الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقوله في الترجمة إن اليمين على المدعى عليه، لا فرق بين الأموال والحدود يشير إلى رده على الذين قالوا إن يمين المدعي تقبل في الحقوق والأموال، وروايته مناقشة ابن شبرمة لأبي الزناد، واحتجاجه عليه بالآية التي اشترطت العدد في الشهود لنفي أسباب التهمة والنسيان، وأن في مضمونها ما ينفي قبول يمين الطالب والحكم له بشاهد واحد، وإقرار البخاري لابن شبرمة في ذلك، وروايته الأحاديث التي تفيد قصر اليمين على المدعى عليه، كل ذلك يؤيد أن البخاري لا يأخذ بحديث الشاهد واليمين، وأنه لا يصح عنده.
وإن مسلك البخاري في هذا المثال يؤكد ما سبق أن ذكرناه عنه من ميله إلى الربط بين القرآن والحديث في " صحيحه "، كما يؤكد هذا المثال أيضًا ما سبق أن قلناه من أن عرض الحديث على القرآن مبدأ لا غبار عليه من حيث الأصل والأساس، بدليل استعمال ابن شبرمة له، وتقرير البخاري له وعدم إنكاره عليه.
4 - نَسْخُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ وَالعَكْسِ:
وهذا النسخ هو النقطة الرابعة التي نتناولها في علاقة السنة بالقرآن، لنستشف منها اتجاه المحدثين.
وقد ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين إلى أن نسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، جائز في العقل وواقع بالفعل.
وحجتهم في ذلك محصورة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فسنته وحي كالقرآن وكل من عند الله تعالى، فما المانع حينئذٍ من أن ينسخ أحدهما الآخر؟.
وذهب الشافعي رضي الله عنه في أشهر قوليه إلى منع نسخ السنة بالقرآن. واختلف النقل عنه في سبب المنع: هل هو العقل، أو السمع؟ أو لا العقل ولا السمع ولكن السبب هو عدم الوقوع بالفعل. قال السبكي:«نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَا يَدُلُّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا» .
أما نسخ القرآن بالسنة فإن للشافعي فيه قولاً واحدًا هو المنع.
والنص الذي يشير إليه السبكي، هو قول الشافعي في " الرسالة ": «وَأَبَانَ اللهُ لَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا نَسَخَ مَا نَسَخَ مِنَ الكِتَابِ بِالكِتَابِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، يُمَثِّلُ مَا نَزل نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنَى مَا أَنْزَل اللَهُ مِنْهُ جُمَلاً
…
» (1).
وبقول الشافعي قال أحمد بن حنبل من المحدثين (3).
واحتج الشافعي لرايه بقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (4)، والسنة ليست مثلاً للقرآن، ولا خيرًا منه. ورد المجيزون بأن المعنى:«نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا لَكُمْ أَوْ مِثْلَهَا لَكُمْ» ، لأن القرآن أيضًا ليس بعضه خيرًا من بعض، وأيضًا فالسنة يمكن اعتبارها مثل القرآن، لأنها وحي مثله، ولاستوائها معه في وجوب الطاعة. وإنما افترقا في ألا يكتب في المصحف غير القرآن، ولا يتلى معه غيره مخلوطًا به،
(1) و (2)" الرسالة "، للشافعي: ص 106، 108.
(3)
" النسخ في القرآن الكريم ": 1/ 203، 204.
(4)
[البقرة: 106].
وفي أنه معجز دونها. وهذا لا يعترض به على أنها ليست مثله، إذ ليس في العلم شيئان إلا وهما يشتبهان من وجه، ويختلفان من آخر. لا بد من ذلك ضرورة، ولا سبيل إلى أن يختلفا من كل وجه، ولا أن يتماثلا من كل وجه.
كما استدل الشافعي أيضًا بقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} (1) وبقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} (2). فكل هذه الآيات تنسب النسخ والتبديل إلى الله تعالى.
وقد نوقش الشافعي في معاني هذه الآيات، فالاستدلال بالآية الأولى مبني على القول بمفهوم المخالفة، وهذا غير مُسَلَّمٍ، إذ معنى الآية أن الله يبدل آية مكان آية، وهذا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ، وليس في الآية ما ينفي أن الله يبدل وحيًا غير متلو مكان آية ببراهين أخرى.
وكذلك بالنسبة للآية الأخيرة، لأن الرسول لا يبدل شيئًا من تلقاء نفسه، وإنما يبدله بوحي من عند الله.
كما احتج الشافعي بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3). وهذا يفيد أن السنة مقصورة على البيان، والبيان ينافي الرفع الذي يفيده النسخ، ورد المجوزون للنسخ بأن المراد بالتبيين في الآية هو التبليغ، وبأن النسخ نوع من أنواع البيان، لأنه بيان ارتفاع الأمر
(1)[النحل: 101].
(2)
[يونس: 15].
(3)
[النحل: 44].