الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث:
تحديد إطار النقد الخفيِّ
تقدم أن الحديث يخضع في بحث الناقد إلى إدخاله في مخبرةٍ؛ ليستكشف ما يمكن أن يكون مانعاً من القول بثبوته، وذلك يجعل الناقد يستعرض جميع ما يقف عليه مما يمكن أن يكون له تأثير ولو احتمالاً، وفيه ما تأثيره ظاهر، وفيه ما تأثيره خفي، وفيه ما يورد الشبهة.
ولكوْن هذا العلم من علوم الحديث كان النقاد يتكلمون فيه دون مصطلحات مستقرة، فقد دخل بعض صوره في بعض، كما دخل فيه ما ليس منه.
وتوضيح ذلك بحصر أنواع التعليل الواقع في كلامهم في صور أربع، أذكرها مبيناً ما ينبغي إدراجه تحت هذا العلم، وما يخرج عنه، إما لكونه غير مرادٍ أصلا أن يدخل في هذا الباب، بل ذكره فيه خطأٌ، وإما لكونه اندرج بعد الاصطلاح تحت باب آخر:
الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب
.
وله مثالان:
الأول: الحديث المنسوخ.
تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدرة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم
الرازي (1) والترمذي
…
(2).
وليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعاً صحيحا النسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث لقادح خفي.
والثاني: مُشكل الحديث.
وذلك في الحديث يشكل معناه، أو الحديثين يتعارضان ظاهراً، فهذا طريق لعلك لا تجد في أهل الحديث المتقدمين من أعلَّ حديثاً بمقتضاه، وإنما وقع في أزمانهم من بعض أهل البدع طعناً منهم في السنن الصحيحة بما استشكلوه من ظاهرها، أو جاءت على النقض لبدعهم، ولو ردوه إلى أهل العلم بالسنن لعلمه الذين يستنبطونه.
وقد اصطفى الله تعالى رجالاً من أهل الذكر، فذَبُّوا عن السنن بدفع الإشكال بأحسن البيان، كالشافعي في " مختلف الحديث "، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار " وهو أجمع كتاب في بابه وأجله، وابن قتيبة الأديب البارع في " تأويل مختلف الحديث "، وغيرهم.
والمقصود: أنَّ ما استشكل الإنسان معناه، أو ظنه معارضاً لأصل، فإنه لا يجوز له رده حتى يستيقن فساده، ويجد في نقلته من يحمل تبعته، كما كان يصنع نقاد أهل الحديث، فإنهم ردوا أحاديث بمخالفة الأصول،
(1) مثاله: إيراد حديث: " الماء من الماء " في علل الحديث " لابنِهِ (رقم: 114).
(2)
فقد قال في كتاب (العلل) في آخر كتاب " الجامع "(6/ 227) بعد أن ذكر حديثَ ابن عباس في الجمع بينَ الصَّلاتين في الحضر، وحديثَ قتْل شارب الخمر في الرابعة بعد جلده ثلاثاً:" وقد بيَّنَّا علَّة الحديثين جميعاً في الكتاب "، وكان قد أخرج الأول في " الجامع " (رقم: 187)، والثاني (رقم: 1444)، ولم يذكر لهما علة تقدح في صحتهما عنده، وإنما عنَى ترك العمل بهما فيما بدا له، كما ذكر ذلك أول كتاب (العلل)، وذكر بعدَ حديث شارب الخمر دعوة النَّسْخ، فتأمل كيف أطلق على ذلك اسم العلَّة !