الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ وَعَلَاقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
1 - السُنَّةُ وَعَلَاقَتُهَا بِالقُرْآنِ:
قدمنا في التمهيد أقسام السنة وإطلاقاتها، ونذكر هنا أن الجمهور الأعظم من المسلمين - على اختلاف مذاهبه - يقول بحجية السنة، ويعتبرها - ككل - مصدرًا من مصادر التشريع، ويعترف بأهميتها. بل إن المستشرقين، على الرغم من التواء تفكيرهم بالنسبة للإسلام، سواء عن جهل بطبيعته، أو عن سوء قصد وخبث طوية، - لم يسع بعضهم إلا أن يعترف بأهمية السنة، ويدرك الدور الخطير الذي تقوم به، فيصرح بأن الإسلام إذا كان يبغي المحافظة على جوهره وطابعه ليظل إسلامًا - فما من سبيل يبلغ بها هذه الغاية أفضل من سبيل المحافظة على السُنَّةِ والاستمساك بعراها (1).
وعلى الرغم من أن جمهور المسلمين يعترف بالسنة، لم يمنع هذا من اختلاف وجهات النظر بالنسبة إليها. فهم يتفقون على الأخذ بالسنة ككل ولكنهم يختلفون في كيفية الأخذ، فتتفاوت لذلك كمية ما يأخذونه منها. وهذا التفاوت وذلك الاختلاف هو الذي سوغ لنا أن نخص المحدثين فنبين موقفهم من السنة، ومدى أخذهم بها، موازين بينهم وبين غيرهم في ذلك.
وأول ما يواجهنا من مباحث السنة هو علاقتها بالقرآن الكريم ونتناول في هذه العلاقة النقاط الآتية:
(1) انظر: " أحمد بن حنبل و [المحنة] " للمستشرق ولتر. م. باتون: ص 35.
1 -
مكانة السنة ومرتبتها بالنسبة للقرآن.
2 -
عرض السنة على القرآن.
3 -
ورود السنة بحكم الزائد على القرآن.
4 -
نسخ السنة بالقرآن والعكس.
5 -
تخصيص القرآن بالسنة.
[1]
أما النقطة الأولى، وهي مكانة السنة بالنسبة للقرآن - ففيها ثلاثة اتجاهات:
- الإتجاه الأول: أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، فكلاهما وحي من عند الله، ولا فرق بينهما إلا أن القرآن مُوحَى بلفظه ومعناه. فهو معجز متعبد بتلاوته، وليست السنة كذلك، حيث أُوحِيَ إلى الرسول معناها دون لفظها. فالقرآن والسنة كلاهما نصوص، يستعملان مَعًا، ولا يقدم أحدهما على الآخر. وإذا كان يطلق أحيانًا أن السنة تالية للكتاب وأنها المصدر الثاني بعده فليس هذا الإطلاق إلَاّ ترتيبًا لفظيًا اعتباريًا، من حيث إن القرآن هو الذي دل على حُجِيَّةِ السُنَّةِ، فإذا ثبتت حُجِيَّتُهَا صارت في قوة القرآن.
وَرَوَى الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ:«كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [وَيُخْبِرُهُ] جِبْرِيلُ عليه السلام بِالسُّنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (1).
- الاتجاه الثاني: تقديم الكتاب على السنة، لأن الكتاب مقطوع به جملة وتفصيلاً لتواتره، والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في
(1)" جامع بيان العلم وفضله ": 2/ 191؛ و" الموافقات " للشاطبي: 4/ 14، طبعة تونس.
التفصيل. والمقطوع على المظنون. وقد دل على تقديم الكتاب أخبار وآثار كثيرة كَحَدِيثِ مُعَاذٍ: «بِمَ تَحْكُمُ؟» ، قَالَ:«بِكِتَابِ اللَّهِ» . قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» . قَالَ: «بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ
…
». وكتاب عمر إلى شُرَيْح: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ [فِيهِ] بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ أَتَاكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ
…
». وفي بعض الروايات: إِذَا وَجَدْتَ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ»، وَرُوِيَ مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وكثير من السلف الصالح (1).
- الاتجاه الثالث: تقديم السنة على الكتاب. وقد نشأ هذا الاتجاه في مقابلة الاتجاه الثاني، وَرَدِّ فعل له. وهو المراد بقولهم: إن السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب قد يكون محتملاً لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب، وهذا دليل على تقديم السنة.
يقول الأَوْزَاعِيُّ: «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ - ابن عبد البر -: «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ» .
ويقول مكحول: «القُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الكِتَابِ» .
ويقول يحيى بن أبي كثير: «السُّنَّةِ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ» (2).
هذه هي الاتجاهات الثلاثة حول مرتبة السُنَّةِ بالنسبة للقرآن. ولعل
(1) انظر " الموافقات ": 4/ 3، 4.
(2)
هذه النصوص في " جامع بيان العلم ": 2/ 191؛ وانظر " الموافقات ": 4/ 14.
الخلاف بينهما كان نتيجة عدم الدقة في تحديد موضوع النزاع، بسبب الخلط بين الاعتبارات المتعددة للسنة.
فالذين رأوا أن القرآن والسنة في مرتبة واحدة، هي مرتبة النصوص، نظروا إلى السنة باعتبار أنها صادرة من الرسول المبلغ عن ربه، والذي لا ينطق عن الهوى، فالقرآن ما كان يظهر للناس لولا تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم إياه. وكلمات الرسول وبيانه وهديه في أحاديثه صلى الله عليه وسلم هي وحي أيضًا، أو اجتهاد أقره الله فتلحق بالوحي. وكما نسمع للرسول صلى الله عليه وسلم ونصدقه ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه قرآن من عند الله يجب علينا بدرجة مساوية، أن نسمع للرسول ونطيعه فيما يبلغه لنا على أنه سنة.
وهذه النظرة إلى السنة لا ينكرها أحد، بل يعتنقها مخالفوهم ويحتجون لها.
والذين ذهبوا إلى أن الكتاب مقدم على السنة نظروا إلى السنة من جهة الرواية وطريق الثبوت، فرأوها مجموعة من الأخبار قد رويت بطريق لا يخلو من الاحتمال، ورأوا أن القرآن قد أحيط منذ البداية بكل صنوف الرعاية والحفظ، وأنه قد تواتر تواترًا يفيد العلم اليقيني، فما يفيده القرآن يكون قطعيًا وما تفيده السنة لا يرقى إلى ما يفيده القرآن.
ولا ينكر أحد هذه الموازنة بين السنة والقرآن من حيث الرواية ودرجة الثبوت.
أما الذين ذهبوا إلى أن السنة مقدمة على الكتاب فيريدون بذلك أن ما جاء في القرآن من عموم أو إطلاق أو إجمال أو غير ذلك، إنما يكون فهم معناه والعمل به متوافقًا على ما جاءت به السنة من بيان وإيضاح، وبيانها
حينئذ هو خير البيان وأولاه بالاتباع، لأنه عن مصدر التشريع، ومن أجل هذا يجب ألا يقتصر على ظاهر القرآن حتى يضم إليه ما جاءت به السنة، التي قد تصرفه عن ظاهره، أو تخصص عمومه أو تقيد مطلقه، أو توضح ما فيه من إجمال، ولا شك أن هذه تنطوي على الحق، ويقررها المخالفون.
ليس بين هذه الاتجاهات إذن خلافات جوهرية أو عميقة، ولكنها مع ذلك أدت إلى الخلاف حول عدد من الموضوعات، كما إذا تعارض ظاهر الكتاب مع ظاهر السنة، هل يقدم الكتاب، أم السنة؟ (1).
ويجدر بنا أن نشير إلى أن المحدثين لم يميلو إلى الاتجاه الذي يقدم الكتاب على السُنَّةِ، بل انحصر ميلهم في الاتجاهين الآخرين، فذهب أكثرهم إلى تقديم السُنَّةِ على الكتاب، وذهب القليل منهم إلى أنهما في مرتبة متساوية، كالإمام أحمد بن حنبل والإمام البخاري: فابن حنبل رأى أَنَّهُمَا نُصُوصٌ يُكَمِّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ولم يستسغ ما يقال من أن السُنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ، فأبى أن يُرَدِّدَهُ وقال:«مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (2).
(1) انظر " إرشاد الفحول ": ص 254.
(2)
" الموافقات " للشاطبي: 4/ 14؛ وانظر " جامع بيان العلم ": 2/ 191، 192. وتورع ابن حنبل لا يعني أنه يقدم الكتاب على السنة في استنباط الأحكام، فإنه من الناحية العلمية، كان يجعلها في مرتبة متساوية هي مرتبة النصوص، كما في " إعلام الموقعين ": 1/ 32، أو يجعل السنة حاكمة على الكتاب من حيث البيان، كما ذكر ذلك الأستاذ أبو زهرة في كتابه عنه: ص 213.
وقد تبعه في ذلك البخاري، كما يفهم من منهجه في " صحيحه ".
والحق أن البخاري من بين مُحَدِّثِي القرن الثالث (1)، هو الذي اهتم بالقرآن في " صحيحه "، وهو الذي تفرد بالعناية بذكر الآيات المناسبة للأبواب المختلفة تأكيدًا للصلات القوية بين القرآن والحديث، وإيضاحًا إلى تظاهرهما في إثبات الأحكام، وَنَفْيًا لما يظن من خلافهما أو تعارضهما، وكأني به قد نثر أمامه آيات الكتاب الحكيم، وقسمها إلى موضوعات، ثم نظر في السُنَّةِ، فذكر منها ما يرتبط بالقرآن مُبَيِّنًا لَهُ، على أي وجه كان ذلك البيان. والنظرة السريعة إلى " صحيحه " تشهد بصحة ما ذكرناه من اهتمامه بالقرآن واستدلاله به.
ونستطيع أن نسجل بعض الملاحظات على هذا المنهج الذي سلكه البخاري، من إيراده للآيات في عناوين الأبواب، فنذكر في وصفه - على سبيل المثال، لا الحصر - النقاط الآتية:
1 -
قد يذكر البخاري عنوان الكتاب، مقترنًا بالآيات التي تعتبر أصلاً تتفرع منه الفروع وتبوب الأبواب، ثم لا يمنعه هذا من ذكر الآيات المناسبة للأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب، أو تحت هذا الأصل الذي قررته الآيات:
(1) ذكر النسائي في مواضع قليلة جدًا آيات الأحكام في تراجمه، ومنها ما بدأت به كتابه:(تَأْوِيلُ قَوْلِهِ عز وجل {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6])، وَفِي كِتَابِ المِيَاهِ (قَالَ اللَّهُ عز وجل {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وَقَالَ عز وجل {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]، وَقَالَ تَعَالَى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] وَ [المائدة: 6]. وَفِي (ببَابُ مَا يُنَالُ مِنَ الْحَائِضِ، وتأويل قول الله عز وجل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الآية).
فمن ذلك قوله: (كِتَابُ التَّيَمُّمِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (1). ثم عقب على ذلك بذكر الأبواب المندرجة تحت هذا الكتاب: من بيان السبب في نزول الآية، وكيفية التيمم، وحكم التيمم في الحضر إذا لم يجد ماء وخاف فوات الوقت، إلى غير ذلك.
وكقوله: (كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (2).
2 -
قد يكون الباب أصلاً لأبواب أخرى تندرج فيه، فيصنع فيه ما يصنعه في الكتاب، لأن الباب حينئذٍ يشبه الكتاب في أنه أصل تتفرع عنه فروع. ويعتبر هذا من الأسباب التي جعلت البخاري يكتفي في ترجمته بالآية، دون أن يذكر في الباب حديثًا. فيقول مثلاً:(كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وَقَوْلُهُ عز وجل: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا})(3)، ولم يرو البخاري في هذا الباب شيئًا، وكأنه اعتبر هذا الباب مُكَمِّلاً لترجمة الكتاب، وأصلاً لما سيعقبه من الأبواب.
ومن هذا القبيل قوله: (بَابُ المُحْصَرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ
(1)" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 45، والآية من [سورة المائدة، الآية: 6].
(2)
" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 66، والآية من [سورة النساء، الآية: 103]، وانظر صنيع البخاري مثل ذلك في: 1/ 37، 1/ 41. 2/ 2، 2/ 41، وغيرها من الأمثلة.
(3)
" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 13 والآيتان هما [سورة طه، الآية: 114] و [سورة المجادلة، الآية: 11].
مَحِلَّهُ} (1)، ولم يذكر شيئًا من الأحاديث في هذا الباب، لكنه ذكر الأبواب التي تتفرع على ذلك من إحصار المعتمر، وإحصار الحاج، وغير ذلك.
وكقوله أيضًا: (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، وقوله - جَلَّ ذِكْرُهُ -: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 68 - 70]، الأُجَاجُ: المُرُّ. المُزْنُ: السَّحَابُ (2)، ثم فرع على هذا الباب غيره، فجاء بعده مباشرة (بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ
…
).
3 -
قد يأتي بالآيات المذكورة في الترجمة، للاحتجاج بها على فهمه أو استنباطه لأمر ما، وبخاصة إذا كان الموضوع خلافيًا:
كقوله: (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]).
وقد عَلَّقَ السِّنْدِي على هذا العنوان بقوله: «لَمَّا كَانَ الوَحْيُ يُسْتَعْمَلُ فِي الإِلْهَامِ وَغَيْرِهِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68]، وَقَوْلُهُ: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى} [القصص: 7]، ذَكَرَ الآيَةَ التِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيحَاءَ إِلَيْهِ إِيحَاءَ نُبُوَّةٍ، كَمَا أَوْحَى إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ» (3).
(1)" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 203. والآية [سورة البقرة، الآية: 196].
(2)
" البخاري بحاشية السندي ": 2/ 31. والآية [سورة الأنبياء، الآية: 30]، والآيات الأخرى [سورة الواقعة، الآيات: 68، 70].
(3)
" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 3. والآية في الترجمة هي [سورة النساء، الآية: 3]، والآيتان اللتان في تعليق السندي هما [سورة النحل، الآية: 68]، [سورة القصص، الآية: 7].
وقد ذهب البخاري إلى أن الإيمان يزيد وينقص، فقال في كتاب الإيمان مستدلاً على ذلك:(بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76]، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، وَقَوْلُهُ: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31]، وَقَوْلُهُ: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124]، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] (1).
فانظر كيف جمع البخاري هذا الحشد من الآيات المتناظرة ليستدل بها على ما ذهب إليه!.
وكقوله: بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ} [محمد: 19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ (2).
وفي «تَعْذِيبِ المَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» يجمع بين ما روى عن ابن عمر في ذلك، وما روى عن عائشة، مستدلاً بالقرآن، فيقول: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ
(1)" البخاري ": 1/ 5، 6. والآيات على التوالي [الفتح: 4]، [الكهف: 13]، [مريم: 76]، [محمد: 17]، [المدثر: 31]، [التوبة: 124]، [آل عمران: 173]، [الأحزاب: 22].
(2)
" البخاري ": 1/ 15. والآية هي [محمد: 19].
مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]) (1).
4 -
وفي بعض الأحيان قد يجعل البخاري الآية عنوانًا للباب، ليس له عنوان غيرها، ثم يذكر من الأحاديث ما هو تفسير للآية، أو بيان لها، أو تعريف بسبب نزولها.
فمن ذلك (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ} [الروم: 31]). وقد روى في هذا الباب: حَدَّثَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: إِنَّا [مِنْ] هَذَا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ
…
»). قال السندي في تعليقه على هذا الحديث: «كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفِيدُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ مِنْ أَفْعَالِ المُشْرِكِيْنَ، بِنَاءً عَلَىَ أَنَّ مَعْنَى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، أَيْ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَرَّرَهُ الحَدِيثُ، حَيْثُ عَدَّ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الإِيمَانِ، فَصَارَ الحَدِيْثُ مُبَيِّنًا لِمَعْنَى القُرْآنِ» (2).
ومن ذلك أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 6])
وقد روى في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم:
(1)" البخاري ": 1/ 146.
(2)
" البخاري ": 1/ 66. والآية هي 31 من الروم.
وكقوله في كتاب الحج (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) ثُمَّ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟» ، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (2).
ثم أعقب بباب آخر بَيَّنَ فِيهِ أن مقدار الصدقة إطعام ستة مساكين، روى فيه الحديث السابق نفسه مع اختلاف يسير في الألفاظ.
وكقوله أيضًا: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197])، ثم روى عن ابن عباس سبب نزول هذه الآية:«كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]» (3).
5 -
وقد يكون ظاهر الآية غير مراد، فيذكرها البخاري في الترجمة، ثم يروي من الحديث ما هو بيان لها، لئلا تؤخذ على ظاهرها: ومن ذلك قوله: ([بَابُ] الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]
…
) وروى فيه عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «وَلَقَدْ رَهَنَ
(1)" البخاري ": 1/ 146. والآيات هي 5 - 10: الليل.
(2)
" البخاري ": 1/ 104.
(3)
" البخاري ": 1/ 174. والآية هي 197: البقرة.