الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - حُكْمُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ:
روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ» .
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: (بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَقَالَ الحَسَنُ: «إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا»)(1).
واستنادًا إلى الحديث السابق ذهب عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن خزيمة وداود إلى أن صلاة الجماعة فرض عين، بل ذهب داود إلى أنها شرط لصحة الصلاة، وقد ذكر صاحب " المغني " أن أحمد بن حنبل قد نص على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة على الرغم من أنه يقول بوجوبها.
وذهب الجمهور إلى أن الجماعة ليست فرض عين، ثم اختلفوا هل هي فرض كفاية أو سنة، واختار النووي أنها فرض كفاية (2)، وعمدة الجمهور في عدم الوجوب الأحاديث التي فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفرد فإنها تفيد صحة الصلاة المفضولة.
وقد ترجم الترمذي للحديث السابق بقوله: (بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلَا يُجِيبُ)، ثم علق عليه بقوله: «وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ
(1)" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 78. والمرماتان: ظلفا الشاة.
(2)
انظر " النووي على صحيح مسلم ": 5/ 151، 153؛ و" المغني ": 2/ 176، 177.
قَالَ مُجَاهِدٌ، «وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، لَا يَشْهَدُ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً؟ فَقَالَ: " هُوَ فِي النَّارِ "» .
ثم أَوَّلَ الترمذي كلمة ابن عباس بأنها «لِمَنْ يَتْرُكُ الجَمَاعَةَ وَالجُمُعَةَ رَغْبَةً عَنْهَا، وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا، وَتَهَاوُنًا بِهَا» (1).
وقد روى ابن ماجه حديث أبي هريرة السابق تحت (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجَمَاعَةِ)، كما روي في هذا الباب أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا:«مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ، إِلَاّ مِنْ عُذْرٍ» . فكأنه يذهب إلى وجوبها. وقد علق السندي على هذا الحديث بقوله: «وَظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الجَمَاعَةَ [فِي المَسْجِدِ الذِي سَمِعَ نِدَاءَهُ] فَرْضٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الفِقْهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلِ الحَدِيثِ عَلَى نُقْصَانِ تِلْكَ الصَّلَاةِ» (2).
وقد ذكرنا أن داود بن علي الظاهري ذهب إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ويقرر ابن حزم مذهب الظاهرية في حكم صلاة الجماعة فيقول:«وَلَا تُجْزِئُ صَلاةُ فَرْضٍ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الأَذَانَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا فِي المَسْجِدِ مَعَ الإِمَامِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الأَذَانَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ إلَيْهِ فَصَاعِدًا وَلَا بُدَّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَاّ أَنْ لَا يَجِدَ أَحَدًا يُصَلِّيهَا مَعَهُ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ، إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ فَيُجْزِئَهُ حِينَئِذٍ التَّخَلُّفُ عَنْ الجَمَاعَةِ» .
ويقول في موضع آخر: «وَأَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ صَلَاةِ
(1)" الترمذي ": 2/ 17، 18.
(2)
" ابن ماجه بحاشية السندي ": 1/ 37، المطبعة العلمية: 1313 هـ.