روى عن هشام بن خالد الأزرق، قال " حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصيب بمصيبة من سقم أو ذهاب مال فاحتسب ولم يشك إلى الناس؛ كان حقا على الله أن يغفر له " قال أبي: هذا حديث موضوع لا أصل له، وكان بقية يدلس، فظنوا هؤلاء أنه يقول في كل حديث:(حدثنا) ولا يفتقدون الخبر منه (4).
يعني يغرهم قوله: (حدثنا فلان)، وهو لا يسقط لهم واسطة بينه وبين شيخه، إنما يسقط من المجروحين من بعد شيخه.
(1) المجروحين (1/ 200).
(2)
سؤالات السلمي للدارقطني (النص: 359).
(3)
أخرجه ابن حبان في " المجروحين "(1/ 94) بإسناد صحيح .......
(4)
علل الحديث، لابن أبي حاتم (2/ 126)، وانظرْه كذلك (2/ 178، 295).