الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: فهذا عيب للشيخين في بعض من خرجا لهم، لكن قولهما في ذلك أقوى عند نقاد الحديث، بل مع نقد النسائي والدارقطني للبخاري في بعض من أخرج لهم، وأبي زرعة لمسلم في بعض من أخرج لهم، لم يقع منه شيء على سبيل الطعن عليهما، إنما النقد للبخاري في تركه تخريج الثقة الأولى عند من انتقده، على أن البخاري لم يحتج إلا بما لا ينازع في كونه محفوظاً من الحديث، وإن كان خلاف الأولى عند غيره، ونقد أبي زرعة لمسلم فيه تشديد الشيخ على التلميذ حملاً له على مزيد التحري، وتحذيراً من فتح الطريق لأهل الأهواء.
قال الحازمي: " أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم، مع أنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم، ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه "(1).
قلت: يريد الحازمي أن البخاري لم يخرج لمن يرى تسليم القول بضعفه، وإن خالفه فيه غيره، إذا الاختلاف في جرح الرواة وتعديلهم موجد، لكن ليس كل جرح معتبراً.
ويجب أن تلاحظ في
طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة
ما يلي:
أولاً: أنهما انتقيا من حديثه ما كان محفوظاً معروفاً، مثلُ: إسماعيل بن أبي أويْسٍ المديني.
ثانياً: غالب ما خرجاه من حديث هذا الصنف فهو في المتابعات، لا في الأصول.
(1) شروط الأئمة الخمسة (ص: 172 _ 173) .......
وربما حسب بعض الناس أن المراد ب (المتابعات) هنا أن يأتي الإسناد من طريق المتكلم فيه بعد إسناد الثقة غير المتكلم فيه، وليس ذلك شرطاً، فالتقديم والتأخير هنا لا أثر له، ما دام تخريج صاحب " الصحيح " لذلك الراوي المتكلم فيه لم يكن بما تفرد به.
ثالثاً: أن الصنف من الرواة أقل عنه صاحبا " الصحيح ".
رابعاً: أنهما إذا اعتمداه فخرجا عنه من محفوظ حديثه، فلا يعتمدانه في الأحكام، إنما ذلك في الرقائق وشبهها، مثل فليح بن سليمان.
ومن هنا يتبين خطأ الحاكم في كثير مما استدركه على الشيخين، وأطلق القول أنه (على شرطهما) أو (شرط أحدهما) على ما سيأتي نقده فيه.
وأما النقد ل " الصحيحين " بتعليل بعض أئمة الحديث لبعض الروايات بالعلل الخفية، كما صنع الدارقطني في كتاب " التتبع "، فأكثره على قلته يعود إلى معنى الصناعة الحديثية، لا إلى رد الحديث، على أن مذهب الشيخين فيه أقوى وأرجح.
وفي الجملة: ف " صحيح البخاري " أقوى وأرجح من " صحيح مسلم "، وذلك يعود إلى قوة شرط الاتصال عنده وزيادة تحريه في الرجال، وندرة الحديث المعلل في " كتابه ".
قال النسائي: " ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري "(1).
قال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: " ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث "(2).
(1) أخرجه الخطيب في " تاريخه "(2/ 9) وإسناده صحيح.
(2)
أخرجه الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي "(رقم: 1563) وإسناده صحيح .......
قال ابن تيمية مقارناً بين (الصحيحن): " ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله، مع فقهه فيه ".
قال: " جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه، يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه "(1)، وضرب أمثلة لما انتقد على مسلم وكان النقد صواباً.
وقد امتدح للبخاري جمعه الأبواب وتوزيعه الأحاديث عليها، ولمسلم حسن سياقته للأحاديث مجموعة الطرق والألفاظ في موضع واحد.
وبيان شرط الشيخين يأتي في (المبحث السابع).
* * *
(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: 171).