الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقاء المسكين على مسكنته مع تملكه، إذا لم يقم ما يملك كفايته
.
قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف 79].
• قال السمعاني رحمه الله: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته ".
(1)
الدراسة:
لما قرر سبحانه بأن هذه السفينة كانت للمساكين الذين كانوا يتكسبون بها، استنبط السمعاني بأن المسكين لا ترفع مسكنته بكونه مالكا لآلة، أوغيرها مالم يكن عنده ما يكفيه ويسد حاجته، ووجه استنباطه أن الله وصفهم بالمساكين مع كونهم مالكين لهذه السفينة التي تساوي جملة من المال.
وقد كان استنباط السمعاني لكونه جعل اللام المضافة للمساكين لام ملكية، بمعنى أن السفينة ملكٌ لهؤلاء المساكين.
الموافقون:
وافق السمعاني على استنباطه هذا بعض المفسرين، قال الخازن: " وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه
(1)
تفسير السمعاني (3/ 270).
بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة ".
(1)
وممن وافق السمعاني على ذلك أيضا: الشافعي في أحد قوليه
(2)
، والثعلبي، والسجستاني، والبغوي، والبقاعي، والسيوطي، والشربيني، والألوسي.
(3)
المخالفون:
خالف السمعاني في استنباطه هذا جمع من الفقهاء والمفسرين، وقالوا بأنه ليس هناك دلالة تدل على أن المساكين هؤلاء ملاكا لهذه سفينة، وأن اللام المضافة للمساكين إنما هي لام تخصيص وتصرف، بمعنى أن السفينة لم تكن لهم إلا سوى عارية أو أجراء يعملون عليها للتكسب بها للحصول على الرزق يشهد بذلك ما قد أثر عنهم
(4)
.
قال الجصاص: " وقد روي أنهم كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما نسبها إليهم بالتصرف والكون فيها
…
كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ساكنا فيه غير مالك له، وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك ".
(5)
وممن قال بذلك من الفقهاء والمفسرين: ابن العربي، وأبو حيان، وابن عاشور، والشوكاني، والشهاب الخفاجي.
(6)
(1)
لباب التأويل (3/ 173).
(2)
انظر: مفاتيح الغيب (21/ 490)، وفتح القدير (4/ 414).
(3)
انظر: الكشف والبيان (6/ 186)، وغريب القرآن للسجستاني (1/ 455)، ومعالم التنزيل (4/ 62)، ونظم الدرر (4/ 396)، والإكليل للسيوطي ص 171، والسراج المنير (2/ 312)، وروح المعاني (16/ 22).
(4)
انظر: الجامع لأحكام القرآن (11/ 34)، فتح القدير (4/ 414)، روح البيان (5/ 218).
(5)
أحكام القرآن للجصاص (4/ 323).
(6)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي (5/ 335)، والجامع لأحكام القرآن (8/ 169)، والبحر المحيط (6/ 113)، والتحرير والتنوير (15/ 117)، وفتح القدير (4/ 414)، وروح المعاني (8/ 332)، وحاشية الشهاب الخفاجي (6/ 126)، وروح البيان (5/ 218).
النتيجة:
بعد النظر في أدلة الفريقين، واستشهاداتهم فإنه لا يستطيع أحد الجزم والقطع بصحة قول وإبطال القول آخر، لكنه في حقيقة الأمر يمكن تقريب الصواب حول ما ذكره السمعاني والموافقون له، لما يستشهد فيه بأن النبي صلى الله عليه، بين بأن المسكين ليس الذي يسأل الناس فحسب، وإنما هو الذي لا يجد ما يغنيه، فقال عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:«ليس المسكين الطوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن إليه فيُتصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً»
(1)
، والله أعلم.
وقد ذكر بعض المفسرين وجها آخر في الاستنباط بأن ذكر لفظ المساكين في هذه الآية إضافة لما تقدم فإنه أيضا يقتضي الرقة عليهم والرأفة بهم ومدى الاستعفاف عندهم.
(2)
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يُفطن إليه فيتصدق عليه، حديث 2440، (6/ 398).
(2)
انظر: الكشف والبيان (5/ 58) روح المعاني (10/ 121)، وتفسير السعدي ص 482.