الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامساً: الإدراج
.
ويقع في الإسناد والمتن.
ولوقوعه في روايات الثقات صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يكون وهماً من الثقة، وهو أن يدخل حديثاً في حديث، كأن يسوق إسناداً، ثم يدخل عليه متناً مروياً بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث)، وسيأتي مثاله في (التعليل بالغلط).
الصورة الثانية: أن يقع الحديث للراوي بإسنادين أو أكثر، ربما اختلفت وصلاً وإرسالاً، أو تفاوتت فيما بينها في المتن زيادة ونقصاً، فيحمل رواية بعضهم على بعض، ولا يبين حديث هذا من حديث هذا.
وادعي أنه ربما فعله سفيان بن عيينة، ولم أقف له على مثال، وعيب على محمد بن إسحاق (1).
ومثله قادح في الحديث، تعل به الرواية.
وكان الزهري يجمع بين الروايات المسندة من روايات الثقات من شيوخه، ويحمل ألفاظ بعضهم على بعض.
كما قال في سياقه لقصة حديث الإفك: " أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصاً (2)، وقد وعيت عن كل واحد منهم
(1) انظر ما سأذكره في مبحث (الحديث المدرج) في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.
(2)
أي سياقاً للقصة.
الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، ذكروا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت " الحديث (1).
قال القاضي عياض: " هو مما انتقد قديماً على الزهري؛ لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم بجهته، ولا درك (2) على الزهري في شيء منه؛ لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هي أحد هؤلاء الأربعة الأقطاب عن عائشة "(3).
وحين حدث محمد بن إسحاق بهذا الحديث عن الزهري، ذكر عنه هذا التلفيق وزاد، فقال عن الزهري:" كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم "، قال محمد بن إسحاق:" وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعاً، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع "(4).
قلت: فمثل هذا لا يعل بمثل هذا التصرف؛ لكونه متصلاً، ويعود في جملته إلى رواية الثقات، وإن كان خلاف الأولى.
وإنما يكون قادحاً معللاً لو كان بعض تلك الطرق مرسلة أو ضعيفة.
وذلك كالإدراج الذي وقع من الزهري في روايته عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة:
(1) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: 2518، 3910، 4473) ومسلم (رقم: 2770).
(2)
أي لا تَبعةَ، أو مؤاخذة.
(3)
إكمال المُعلم، للقاضي عياض اليَحصُبي (8/ 286).
(4)
السيرة النبوية، لابن هشام، عن ابن إسحاق (3/ 309 _ 310).
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:" هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ "، فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ".
فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: فهذه الجملة (فانتهى الناس. . ) إلى آخره، مما أدرجه الزهري في الحديث في قول عامة متقدمي النقاد ممن تعرض للقول في هذا الحديث، كالبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأبي داود السجستاني والبيهقي والخطيب، وغيرهم، وبينوا وجه ذلك وحجته بما يطول المقام بتفصيله (1).
وهي عبارة لا يقولها الزهري إلا بتوقيف؛ لأنها خبر، فلا بد أن يكون تلقاها بواسطة بينه وبين زمان النبوة، وليست تلك الواسطة في الراجح: ابن أُكيمة عن أبي هريرة، إذ لا تساعد الروايات على تصحيح ذلك، فهي إذاً رواية مرسلة.
فيكون الزهري قد أدرج بعض ما هو مرسل فيما هو موصول.
وهذا لا يدعى في شيء من الحديث حتى تقوم الحجة عليه، كما تراه وقع في هذا الحديث، أو تقوى الشبهة فيه.
الصورة الثالثة: أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث.
وإدراج الزيادة من هذا يبين عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به.
وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.
(1) شرحته في كتاب " علل الحديث ".
مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن خالد، عن رباح بن زيد فذكر بإسناده حديثاً (1).
فعبارة (يعني ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله:" يعني "، ولو لم تأت هذه
القرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد)، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه.
ومما لايبين لظهوره مثلا، ما تراه في كتاب يعقوب بن سفيان، حيث يسوق إسناده إلى راو، لا يريد ذكر روايته، وإنما ينتهي إليه ليبين درجته في الحديث.
كقوله مثلا: " حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن صلة بن أشيم، تابعي كوفي ثقة "(2).
فعبارة (تابعي كوفي ثقة) ليست من كلام سفيان الراوي عن صلة وهو الثوري، ولا مدرجة من كلام أبي نعيم الفضل بن دُكيِّن، إنما هي من إنشاء الحافظ يعقوب بن سفيان، يستعمل ذلك كثيراً في كتابه هذا ومثله بين للمعتني بهذا العلم.
فإن قلت: فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلا: (حدثنا حماد)، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة:(حدثنا حماد بن زيد)، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟
قلت: بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدث بها عن ذلك الشيخ المهمل، ولا يدعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها.
(1) سنن أبي داود (رقم: 1324).
(2)
المعرفة والتاريخ (3/ 90).