الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث:
تقوية الحديث بتعدد الطرق
تقدم في (الحديث الحسن) ذكر (الحسن لغيره)، وأنه الحديث الضعيف الذي لم يبلغ ضعفه السقوط لاتهام راويه بالكذب أو غلبة الخطأ، ينجبر بممجيئه من وجه آخر يعتبر به.
وبينت في المبحث السابق ما يعتبر به وما لا يعتبر به من الحديث، والذي هو مقدمة ضرورية لفهم هذا المبحث.
ومحل الحديث منه هنا مقصور على المنهاج الذي يصح به تقوية حديث ضعيف يعتبر به في الأصل لخفة ضعفه، بغيره، إذ أسقطنا فيما تقدم ما لا يعتبر به.
وبيان هذا الأصل أن نقول:
اعلم أن تقوية الحديث الضعيف الصالح بغيره يشترط لها في الجابر أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون حديثاً له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه
.
أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثاً مرفوعاً، وجب في جابره
أن يكون مرفوعاً، صراحة أو حكماً؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل.
ويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث.
ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم.
وهذا يكون صحيحاً أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً.
وليس اشتمال الحديث على الحق، مما يجيز بمجرده نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا أسقطنا الاعتداد بقوانين هذا العلم، ولقال من شاء ما شاء.
ومن مثال هذا: تقوية ما رواه دراج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 18] "(1).
فهذا معناه في كتاب الله صحيح، لكن الحديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد ضعيف، دراج ضعيف الحديث عن أبي الهيثم، وقد جاء بالأمر بالشهادة بالإيمان لمرتاد المسجد، وهو مما لا شاهد له من القرآن.
(1) أخرجه الترمذي (رقم: 2617، 3092) وغيره.
ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة.
الحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل.
فإن قلت: وجدنا في كلام الشافعي ما نعتبر فيه تقوية المرسل بالمنقول عن الصحابة (1).
قلت: ليس لهذا مثال يقول فيه الشافعي بتصحيح نسبة حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم علته الإرسال، بقول صحابي أو فعله، وإنما وجد في كلامه تعضيد الحكم المستفاد من المرسل، بجريان عمل بعض الصحابة به، كما وقع منه في بعض مراسيل سعيد بن المسيب.
وثبوت الحكم بهذا الطريق غير ثبوت نسبة الحديث.
وجاء عن أحمد بن حنبل في هذا ما قد يتعلق به، وذلك ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة عن جابر في الشفعة، قلت له، ما تقول فيه؟ قال:" منكر "، ورأيته ينكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: " هو ثبت "، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: " رواه صالح بن أبي الأخضر " يعني مثل رواية معمر، قلت: صالح يحتج به؟ قال: " يستدل به، يعتبر به "(2).
قلت: فظاهر هذا أن أحمد قوى المرفوع بالموقوف، وليس كذلك وإنما أطلق لفظ (الموقوف) هنا على المرسل، وذلك أن الحديث رواه معمر بن راشد وصالح بن أبي الأخضر وغيرهما، عن ابن شهاب الزهري
(1) وسيأتي ذِكر نصِّه فيه .......
(2)
تاريخ أبي زُرعة (1/ 463 _ 464).
عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
ورواه مالك في " الموطأ "(1) فقال: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة، الحديث معناه.
وهذا مرسل، وليس بموقوف.
ورجح أحمد والبخاري (2) وغيرهما وصله، وهو الصواب، إذ معمر من حفاظ أصحاب الزهري، وزاده رجحاناً في حفظ الوصل متابعة من تابعه ممن يعتبر به (3).
ثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به.
يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية.
أما عد ذلك العمل منهم دليلاً على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.
(1) هوَ في رواية يحيى الليثي (رقم: 2079).
(2)
فقد أخرجه في " صحيحه "(رقم: 2099، 2100، 2101، 2138، 2363، 2364، 6575) من طُرقٍ عن معمرٍ، به.
(3)
بل اختلف الرُّواة على مالك فيه، فأرسله عنه أكثر رُواة " الموطَّأ "، ورواه بَعض أصْحابه عنه موصولاً.
قال ابن حبان في " صحيحه "(11/ 591 _ 592) بعْد أن أخرجه من طريق عبْد الملك بن عبد العزيز الماجشون، عن مالك موصولاً:" رفع هذا الخبر عن مالك أربع أربعة أنفس: الماجشون، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قُتيْلة، وأشْهَب بن عبد العزيز، وأرْسله عن مالكٍ سائر أصْحابه، وهذا كانت عادةً لمالك، يرْفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مِراراً، ويُرسلها مرَّة، ويُسندها أخرى، على حسَب نشاطه، فالحكم أبداً لمن رفَع عنه وأسْند، بعدَ أن يكون ثقةً حافظاً مُتقناً " .......
على أنه لا يوجد لهذا مثال صالح، أن حديثاً ضعيفاً تقوى بالعمل، وإنما يوجد العمل بما هو ضعيف، وله أمثلة كثيرة.
كالذي روي عن سعيد بن عبد الله الأودي، قال:
شهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانه، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانه، فإن يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما "، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال:" فينسبه إلى حواء: يا فلان بن حواء "(1).
ذكره ابن القيم، وقال:" فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار، كاف في العمل به "(2).
قلت: فجعل العمل به مع ضعفه عنده سائغاً، من أجل ما جرت به العادة، وكان ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه استحسن تلقين الميت في قبره واحتج عليه بالعمل، ولم يذكر عن أحمد غير ذلك.
(1) أخرجه الطبراني في " الكبير "(8/ 298 _ 299 رقم: 7979) وابنُ عساكر في " تاريخه "(24/ 73) من طريقين عن إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد، به، في رواية ابن عساكر: سعيد الأزدي.
قلت: وإسناده واهٍ، والتبعة فيه على القرشي هذا، فهو مجهولٌ منكر الحديث.
(2)
الروح، لابن القيم الجوزية (ص: 17).
وابن القيم قد طعن على هذا الحديث ورده في غير هذا الموضع من كتبه (1)، وليس هو من قسم الحديث الصالح للاعتبار أصلاً، بل هو منكر باطل.
ومحاكمة هذا الاستعمال للحديث الضعيف، تتصل بأصل (منع الاحتجاج بالحديث الضعيف) وسيأتي بيانه.
رابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به.
وهذا أضعف مما تقدم، فإن الواقع أن الاستدلال بالحديث الضعيف، بل بما هو شديد الضعف أحياناً كثيرة، هو مما وقع لكثير من المجتهدين، خصوصاً من برز في الفقه منهم دون الحديث.
ومنهم، وفيهم العارفون بالحديث، من يستدل بالحديث الضعيف في الباب لا يوجد فيه ما هو ثابت، كما لا يوجد لدلالة ذلك الضعيف معارض، كاستدلالهم بالمرسل وحديث المستور والمجهول وسيء الحفظ، وإن تحققت هذا منهم وجدتهم يصيرون إليه لاحتمال الثبوت لا لترجيحه، تقديماً له على محض النظر، كالذي بينت وجهه عنهم في (المرسل).
على أنك يجب أن تذكر أن لقب (الضعيف) كان في كلام بعض السلف، كأحمد بن حنبل، ربما أطلق على (الحديث الحسن)، كما بينته في محله.
خامستها: تقوية الحديث عن طريق الكشف.
وهذا يذكر عن بعض متأخري الصوفية، كما زعمه الشعراني في
(1) قال في " زاد المعاد "(1/ 503 _ 504)" ولم يكُن يجلس (يعني النبي صلى الله عليه وسلم على القبر، ولا يُلقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم، وأمَّا الحديث الذي .. " وساقه، ثم قال:" فهذا حديث لا يصحُّ رفعه "، وقال في " تهذيب السنن " (7/ 250):" مُتفق على ضعفه، فلا تقوم به حُجةٌ "، فتقوية بعض العلماء له لا تَجري على الأصول .......
حديث " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، حيث حكم بصحته عند أهل الكشف، مع إقراره بعدم ثبوته عند المحدثين (1).
وليس هذا بطريق من طرق العلم، فالكشف هذا إن كان من صالح صاحب سنة فغايته أن يكون فتحاً في الفهم وتوفيقاً وتسديداً فيه، والفهم رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ومن دليل خطئه مخالفة الدليل، فإذا قام الدليل على علة الحديث، فكيف يرد بظن مجرد؟
ولو ساغ اتباع هذا الطريق في أي أمر من العلم لفسدت الأصول، بل لاستغني به عن النقول.
ومن بابه تصحيح النبي صلى الله عليه وسلم للحديث في النوم، وهذا وإن كان مثاله نادراً، لكنه وقع لبعضهم، وقد يكون المنام حقا، والرائي صالحاً صادقاً، لكن المنامات لا تجري على الظواهر، إنما تقبل التأويل لو كانت حقا، كما أنها لا تكون طرقاً للمعارف، وإن كانت ربما دلت على الشيء منها لشخص الرائي.
سادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع.
وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، كمن نظر إلى أحاديث الفتن وتغير الزمان، وما يطرأ من الحوادث، فوجد لها ذكراً في بعض الأحاديث التي لا يثبت نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل وقوع الشيء مما ورد ذكره في الحديث الضعيف دليلاً على صحة ذلك الحديث، وصدوره من (مشكاة النبوة) كما يعبر به بعضهم.
كما قال التويجري في صدر كتاهبه الذي جمعه في الفتن: " بعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في
(1) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للألباني (1/ 145) .......