الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُعَارِضُهُ حَديثٌ صَحِيحٌ وَلَا يَعْلَمُ لِقِلَّةِ اِلْتِفَاتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّقْلِ. وَإِنَّمَا الْفِقْهُ اِسْتِخْرَاجٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَيْفَ يَسْتَخْرِجُ مِنْ شَيْءٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَمِنَ الْقَبِيحِ تَعْلِيقُ حُكْمٍ عَلَى حَديثٍ لَا يَدْرِي أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ لَا. وَمِنْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنَّ جُلَّ اِعْتِمادِهِمْ عَلَى تَحْصِيلِ عَلْمِ الْجَدَلِ وَيَطْلُبُونَ بِزَعْمِهِمْ تَصْحِيحَ الدَّليلِ عَلَى الْحُكْمِ وَالاِسْتِنْبَاطِ لِدَقائِقِ الشَّرْعِ وَعِلَلِ الْمَذَاهِبِ، وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْهُمْ لَتَشَاغَلُوا بِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ وَإِنَّمَا يَتَشَاغَلُونَ بِالْمَسَائِلِ الْكِبَارِ لِيَتَّسِعَ فِيهَا الْكَلَامُ فَيَتَقَدَّمُ الْمُنَاظِرُ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ فِي خِصَامِ النَّظَرِ، فَهَمَّ أَحَدُهُمْ بِتَرْتِيبِ الْمُجَادَلَةِ وَالتَّفْتِيشِ عَلَى الْمُنَاقَضَاتِ طَلَبًا لِلْمُفَاخَرَاتِ وَالْمُبَاهَاةِ وَرُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْ الْحُكْمَ فِي مَسْأَلَةٍ صَغِيرَةٍ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى. وَمِنْ ذَلِكَ إِيثَارُهُمُ لِلْقِيَاسِ عَلَى الْحَديثِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ فِي المَسْأَلَةِ لِيَتَّسِعَ لَهُمْ الْمَجَالُ فِي النَّظَرِ وَإِنْ اِسْتَدَلَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحَدِيثِ هَجَنَ. وَمِنَ الأَدَبِ تَقْدِيمُ الاِسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا النَّظَرِ جُلَّ اِشْتِغَالِهِمْ وَلَمْ يَمْزِجُوهُ بِمَا يُرَقِّقُ الْقُلُوبَ مِنْ قِرَاءةِ الْقُرْآنِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ وَسِيرَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَخْشَعُ بِتِكْرَارِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التِّذْكَارِ وَالْمَوَاعِظِ لِتَنْهَضَ لِطَلَبِ الآخِرَةِ» (1).
مِنْ نَتَائِجِ صِرَاعِ المُحَدِّثِينَ مَعَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ:
هذه هي أهم مظاهر النزاع بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَخُصُومِهِمْ من المُتَكَلِّمِينَ والفقهاء، وقد أسفرت هذه الخصومة عن نتائج، كان أهمها ما يلي:
(1)" تلبيس إبليس ": ص 115، 116.
أولاً: كان اتهام المحدثين بقلة الفقه وكثرة التصحيف والاشتغال بما لا يفيد من جمع الغرائب والشواذ وغير ذلك، سببًا في أن يتنبه المحدثون للدخلاء عليهم من الطلبة السطحيين، فحذروا منهم وحاولوا تأديبهم وتثقيفهم، لِيَسُدُّوا الثغرة التي يؤتون منها. وكان هؤلاء الطلبة قد زاد عددهم زيادة ملحوظة منذ القرن الثاني: يقول أنس بن سيرين، مُبَيِّنًا ضخامة عددهم، ومُشيرًا إلى قلة الفقهاء منهم:«أَتَيْتُ الكُوفَةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلافٍ يَطْلُبُونَ الحَدِيثَ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ قَدْ فَقِهُوا» (1).
هذا العدد الكبير في الكوفة، ومثلها غيرها من الأمصار قد اتخذ الحديث صناعة يرويه ويتفاخر أفراده بكثرة الشيوخ، ويتنافس بكثرة الطرق ويتكسب به، دون عناية بحسن الفهم أو صالح العمل، هذا الصنف من الطلبة هو الذي أساء إلى الحديث وإلى المحدثين، فكان من الطبيعي أن يتنبه إليهم المحدثون، وأن يكون إعلان الحرب عليهم أول وسائل الدفاع عن أنفسهم وبخاصة أنه كان لهذا الصنف من الطلبة سلف منذ عصر الصحابة، فقد نَظَرَ «[عُبَيْدُ اللَّهِ] بْنُ عُمَرَ إِلَى أَصْحَابِ الحَدِيثِ وَزِحَامِهِمْ، فَقَالَ: " شِنْتُمُ الْعِلْمَ وَذَهَبْتُمْ بِنُورِهِ. وَلَوْ أَدْرَكْنَا وَإِيَّاكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَنَا ضَرْبًا "» (2)، ونتج عن الحملة عليهم ومحاولة إصلاحهم التأليف في علوم الحديث.
فابن قتيبة مع حسن بلائه في الدفاع عن أهل الحديث لا يسعه إلا أن يهاجم هذه الفئة بقوله: «عَلَى أَنَّا لَا نُخَلِّي أَكْثَرَهُمْ مِنَ الْعَذْلِ فِي كُتُبِنَا، فِي تَرْكِهِمُ الاشْتِغَالَ بِعِلْمِ مَا قَدْ كَتَبُوا، وَالتَّفَقُّهَ بِمَا جَمَعُوا، وَتَهَافُتِهِمْ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ، أوعشرين وَجْهًا.
وَقَدْ كَانَ فِي الْوَجْهِ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ، [وَالْوَجْهَيْنِ] مَقْنَعٌ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ عز وجل بِعِلْمِهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ أَعْمَارُهُمْ، وَلَمْ يَحِلُّوا مِنْ ذَلِكَ إِلا بِأَسْفَارٍ أَتْعَبَتِ الطَّالِب، وَلم
(1)" المحدث الفاصل ": ص 372.
(2)
" شرف أصحاب الحديث ": ورقة أ، ب.
تَنْفَع الْوَارِث. فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُضَيِّعٌ لِحَظِّهِ، مُقْبِلٌ عَلَى مَا كَانَ غَيْرُهُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهُ» (1).
ويؤلِّف الرامهرمزي كتابه في علوم الحديث " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ويشير العنوان إلى الفرق بين الراوي المجرد ومن يجمع إلى الرواية الوعي والدراية، ويؤكد الرامهرمزي هذا الفرق عِنْدَمَا بَيَّنَ أن الراوي المجرد قد يسيء إلى أهل الحديث، قال القاضي: «وَلَيْسَ لِلْرَاوِي الْمُجَرَّدِ أَنْ يَتَعَرَّفَ لَمَّا لَا يَكْمُلُ لَهُ، فَإِنَّ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ أَوْلَى بِهِ وَأَعْذَرُ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ ذِي عِلْمٍ وَكَانَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السِّيرْجَانِيُّ، قَدْ أَكْثَرَ مِنَ السَّمَاعِ وَأَغْفَلَ الاسْتِبْصَارَ، فَعَمِلَ رِسَالَةً سَمَّاهَا (السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ) تَعَجْرَفَ فِيهَا، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهَا بَعْضُ الْكَتَبَةِ مِنْ أَبْنَاءِ خُرَاسَانَ مِمَّنْ يُتَعَاطَى الْكَلَامَ، وَيُذْكَرُ بِالرِّيَاسَةِ فِيهِ وَالتَّقَدُّمِ، فَصَنَّفَ فِي ثَلْبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ كِتَابًا تَلَفَّظَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ " التَّدْلِيسِ " لِلْكَرَابِيسِيِّ، وَ" تَارِيخِ " ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَالْبُخَارِيِّ، مَا شَنَعَ بِهِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ، خَلَطَ الغَثَّ بِالسَّمِينِ، وَالْمَوْثُوقَ بِالظَّنِينِ
…
وَلَوْ كَانَ حَرْبٌ مُؤَيِّدًا مَعَهُ الرِّوَايَةَ بِالْفَهْمِ لَأَمْسَكَ مِنْ عَنَانِهِ، وَدَرَى مَا يَخْرُجُ مِنْ لِسَانِهِ» (2).
وتشير القصة السابقة إلى سبب تأليف هذا الكتاب، وقد صرح المؤلف بغرضه من هذا التأليف في مقدمته حيث قال: «اعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يَشْنَأُ الْحَدِيثَ وَيُبْغِضُ أَهْلَهُ، فَقَالُوا بِتَنَقُّصِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَأَسْرَفُوا فِي ذَمِّهِمْ وَالتَّقَوُّلِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ الْحَدِيثَ وَفَضَّلَ أَهْلَهُ
…
» (3).
(1)" تأويل مختلف الحديث ": ص 96.
(2)
" المحدث الفاصل ": ص 143، 145.
(3)
" المحدث الفاصل ": ص 1، 3.
إن كتاب " المحدث الفاصل " من أقدم الكتب في علوم الحديث إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، فإذا وقعت الإشارة في مقدمته وفي موطن منه إلى أن سبب التأليف كان طعن المتكلمين في أهل الحديث، وأن هذا الكتاب دعوة إلى الوعي والفهم وترك ما يعاب به أهل الحديث، إذا كان ذلك كذلك كان لنا أن نستنتج أن التأليف في علوم الحديث كان من نتائج الخصومة بين المحدثين والمكتلمين، دفاعًا عن المحدثين وإرشادًا لهم، وأن أغلب موضوعاته كان منبعثًا عن قضايا علمية ماجت بها عصور التأليف وثارت فيها مناقشات بين المحدثين وغيرهم.
ومما يؤكد ذلك أن الخطيب - وهو ممن أحسن التأليف في علوم الحديث وله فيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ - صَرَّحَ في كتابه " شرف أصحاب الحديث " بأن الدافع إلى تأليفه هذا الكتاب هو تهجم المتكلمين على أهل الحديث كما سبق (2)، ثم يؤلف كتابه " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " ويشير في مقدمته إلى كتاب " شرف أصحاب الحديث " وأنه كان قد ذكر في هذا الكتاب فضل المُتَتَبِّعِينَ لِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُجْتَهِدِينَ
(1)" المحدث الفاصل ": ص 1، 3.
(2)
انظر ص 95 من هذا البحث.
في طلبها، ثم يبين غرضه من تأليف كتابه الثاني فينعى على كثير من المنتسبين للحديث سوء أدبهم وَقِلَّةَ فهمهم وسوء عنايتهم بالثقافة الإسلامية، وأن تأليفه هذا الكتاب إنما هو لإرشادهم وتأديبهم ويقول: «وَلِكُلِّ عِلْمٍ طَرِيقَةٌ يَنْبَغِي لأَهْلِهِ أَنْ يَسْلُكُوهَا، [وَآلَاتٌ] يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَا وَيَسْتَعْمِلُوهَا. وَقَدْ رَأَيْتُ خَلْقًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْحَدِيثِ، وَيَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ الْمُتَخَصِّصِينَ بِسَمَاعِهِ وَنَقْلِهِ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِمَّا يَدَّعُونَ، وَأَقَلُّهُمْ مَعْرِفَةً بِمَا [إِلَيْهِ] يَنْتَسِبُونَ، يَرَى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا كَتَبَ عَدَدًا قَلِيلاً مِنَ الأَجْزَاءِ، وَاشْتَغَلَ بِالسَّمَاعِ بُرْهَةً يَسِيرَةً مِنَ الدَّهْرِ، أَنَّهُ صَاحِبُ حَدِيثٍ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَلَمَّا يُجْهِدْ نَفْسَهُ وَيُتْعِبْهَا فِي طِلَابِهِ، وَلَا لَحِقَتْهُ مَشَقَّةُ الْحِفْظِ لِصُنُوفِهِ وَأَبْوَابِهِ
…
وَهُمْ مَعَ قِلَّةِ كَتْبِهِمْ لَهُ، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ كِبْرًا، وَأَشَدُّ الْخَلْقِ تِيهًا وَعُجْبًا، لَا يُرَاعُونَ لِشَيْخٍ حُرْمَةً، وَلَا يُوجِبُونَ لِطَالِبٍ ذِمَّةً،
…
خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ الَّذِي سَمِعُوهُ، وَضِدَّ الْوَاجِبِ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَقَدْ وَصَفَ أَمْثَالَهُمْ بَعْضُ السَّلَفِ».
ثم روى بسنده عن حماد بن سلمة قال: «لَا تَرَى صِنَاعَةً أَشْرَفَ، وَلَا قَوْمًا أَسْخَفَ مِنَ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ طَلَبَةُ الْحَدِيثِ أَكْمَلَ النَّاسِ أَدَبًا
…
».
ثُمَّ يَقُولُ مُبيِّنًا موضوعات كتابه: «وَأَنَا أَذْكُرُ فِي كِتَابِي هَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مَا بِنَقَلَةِ الْحَدِيثِ وَحُمَّالِهِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ، مِنَ الأَخْذِ بِالْخَلَائِقِ الزَّكِيَّةِ، وَالسُّلُوكِ لِلطَّرَائِقِ الرَّضِيَّةِ، فِي السَّمَاعِ وَالْحَمْلِ وَالأَدَاءِ وَالنَّقْلِ، وَسُنَنِ الْحَدِيثِ وَرُسُومِهِ، وَتَسْمِيَةِ أَنْوَاعِهِ وَعُلُومِهِ» (1).
إن فيما كتبه الرَّامَهُرْمُزِي وفيما كتبه الخطيب في كتبه " تقييد العلم " و" الكفاية " و" الجامع " إرساء لأصول علم الحديث، وبيانًا لقواعده
(1)" الجامع ". مصور دار الكتب 505، مصطلح حديث، لوحة 2 و 3.
وآدابه، وفيها فصول هامة في كيفية كتابة الحديث، وفي تجويد الخط ووجوب الإعجام والشكل حذرًا من التصحيف، ووجوب المعارضة بالكتاب للتصحيح وإزالة الشك والارتياب وعقد الخطيب فصلاً في كتابه " الجامع " نص فيه على:«بَعْضُ أَخْبَارِ أَهْلِ الْوَهْمِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْمَحْفُوظِ عَنْهُمْ مِنَ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ» (1). ونقل عنهم صورًا مما حرفوه في السند، ثم عقد فصلاً آخر بعنوان (مَنْ صَحَّفَ فِي مُتُونِ الْأَحَادِيثِ)(2) ويعقد الرامهرمزي فصلين لبيان فضل من جمع بين الرواية والدراية وأن الرواة من تشتبه أسماؤهم أو كناهم، وهؤلاء محل إشكال، فإن منهم الثقة والضعيف، ويزداد الإشكال إذا كانوا في عصر واحد أو يروون عن شيخ واحد ثم يقول في نهاية الفصل الخاص بالمشكلة أسماؤهم أو كُناهم، مشيدًا بأهل الحديث ناعيًا على من يجهل هذا الباب ممن ينتسب إلى الحديث دون أن يعد له عدته: «فَهَذَا بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ جَسِيمٌ، مَقْصُورٌ عِلْمُهُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الَّذِينَ نَشَؤُوا فِيهِ، وَعَنُوا بِهِ صِغَارًا، فَصَارَ لَهُمْ رِيَاضَةٌ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ مَنْ يَتَكَلَّفُهُ عَلَى الْكِبَرِ
…
وَأَيُّ شَيْءٍ أَقْبَحُ مِنْ شَيْخٍ لَنَا يَتَصَدَّرُ مُنْذُ زَمَانٍ، كَتَبَ بِخَطِّهِ: وَكِيعٌ عَنْ شُقَيْقٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا، يَفْتَحُ القَافَ فِيهَا كُلَّهَا، وَيُنْقِطُهَا، وَيُحَلِّقُهَا، وَلَا يَعْرِفُ سُفْيَانَ مِنْ شَقِيقٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَصْرَيْهِمَا، وَلَا يُمَيِّزُ عَصْرَ وَكِيعٍ مِنْ عَصْرِ كُبَرَاءِ التَّابِعِينَ وَالْمُخَضْرَمَةِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ، وَإِذَا أَفْتَى فِي بَلْوَى أَغْمَضَ تَكَبُّرًا عَيْنَيْهِ» (3).
إن طلبة الحديث ممن لا فقه لهم ولا ثقافة قد لاقوا مقاومة عنيفة من المحدثين وباءوا بقسط وافر من الذم، حتى أن أئمة من أهل الحديث كرهوا الاشتغال براية الحديث وندموا على ما أسمعوه لطلبتهم عندما لمسوا سوء
(1) لوحة 59.
(2)
لوحة 63.
(3)
" المحدث الفاصل ": ص 141، 142.
مستوى هؤلاء الطلبة العلمي والسلوكي، يقول الخطيب:«وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَحْتَسِبُونَ فِي بَذْلِ الحَدِيثِ، وَيَتَأَلَّفُونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ عَنْهُمْ كَرَاهَةُ الرِّوَايَةِ عِنْدَمَا رَأَوْا مِنْ قِلَّةِ رِعَةِ الطَّلَبَةِ، وَإِبْرَامِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاطِّرَاحِهِمْ حِكَمَ الأَدَبِ» (1). وقد عقد الخطيب فصلاً ساق فيه أقوال بعض أئمة الحديث عندما أضجرهم الطلبة وساء أدبهم (2). فَرَوَى عَنِ الحَسَنِ قَالَ: «تَعَلَّمُوا [مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعَلَّمُوا]، فَلَنْ يُجَازِيَكُمُ اللَّهُ عَلَى العِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا، فَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ» (3) وَ «قِيلَ لِسُفْيَانَ مَنِ النَّاسُ؟ قَالَ: «العُلَمَاءُ» ، قِيلَ: فَمَنِ السَّفَلَةُ؟ قَالَ: «الظَّلَمَةُ» ، قِيلَ: فَمَنِ الْغَوْغَاءُ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ، يَأْكُلُونَ بِهِ النَّاسَ (*)» (4). وأشرف الليث بن سعد على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئًا فقال: «مَا هَذَا؟ أَنْتُمْ إِلَى يَسِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ» (5)، وَقَاَل مُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَبِّي:«كَانَ [مَرَّةٌ] خِيَارَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ، فَصَارَ الْيَوْمَ شِرَارَ النَّاسِ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ. لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا حَدَّثْتُ» (6).
ويعلق الخطيب على هذه الجملة مُبَيِّنًا سببها فيقول: «طَلَبَةُ الْعِلْمِ عَلَى طَبَقَاتٍ، وَرُبَّمَا حَضَرَ عِنْدَ الْعَالِمِ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِي طَلَبِهِ، فَيَتَأَدَّبُ بِأَدَبِهِ. وَكَانَ مُغِيرَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَدْ رَأَى بَعْضَ أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِ، فَشَاهَدَ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ، وَقُبْحِ عِشْرَتِهِ مَا أَغْضَبَهُ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ. وَلَيْسَ تَكَادُ مَجَالِسُ الْعِلْمِ تَخْلُوَ مِنْ حُضُورِ مَنْ ذَكَرْنَا وَصْفَهُ» (7). ويهاجم الخطيب كَتَبَةَ الحَدِيثِ هؤلاء فيقول:
(1)" الجامع " للخطيب: لوحة 42 يمين.
(2)
المصدر نفسه: لوحة 4.
(3)
المصدر نفسه: لوحة 5 شمال.
(4)
المصدر نفسه (4) يمين.
(5)
" شرف أصحاب الحديث ": ص 110 أ.
(6)
المرجع نفسه: ص 110.
(7)
المرجع نفسه: ص 110 ب.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في المطبوع زيادة (يَأْكُلُونَ بِهِ أَمْوَالَ النَّاسِ) والصحيح ما أثبتناه طبقًا لنسخة دار الكتب العلمية، " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب، تحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، الطبعة الأولى: 1417 هـ - 1996 م. باب النية في طلب الحديث، ص 11 حديث 20].
«وَأَكْثَرُ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَعِيدٌ مِنْ حِفْظِهِ ، خَالٍ مِنْ مَعْرِفَةِ فِقْهِهِ ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُعَلِّلٍ وَصَحِيحٍ ، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مُعَدَّلٍ مِنَ الرُّوَاةِ وَمَجْرُوحٍ ، وَلَا يَسْأَلُونَ عَنْ لَفْظٍ أَشْكَلً عَلَيْهِمْ رَسْمُهُ
…
» (1).
وكتبة الحديث هؤلاء هاجمهم ابن الجوزي، كما سبق، وهاجمهم الذهبي، مما يدل على أنَّ حَمْلَةَ المُحَدِّثِينَ عَلَيْهِمْ، ومحاولة إرشادهم وتأديبهم لم تنقطع ولم تفلح أيضًا في القضاء عليهم، وأنهم أساءوا إلى المحدثين في كل العصور حتى أصبحوا في عصر الذهبي هم المحدثين، فيهاجمهم بقوله: «وَأَمَّا المُحَدِّثُونَ فَغَالِبُهُمْ لَا يَفْهُمُونَ، وَلَا هِمَّةَ لَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ وَلَا فِي التَّدَيُّنِ بِهِ، بَلْ الصَّحِيحُ وَالمَوْضُوعُ عِنْدَهُمْ بِنِسْبَةٍ، وَإِنَّمَا هِمَّتُهُمْ فِي السَّمَاعِ عَلَى جَهَلَةِ الشُّيُوخِ
…
» (2).
ثانيًا: وكما كان التأليف في علوم الحديث نتيجة الخصومة بين المحدثين وغيرهم كان ظهور المؤلفات في التصحيف وفي مختلف الحديث ومشكله، وناسخ الحديث ومنسوخه، من نتائج هذه الخصومة أيضًا، كل ذلك ليكون لدى طالب الحديث ثقافة تجمع إلى الرواية الوعي والدراية فلا يجد مهاجموهم ثغرة ينفذون منها إليهم. فيؤلف الشافعي في اختلاف الحديث، وابن قتيبة في مشكل الحديث كتابه " تأويل مختلف الحديث " ويؤلف الطحاوي في اختلاف الحديث كتابه " شرح معاني الآثار " ويشير في مقدمته إلى بعض أسباب تأليفه: «سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ أَضَعَ لَهُ كِتَابًا أَذْكُرُ فِيهِ الآثَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأَحْكَامِ الَّتِي يَتَوَهَّمُ أَهْلُ الإِلْحَادِ ، وَالضَّعَفَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ بَعْضَهَا يَنْقُضُ بَعْضًا؛ لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِنَاسِخِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا
…
» كما يؤلف كتابه " مشكل الآثار " ويجيء بعض العلماء إلى الأحاديث الموهمة للتشبيه فيفردها بالتأليف كما صنع أبو بكر محمد بن الحسين
(1)" صفعات البرهان " للكوثري: ص 10 نقلاً عن " الفقيه والمتفقه " للخطيب البغدادي.
(2)
" صفعات البرهان " للكوثري: ص 10 نقلاً عن " زغل العلم " للذهبي.
ابن فورك (ت 406 هـ) في كتابه " مشكل الحديث وبيانه "، ويقول في مقدمته أنه ذكر في كتابه «مَا اشْتَهَرَ مِنَ الأَحَادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ التَّشْبِيهَ مِمَّا يَتَسَلَّقُ بِهِ الْمُلْحِدُونَ عَلى الطَّعْنِ فِي الدِّينِ وَخَصُّوا بِتَقْبِيحِ ذَلِكَ الطَّائِفَةَ الَّتِي هِيَ الظَّاهِرَةُ بِالْحَقِّ لِسَانًا وَبَيَانًا وَقَهْرًا وَعُلُوًّا وَإِمْكَانًا، الطَّاهِرَةُ عَقَائِدُهَا مِنْ شَوَائِبِ الأَبَاطِيلِ وَشَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةِ بِأَنَّهَا أَصْحَابُ الحَدِيثِ» (1). وكذلك ألف السيوطي كتابه " تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه "(2).
وإلى عند قريب كانت الخصومة في الأحاديث المشكلة تدفع بعض الغيورين للتصدي لدفع اعتراضات العقلية الحديثة على بعض الروايات التي يظنونها مناقضة لبعض الحقائق العلمية من طبية وفلكية وغيرها، فنجد عبد الله بن علي النجدي القصيمي قد أَلَّفَ كتابًا سماه " مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها " ذكر فيه قرابة ثلاثين حديثًا، وصدره بقوله: «يحتوي هذا الكتاب على الأحاديث النبوية التي استشكلتها العلوم الحديثة من طبية وجغرافية وفلكية وحسية
…
الخ. وفيه بيانها بنفس العلوم الحديثة» (3).
ثالثًا: الحملة على الرأي والقياس كانت أثرًا من آثار هذه الخصومة ورد فعل لمهاجمة المتكلمين والفقهاء أهل الحديث، ولم يفرق المحدثون - في صولة هجومهم - بين الرأي في العقيدة والرأي الفقهي، ولا بين الرأي المحمود والرأي المذموم، فاندفعوا في حملتهم على المتكلمين وعلى فقهاء أهل الرأي وَسَدَّدُوا طَعَنَاتِهِمْ إِلَى القِيَاسِ، حتى انتهى بهم الأمر إلى إنكاره، فنشأ أهل الظاهر، الذين يمثلون الجانب المتطرف من المحدثين، كطرف مقابل
(1)" مشكل الحديث " لابن فورك: ص 3، ط. الهند سنة 1362 هـ.
(2)
مخطوط دار الكتب برقم 55 مجامع حديث.
(3)
انظر في اختلاف الحديث ومشكله: " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ": ص 271 وما بعدها.
للمبالغين في استعمال القياس، وحتى أدى الأمر بالمحدثين في عصر الخطيب إلى أن يغفلوا فقه الحديث فيقول متذمرًا منهم: «
…
كُلُّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ بَصِيرَةِ أَهْلِ زَمَانِنَا بِمَا جَمَعُوهُ ، وَعَدَمِ فِقْهِهِمْ بِمَا كَتَبُوهُ وَسَمَعُوهُ ، وَمَنْعِهِمْ نُفُوسَهُمْ عَنْ مُحَاضَرَةِ الْفُقَهَاءِ ، وَذَمِّهِمْ مُسْتَعْمِلِي الْقِيَاسِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، لِسَمَاعِهِمُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ [وَالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَحْمُودِ الرَّأْيِ] وَمَذْمُومِهِ ، بَلْ سَبَقَ إِلَى نُفُوسِهِمْ أَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَى عُمُومِهِ
…
» (*).
رابعًا: اهتمام الفقهاء بالحديث وعنايتهم به، حتى يدفعوا عن أنفسهم ما يتهمهم به المحدثون، من جهل بالحديث، أو عزوف عنه، فنجد أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن - صاحبي أبي حنيفة - يقبلان على رواية الحديث ويقتدي بهما في ذلك أبو جعفر الطحاوي حتى جمع بين إمامة الحديث وإمامة الفقه، وكان من نتيجة ذلك أن حدث شيء من التقارب بين المحدثين والفقهاء.
خامسًا: ومن النتائج الهامة التي أسفر عنها الصراع بين المحدثين وخصومهم، بروز فقه المحدثين وظهوره إلى الوجود، مستقلاً عن مذاهب الفقهاء متميزًا عنهم، شَاقًّا لنفسه طريقًا لا تنتسب لأحد غير المحدثين.
أما المراحل التي مر بها هذا الفقه، والأشخاص الذين أسهموا في بنائه، فهو موضوع الفصل التالي.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر " الفقيه والمتفقه "، للخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تحقيق أبي عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، 2/ 140، الطبعة الثانية: 1421 هـ، نشر دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية.
انظر صفحتي 5 و 6 من هذا الكتاب.