الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية
.
فإنه بالرغم من كون الإمام السمعاني من علماء الأصول، وله في هذا الفن كتابه المشهور:" قواطع الأدلة في أصول الفقه " والذي يقع في خمسة مجلدات مع التحقيق، وقد وصفه الإمام السبكي
(1)
بقوله: " ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع ".
(2)
كما وصف هذا الكتاب حفيده أبو سعد السمعاني بأنه يغني عما ألف في هذا الفن
(3)
، غير أن تقرير أبي المظفر عند استنباطه للمسائل الأصولية تجده قليلا في تفسيره، وغالب حديثه عن الأصول إنما هو إشارات في عبارات موجزة عند بعض الآيات، بأن هذه الآية تدل على مسألة كذا، أو أن هذه لا دليل فيها على من استدل بها في تلك المسألة.
وربما تعرض لشرح بعض المسائل الأصولية بشكل أطول، لكن هذا قليل جدا في تفسيره.
وعند التأمل في مكانة السمعاني الجيدة في علم الأصول، مع قلة حديثه عن الأصول في تفسيره، يتبين بوضوح أن هذا الإمام يسير في تفسيره وفق منهج مدروس، اختاره عن قناعة ودراية لا عن ضعف وعجز، وذلك أن يقتصر في التفسير على ما يتعلق بالآيات تعلقا مباشرا، وأن لا يكون التفسير مسرحا لاستعراض القدرات العلمية، وملء صفحاته بما يجيد مؤلفه من الفنون سواء
(1)
هو تاج الدين عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها، قال عنه ابن كثير: جرى عليه من المحسن والشدائد ما لم يجر على غيره، من تصانيفه: طبقات الشافعية الكبرى، ومعيد النعم ومبيد النقم، وجمع الجوامع، توفي سنة 771 هـ.
(2)
طبقات السبكي (5/ 343).
(3)
انظر: الأنساب (7/ 139).
أكان ذلك مما له علاقة بالتفسير أم لا، وقد كانت إشاراته عابرة وينسب في بعضها إلى من سبقه من أهل الأصول، وذلك من حسن أدبه، وأمانته العلمية.
ومن الأمثلة على ذلك:
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة 286].
قال السمعاني رحمه الله: " في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد ما لا يطيقونه".
(1)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء 115].
قال السمعاني رحمه الله: " واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة ".
(2)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة 122].
قال السمعاني رحمه الله: " واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد ".
(3)
(1)
انظر: تفسير السمعاني (1/ 289)، والاستنباط رقم (27).
(2)
انظر: تفسير السمعاني (1/ 479)، والاستنباط رقم (37).
(3)
انظر: تفسير السمعاني (2/ 360)، والاستنباط رقم (60).
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف 23].
قال السمعاني رحمه الله: " وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة ".
(1)
- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر 2].
قال السمعاني رحمه الله: " وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار، إذ هو تعبير شيء بمثله، بمعنى جامع بينهما، ليتفقا في حكم الشرع".
(2)
(1)
انظر: تفسير السمعاني (5/ 98)، والاستنباط رقم (103).
(2)
انظر: تفسير السمعاني (5/ 397)، والاستنباط رقم (108).