الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الثَّانِي (*): خَبَرُ الوَاحِدِ بَيْنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ:
بعد أن بينا علاقة السنة بالقرآن، وأشرنا إلى الاتجاهات المختلفة في تحديد هذه العلاقة، وبعد أن رأينا أن معظم مباحث هذه العلاقة يدور حول خبر الآحاد، إذ هو جل السنة، حتى لكأنه المعني بها عند الإطلاق - لم يكن بد من التعرض لخبر الآحاد، وبيان اختلاف العلماء في الشروط التي يجب أن تتوافر فيه ليكون صالحًا للاحتجاج به، حتى تتضح الفروق بين المحدثين وغيرهم من القائلين بحجية خبر الآحاد. أما الذين أنكروا حجية خبر الآحاد. فليست مناقشتهم مما تعنينا هنا. وقد كفانا العلماء من السلف والخلف مؤونة هذه المناقشة (1).
وخبر الآحاد قسيم الخبر المتواتر ومقابله، إذ الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد: فالمتواتر «مَا اتَّصَلَ بِنَا عَن رَسُولِ اللَهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ القَائِلِ: تَوَاتَرَتْ الكُتُبُ، إِذَا اتَّصَلَتْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الوُرُودِ مُتَتَابِعًا. وَحَدُّ ذَلِكَ أَّنْ يَنْقُلَهُ قَوْمٌ لَا يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ وَتَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الكَذِبِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمْكِنَتِهِمْ عَنْ قَوْمٍ مِثْلَهُمْ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِرَسُولِ اللَهِ صلى الله عليه وسلم فَيَكُونُ أَوَّلُهُ كَآخِرِهِ،
(1) انظر " الأم "، للشافعي ": 7/ 250؛ و" الرسالة " له أيضًا: ص 369، 370؛ و" أصول السرخسي ": 1/ 321، 328؛ و" الإحكام " لابن حزم ": 1/ 96 وما بعدها؛ و" المستصفى ": 1/ 145 وما بعدها؛ و" الشافعي "، لأبي زهرة: ص 208 وما بعدها؛ و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 153 وما بعدها.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع خطأ (الفصل الثالث) والصواب (الفصل الثاني) قارن بـ (فهرس الموضوعات) صفحة 667 السطر 5 حيث جعله فصلاً ثانيًا. (وهو ما نص عليه المؤلف في [صفحة تصحيح الأخطاء] في صفحة 663 من هذا الكتاب).
وَأَوْسَطِهِ كَطَرَفَيْهِ وَذَلِكَ نَحْوَ نَقْلِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكِ» (1).
والمتواتر يفيد العلم، خلافًا لِلْسُّمَنِيَّةِ الذين حصروا العلوم في الحواس وحصرهم باطل (2).
والجمهور على أن العلم الحاصل بالتواتر ضروري أي لا يحتاج إلى نظر وكسب، وذهب إمام الحرمين وأبو الحسين البصري وغيرهم إلى أنه نظري.
وهناك اختلاف في أقل عدد يفضي إلى العلم في المتواتر. والصحيح هو ما قرره الغزالي حين قال: «أَقَلُّ عَدَدٍ يُورِثُ العِلْمَ لَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا، لَكِنَّا بِحُصُولِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَتَبَيَّنُ كَمَالَ العَدَدِ لَا أَنَّا بِكَمَالِ العَدَدِ نَسْتَدِلُّ عَلَى حُصُولِ العِلْمِ» (3).
ولذلك هاجم الغزالي فكرة تحديد العدد، كما هاجمها أيضًا ابن حزم وأجاز أن يحصل العلم الضروري بخبر اثنين فأكثر، حتى خبر الواحد قد يصبح العلم بصحته ضروريًا، إلا أن ضروريته ليست بمطردة ولا في كل وقت ولكن على قد ما يتهيأ (4).
(1)" أصول السرخسي ": 1/ 282، 283.
(2)
عَرَّفَ أَبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ «العِلْمَ بِأَنَّهُ الاِعْتِقَادُ المُقْتَضِي لِسُكُونِ النَّفْسِ إِلَى أَنَّ مُعْتَقَدَهُ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ عَلَيْهِ» (" المعتمد ": 1/ 10)، وَعَرَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ تَيَقُّنُ الشَيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ: إِمَّا عَنْ بُرْهَانٍ مُوصِلٍ إِلَى تَيَقُّنِهِ وَإِمَّا اتِّبَاعٌ لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ، فَوَافَقَ فِيهِ الحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ ضَرُورَةٍ وَلَا عَنْ اسْتِدْلَالٍ (" الإحكام ": 1/ 36، 37).
وَالسُّمَنِيَّةِ - بضم السين وفتح الميم - فرقة من الهند ينكرون النبوة، ويعبدون صنمًا اسمه (سُومَنَاتْ)، وقد كسره السلطان محمود بن سبكتكين. انظر مناقشة الغزالي لهم في " المستصفى ": 1/ 122، 140؛ ثم انظر " شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 79؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 113.
(3)
" المستصفى ": 1/ 135.
(4)
" الإحكام "، لابن حزم: 1/ 104، 107، 108.
أما خبر الآحاد فهو ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم، سواء كان مستفيضًا - وهو ما زاد عدد رواته على الثلاثة، كما جزم به ابن الحاجب والآمدي - (1) أو غير مستفيض.
وقد جعل الأحناف الخبر المستفيض قسمًا وسطًا بين المتواتر والآحاد، وعرفوه بأنه ما كان متواتر الفرع آحاد الأصل، ويشيرون إليه بقولهم:«فِي حَيِّزِ المُتَوَاتِرِ، أَوْ المَشْهُورِ» . وكان الجصاص يعده أحد قسمي المتواتر، على معنى أنه يثبت به علم اليقين، ولكنه علم اكتساب. «وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ رحمه الله يَقُول: " لَا يَكُونُ المُتَوَاتِرُ إِلَاّ مَا يُوجِبُ العِلْمَ [ضَرُورِيًّا] فَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ مَشْهُورٌ وَلَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ [وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَبَيَانُ هَذَا النَّوْعِ فِي] كُلِّ حَدِيثٍ نَقَلَهُ عَنْ رَسُولِ اللَهِ صلى الله عليه وسلم عَدَدٌ يُتَوَهَّمُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الكَذِبِ وَلَكِنْ تَلَقَّتْهُ العُلَمَاءُ بِالقَبُولِ وَالعَمَلِ بِهِ [فَبِاعْتِبَارِ الأَصْلِ هُوَ مِنَ الآحَادِ وَبِاعْتِبَارِ الفَرْعِ هُوَ مُتَوَاتِرٌ وَذَلِكَ] نَحْوَ خَبَرِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ المُتْعَةِ بَعْدَ الإِبَاحَةِ وَ [خَبَرِ] تَحْرِيمِ نِكَاحِ المَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا [وَخَبَرِ حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَمَا أَشْبَهَ] ذَلِكَ» (2).
والقائلون بوجوب العمل بخبر الواحد مختلفون في دليل الوجوب، بين أن يكون هذا الدليل هو السمع، أو العقل، أو هما مَعًا. وهو اختلاف لا يفضي إلى نتيجة.
لكن اختلافهم في إفادة خبر الواحد العلم هو الجدير بالاهتمام، لما يترتب عليه من النظر المختلف في مدى تأثير خبر الواحد في الفروع وفي الاعتقاد.
والمحدثون أو معظمهم - وبخاصة أهل الظاهر منهم - يميلون إلى أن خبر الآحاد مفيد للعلم، يعمم بعض الأصوليين هذا الحكم على المحدثين ويقصر آخرون على بعضهم.
(1) انظر " الإحكام "، للآمدي: 2/ 49؛ و" شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 95.
(2)
انظر " أصول السرخسي ": 1/ 291 وما بعدها.
ويفصل الآمدي الآراء في هذا الموضوع فيقول: «اخْتَلَفُوا فِي الوَاحِدِ العَدْلِ. إِذَا أَخْبَرَ بِخَبَرٍ، هَلْ يُفِيدُ خَبَرُهُ العِلْمَ؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ لَا بِمَعْنَى اليَقِينِ، فَإِنَّ العِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الظَّنُّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] أَيْ: ظَنَنْتُمُوهُنَّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ فِي خَبَرِ كُلِّ وَاحِدٍ، كَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ الآحَادِ لَا فِي الكُلِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ، إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ، كَالنَّظَّامِ، وَمَنْ تَابَعَهُ فِي مَقَالَتِهِ.
وَذَهَبَ البَاقُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ مُطْلَقًا، لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِ قَرِينَةٍ» (3).
ثُمَّ اخْتَارَ الآمِدِيُّ حُصُولَ العِلْمِ بِخَبَرِ الآحَادِ إِذَا احْتَفَتْ بِهِ القَرَائِنُ.
(1)" المستصفى ": 1/ 145، وأنكر ابن حزم أيضًا هذا العلم الظاهر، (انظر " الإحكام " له: 1/ 127، 128).
(2)
" أصول السرخسي ": 1/ 32.
(3)
" الإحكام " للآمدي ": 2/ 49، 50. واستمر في مناقشة الآراء حتى ص 60.
وذكر ابن حزم أن إفادة خبر الآحاد العلم هو مذهب الحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي، وداود الظاهري، ورواية عن مالك.
أما الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج فذهبوا إلى أن خبر الواحد لا يوجب العلم، لما فيه من احتمالات السهو والانقطاع.
وقد انحاز ابن حزم إلى رأي الطائفة الأولى وأطال في الاستدلال لمذهبه، وتفنيد حجج خصومه (1).
ونلاحظ أن ابن حزم لم يشر إلى رأي أحمد بن حنبل، ولا إلى رأي الحنابلة في هذه المسألة، وقد نقلنا عن الآمدي آنِفًا أن ابن حنبل له قولان في إفادة خبر الآحاد العلم، ويقر ابن بدران أن القول بعدم حصول العلم به هو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحاب أحمد، وينقل عن الطوفي أن ذلك هو أظهر القولين. وحمل بعض العلماء قول الإمام أحمد الثاني - أي الخاص بإفادة خبر الآحاد العلم - على أخبار مخصوصة كثرت رواتها وتلقتها الأمة بالقبول، ودلت القرائن على صدق ناقليها، فيكون إذن من المتواتر (2).
وقد رجح الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن " ابن حنبل " الرواية التي تقرر أن ابن حنبل كان يذهب إلى أن أخبار الآحاد مفيدة للعلم، وأنه كان يأخذ بها في الاعتقاد وفي الفروع، «فَيُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَمَا يُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الكِتَابُ الكَرِيمُ، وَلَا يُفَرِّقُ فِي الأَخْذِ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَهِ
(1)" الإحكام " لابن حزم: 1/ 108، 119، 137.
(2)
" المدخل إلى مذهب ابن حنبل ": ص 91.
- صلى الله عليه وسلم بَيْنَ عَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ، وَلَا بَيْنَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ وَإِذْعَانِ القَلْبِ وَالعَقْلِ» (1).
وقول ابن حنبل الذي رجحه الأستاذ أبو زهرة في هذه المسألة هو قول عامة المحدثين في القرن الثالث، وقول بعض المتأخرين منهم (2). وهذا الاتجاه يعني أن خبر الآحاد إذا استوفى شروط الصحة فإن صدوره عن الرسول صلى الله عليه وسلم حينئذٍ أمر مقطوع به، متيقن منه، لا يحتمل الشك. ومن هنا كانت حملتهم الشديدة على الذين لا يأخذون بالخبر في بعض المواطن، واتهامهم لهم بمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشنيعهم عليهم لذلك.
ولكن لما كانت أخبار الآحاد عند غير المحدثين تفيد ظنًا راجحًا، لأن الاحتمالات التي يتعرض لها خبر الواحد، كالكذب والسهو والخطأ وغيرها تقصر به عن إفادة ما يفيده المتواتر من العلم - لما كان ذلك كذلك، وضع هؤلاء الفقهاء شروطًا لخبر الواحد تراعى فيها هذه الاحتمالات، وحددوا مجال العمل به بالنسبة لما هو مقطوع به من القرآن والسنة المتواترة. وكثير من هذه الشروط موضع نزاع بينهم وبين المحدثين وهذا يدعونا إلى أن نستعرض شروط الصحيح بين المحدثين وغيرهم.
ويشترط المحدثون في الحديث الصحيح شروطًا يمكن حصرها في عدالة الراوي وضطبه، واتصال الإسناد، وسلامة الحديث من الشذوذ والعلل (3)
(1)" ابن حنبل ": ص 226، 227.
(2)
كابن الصلاح الذي ذهب إلى أن " صحيحي البخاري ومسلم " مقطوع بصحة ما فيهما (انظر " شروط الأئمة الخمسة " للحازمي، بتعليق الكوثري: ص 26).
(3)
عَرَّفَ الشافعي الشاذ: بأن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الثقات، وَعَرَّفَهُ غيره بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة، أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، =
فإذا توافرت هذه الشروط في الحديث فهو صحيح يجب العمل به سواء أكان في الاعتقاد أم في الفروع.
وقد يختلف المحدثون فيما بينهم في عدالة راو أو ضبطه أو صحة سماعه ممن روى عنه، كما قد يختلفون في درجة الوصف، بمعنى هل العدالة والضبط عنده في درجة ممتازة أو متوسطة أو ضعيفة، مما يترتب عليه اختلافهم في الترجيح. فالبخاري مثلاً لا يكتفي بمعاصرة الراوي لمن روى عنه حتى يثبت اتصاله به ومسلم يكتفي بالمعاصرة، والبخاري ترك رجالاً رأى مسلم أنه لا بأس بهم، وكذلك ترك مسلم رجالاً لم ير البخاري بهم بأسًا، ورأى غيرهما من أصحاب السنن أَنْ يَرْوُوا أحاديث صحت في نظرهم لثقتهم في رواتها، أو لأنه لا بأس برواتها وإن لم يكونوا في الدرجة العليا من العدالة والضبط.
أما غير المحدثين فيضيفون إلى هذه الشروط شروطًا أخرى تتعلق بمتن الحديث، فليس كل ما صح سنده يلتزم قبوله. حتى يكون متنه سالمًا من المعارضة، وللأحناف والمالكية في ذلك ما ليس لغيرهم.
ولهذا رأينا الأحناف في نقدهم للحديث وبيان وجوه الانقطاع فيه يقسمون الانقطاع إلى انقطاع في الصورة، وانقطاع في المعنى. ويعنون بالمنقطع صورة المرسل - وسيأتي الحديث عنه.
أما الانقطاع في المعنى فقد يكون نتيجة عدم توافر الشروط المطلوبة في الراوي. فسلسلة الإسناد مترابطة من حيث الظاهر، غير أن إحدى
= وبرد ما شذ به غير الثقة (" السنة ومكانتها في التشريع ": ص 113؛ وانظر " هدي الساري ": ص 381، 382).
والحديث المعلل هو الذي اطلع فيه على علة قادحة، مع أن ظاهره السلامة منها (انظر " أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ": ص 196).
حلقاتها لما فقدت الشروط أصبحت في حكم المعدوم، وذلك كرواية الفاسق والكافر والمعتوه، وأمثال ذلك.
وقد يكون الانقطاع في المعنى نتيجة معارضة متن الحديث لدليل آخر. وهذا القسم هو الذي يمثل بحق نقد متن الحديث، إذ قد يردونه نتيجة لهذا النقد، حتى مع استيفائه شروط الصحة في الإسناد وهو يعد من الفروق الجوهرية بين المحدثين وأهل الرأي.
ومن أنواع هذا القسم المخالف للدليل:
[أ] أن يكون الحديث مخالفًا لكتاب الله تعالى.
[ب] أو لسنة مشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ج] أن يكون الحديث شاذًا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته.
[د] أو يكون حديثًا قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، بأن ظهر منهم الاختلاف في حادثة يقررها الحديث المروي، ومع ذلك لم تجر المحاجة بينهم به.
[هـ] مخالفة الصحابي قولاً أو عملاً لما رواه (1).
[أ، ب] وقد قدمنا في موضوع علاقة السنة بالقرآن وجهة نظر المحدثين وغيرهم في عرض السنة على القرآن، وتخصيصها لعامه، وتقييدها لمطلقه، وقد بينا أن المحدثين أيضًا يمنعون أن تأتي السنة بما يعارض القرآن،
(1) ذكر السرخسي الأقسام الأربعة الأولى في " أصوله ": 1/ 366، 369، وألحقنا بها مخالفة [الصحابي] لما رواه.
وأن الخلاف بينهم وبين الأحناف إنما هو في المسائل الجزئية، هل السنة فيها معارضة أم مبينة.
وكذلك خبر الآحاد إذا خالف السنة المشهورة اعتبر ذلك انقطاعًا في المعنى، ولا يبعد أن يكون هذا الأصل أيضًا محل اتفاق، والخلاف إنما هو في التطبيق.
فقد ذكروا مثالاً لذلك ما جاء في بيع الرطب بالتمر، وهو ما روى أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ البَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟، قَالَ: البَيْضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ (1).
وقد رأى أبو حنيفة أن خبر سعد هذا مخالف للسنة المشهورة، وهو قوله عليه السلام:«التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْلٍ» ، فلم يأخذ به، وأخذ به أبو يوسف ومحمد، لأن السنة المشهورة لا تتناول الرطب، لأن مطلق اسم التمر لا تتناوله، بدليل أن من حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرًا لم يحنث، فإذا لم تتناوله السنة المشهورة، وجب إثبات الحكم فيه بالخبر الآخر.
وهذا هو الذي ذهب إليه أصحاب الحديث، فقد قال الترمذي بعد روايته لحديث سعد هذا: «
…
وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا».
(1) الترمذي: 5/ 232، 233، وقال:«[هَذَا حَدِيثٌ] حَسَنٌ صَحِيحٌ» ؛ وأبو داود: 3/ 341، 342. والبيضاء: نوع من البر أبيض اللون، وفيه رخاوة، أو هو الرطب من السلت. والسلت نوع أدق حَبًّا من البر.
[ج] أما الحديث الغريب فيما تعم به البلوى فقد رده بعض الحنفية والمالكية (1)، لأن عدم اشتهاره مع الحاجة إليه قرينة على علة فيه، وأحسن أحواله أن يصرف عن ظاهره: فإن جاء بأمر كان للندب والاستحباب لا للوجوب، وإن جاء بنهي كان للكراهية لا للتحريم، إذ لو كان المراد به الإيجاب أو التحريم لاشتهر ذلك الحكم بين السلف، ولنقل إلينا الخبر مستفيضًا، فنقله على خلاف ذلك يدل على أنه قد ترك العمل به عند أكثر الناس، لعدم حرمة ترك العمل به (2).
أما المحدثون فلم يعتبروا هذا الشرط، لأن الأدلة التي أوجبت قبول خبر الواحد لم تفرق بين ما تعم به البلوى من الأخبار وغيرها، ولأن الراوي عدل ثقة، وذلك يغلب على الظن [صِدْقُهُ]، وكما يقبل خبره في غير ذلك يقبل أيضًا فيما تعم به البلوى.
وكان البخاري يرد على أهل الرأي في ترجمته التي يقول فيها: (بَابُ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ ظَاهِرَةً، وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأُمُورِ الإِسْلَامِ)(3).
وذكر الأحناف أمثلة لذلك منها: خبر مس الذكر، والجهر بالتسمية في الصلاة، وخبر رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، والوضوء مما مسته النار (4).
وقد يوافق بعض المحدثين الأحناف في عدم الأخذ ببعض هذه الأخبار ولكن مسلكهم في ذلك يختلف عن مسلك الأحناف، إذ عدم أخذهم بها
(1) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 14.
(2)
انظر " أسباب الاختلاف "، لأستاذنا علي الخفيف: ص 71.
(3)
" البخاري بحاشية السندي ": 4/ 268، 269؛ وانظر " فتح الباري ": 13/ 270.
(4)
انظر " أصول السرخسي ": 1/ 368.
إنما هو بسبب نسخها أو ترجيح غيرها من الأخبار عليها (1).
[د] أما الحديث الذي يقرر حكمًا اختلف فيه الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه احتج به مع حاجتهم إليه - فإن هذا الحديث حينئذٍ غير مقبول، لأنه لو كان موجودًا في عصر الصحابة لردوه، ولم يشتغلوا عنه بما ليس بحجة، وهم غير متهمين بالكتمان حتى يتفقوا على كتمانه وعدم الاحتجاج به. فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم، وجرت المحاجة بينهم بالرأي - والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر - دَلَّ ذلك على أن هذا الخبر غير صحيح، إذ لو كان صحيحًا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع الخلاف الواقع بينهم، فكان إعراض الجميع عن الاحتجاج به دليلاً ظاهرًا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو أنه منسوخ.
وذلك نحو ما يروى: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنسَاءِ» ، فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا، ولم يحتج أحد منهم بهذا الحديث، بل أعرضوا عنه، فكان ذلك دليلاً على أنه غير ثابت أو مُؤَوَّلٍ (3).
(1) ففي مسألة الجهر بالتسمية مثلاً يورد المحدثون الآثار المثتبة في باب، والثانية في باب، إما بطريقة يفهم منها جواز الأمرين. كما فعل أبو داود: 1/ 289، 291، أو بطريقة ترجح أحدهما على الآخر، كما رجح الترمذي عدم الجهر: 2/ 43، 46؛ و" الدارمي ": 1/ 283 حيث صرح بأن الجهر بها مكروه وقد ذهبوا إلى أن الوضوء من أكل ما مسته النار منسوخ (انظر الترمذي: 1 / [108]، 112؛ أبو داود: 1/ 87، 89).
(2)
انظر " الإحكام "، للآمدي ": 2/ 160، 164؛ وانظر أيضًا " الإحكام "، لابن حزم: 1/ 160، 164، وانظر أيضًا " الإحكام "، لابن حزم: 1/ 115، 116، و" نهاية السول "، للإسنوي: 2/ 123؛ و" مسلم الثبوت " و " شرحه ": 2/ 126 وما بعدها.
(3)
انظر " أصول السرخسي ": 1/ 369.
ولكن سؤالاً يَرِدُ على الآخذين بهذا الأصل: هل جاء الحديث الذي ردوه بناء على هذا الأصل من طريق صحيحة، حتى يكون هذا الأصل هو السبيل الوحيدة لنقده.
إن سند الحديث إذا كان صحيحًا، فإن الاحتمالات الموجبة للأخذ به تتداعى أمام قوتها الاحتمالات الداعية إلى رده، لأن كل صحابي لم يكن محيطًا بكل السنة، بل يعمل البعض ويجهل الآخر منها، وقد يسمع بعضها شخص أو أكثر، ثم لم تكن داعية تدعو إلى نشره، فيجهله كثير من الصحابة ويتركون العمل به لعدم العلم بالحكم. لا تركًا له بعد العلم، وهذا أبو هريرة كان يقول:«إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ» ، وهناك العديد من الأمثلة التي تدل على أن الصحابة كانوا يجهلون كثيرًا من السنن، ثم يجدون علمها عند غيرهم إذا سألوا عنها (1). وبسبب ذلك رفض المحدثون الأخذ بهذه القاعدة التي قررها الأحناف.
كما لم يأخذوا أيضًا بقاعدة قريبة من هذه، قررها المالكية وجعلوها من أسس نقد الحديث، هي تركهم لخبر الآحاد إذا كان العمل في المدينة على خلافه، وقد رفض المحدثون هذه القاعدة، لأن الواجب هو العمل بالخبر، ولا يضره عمل ولا ترك «وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ نَازَعَهُمْ فِيهِ الجُمْهُورُ، وَقَالُوا: عَمَلُ أَهْلِ المَدِينَةِ كَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَعَمَلِ أَهْلِ الحِجَازِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ؛ فَمَنْ كَانَتْ السُّنَّةُ مَعَهُمْ فَهُمْ أَهْلُ العَمَلِ المُتَّبَعِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الحُجَّةُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَلَا تُتْرَكُ السُّنَّةُ لِكَوْنِ عَمَلِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهَا
…
» (2).
(1) انظر أمثلة لذلك في " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 12 وما بعدها.
(2)
" إعلام الموقعين ": 2/ 433.
وقد هاجم ابن حزم هذا الأصل، وذكر كثيرًا من السنن التي خالفها المالكيون بحجة أن عمل أهل المدينة على خلافها، ثم قال:«فَهَذَا مَا تَرَكُوا فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ رِوَايَتِهِمْ فِي " المُوَطَّأِ " خَاصَّةً وَلَوْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لَبَلَغَ أَضْعَافَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا خَالَفُوا فِيهِ أَوَامِرَهُ عليه السلام مِنْ رِوَايَتِهِمْ وَرِوَايَةِ غَيْرِهِمْ أَضْعَافَ ذَلِكَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَتَجَاوَزُ الأُلُوفَ» (1).
[هـ] ومما ذكره الأحناف متصلاً بهذا النوع الذي سموه بالانقطاع في المعنى - أن يروي الصحابي حديثًا، ثم يظهر منه ما يخالف الحديث قولاً أو عملاً. فإن هذه المخالفة تعتبر طعنًا في الحديث في بعض أحواله، لأن مخالفة الصحابي إن كانت قبل الرواية فإنها لا تقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه. وكذلك إذا لم يعلم هل المخالفة كانت قبل روايته للحديث أو بعدها، لأن الحمل على أحسن الوجوه مطلوب ما لم يثبت خلافه، أما إذا علم أن خلافه للحديث كان بعد روايته له، فإن هذا الحديث حينئذٍ يخرج عن أن يكون حجة، لأن فتواه أو عمله بخلاف الحديث من أبين الدلائل على الانقطاع فيحمل ما رواه على النسخ، حملاً له على أحسن الوجوه.
وذكروا من أمثلة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنَ وُلُوغِ الكَلْبِ سَبْعًا» ، ثُمَّ صَحَّ مِنْ فَتْوَاهُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالغَسْلِ ثَلَاثًا.
وما روته السيدة عائشة من قوله عليه السلام: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ [بِغَيْرِ] إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ، ثُمَّ صَحَّ «أَنَّهَا زَوَّجَتْ ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَالَفَتْ بِعَمَلِهَا رِوَايَتَهَا» .
(1) انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 97 وما بعدها. والنص المذكور في ص 105. ومن قبل ابن حزم ناقش محمد بن الحسن والشافعي وغيرهما هذا الأصل.
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما رواه ابن عمر مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ» ، ثم صح عن مجاهد قال:«صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ» ، وهذا يدل على نسخ الحكم (1).
أما إذا كان الحديث محتملاً لعدة معان، فيعين الصحابي بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولاً به على ظاهره، لأن تأويل الصحابي ليس بحجة على غيره، وإنما الحجة هو الحديث. وذلك كالذي رواه ابن عمر من قوله صلى الله عليه وسلم:«المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» ، فـ «التَّفَرُّقُ فِي الحَدِيثِ يَحْتَمِلُ التَّفَرُّقَ بِالأَبْدَانِ» ، فكان إذا أوجب البيع مشى هنيهة، ولم يأخذ الأحناف بهذا التأويل من ابن عمر، وحملوا التفرق على التفرق بالأقوال، أما المالكية فقد رَدُّوا هذا الحديث لمخالفته لما عليه العمل.
ويقول الأحناف: إن الشافعي قد فعل مثل ذلك في حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، ثُمَّ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِـ «أَنَّ المُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلَ» ، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لَحَقَ الحَدِيثَ مِنَ الرَّاوِي، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّأْوِيلِ، لا يكون حجة على غيره، وأخذ بظاهر الحديث، فأوجب القتل على المرتدة (2).
وقد اختار الآمدي أنه إن علم مأخذ الصحابي في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي وجب اتباع ذلك الدليل،
(1)" أصول السرخسي ": ج 2 ص 3. وقد ناقش البخاري ما روي عن مجاهد في ترك ابن عمر للرفع، وَبَيَّنَ أنه مرجوح، انظر " قرة العينين برفع اليدين "، للبخاري: ص 24.
(2)
انظر " أصول " السرخسي: 2/ 5، 6؛ و" أسباب الاختلاف "، للخفيف: ص 59، 61؛ و" فقه الكتاب والسنة " له: ص 117 وما بعدها.
لا لأن الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر، وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر الحديث (1).
وقد رَدَّ بعض المالكيين بناء على هذا الأصل ما روي عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ [مَاتَ] (*) وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، لِأَنَّهَا «أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ حِينَ سُئِلَتْ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ» ، فقالت:«يُطْعَمُ عَنْهَا» . وأخرج البيهقي أَنَّهَا قَالَتْ: «لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ ، وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ» (2).
وقد استنكر المحدثون هذا الاتجاه في نقد الحديث، لأن الحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه الصحابي، لا في فتوى الصحابي الذي قد ينسى ما رواه، أو يجتهد فيه فيؤوله، أو تكون فتواه قبل أن يبلغه الحديث، [فإن] هذه الوجوه كلها محتملة فيما روى عنهم، لا يحل لأحد ترك كلامه عليه السلام لفتيا جاءت عن صاحب مخالفة لما صح عنه عليه السلام (3).
ولكن أبا داود كان يميل إلى اتجاه الأحناف والمالكية في هذا الموضوع، فَـ «كَانَ يَرَى أَنَّ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ يُضَعِّفُ الحَدِيثَ».: فَقَدْ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ عَطَاءٍ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» .
ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:«أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلاً» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذَا يُضَعِّفُ ذَلِكَ الحَدِيثَ» (4).
وقد رأى بعض الأصوليين أن عمل الصحابي بخلاف ما روى لا يسقط
(1) انظر " الإحكام " للآمدي: 2/ 164، 166.
(2)
انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 18، 19؛ وأصول التشريع للأستاذ علي حسب الله ص 54.
(3)
انظر " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 12 - 21؛ و" النبذ " له: ص 36، 37؛ و" المحلى " له: 9/ 503، 5/ 39.
(4)
" سنن أبي داود " بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: 1/ 245.
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) في الكتاب المطبوع (مَنْ بَاتَ) والصواب ما أثبته.
خبره، بل يفتح الاجتهاد فيه، لاحتمال ألا يكون منسوخًا، بل يكون مصروفًا عن ظاهره، أو مفهومًا على وجه لا يتعارض مع عمله.
فيقال في «حَدِيثِ غَسْلِ الإِنَاءِ سَبْعًا» الذي رواه أبو هريرة: إن الغسل سبع مرات إحداهن بالتراب يتعلق بالإناء الذي يوضع فيه الطعام والشرب وما أفتى به أبو هريرة من الغسل ثلاثًا يتعلق بغير ذلك من ثوب أو بدن.
ويقال في مخالفة عائشة بإنكاحها ابنة أخيها لما روته من اشتراط الولي في النكاح: إن عملها يقتضي تقييد حديثها بحضور الولي، فإذا كان غائبًا كانت الحادثة محل اجتهاد، وجاز أن يكون الزواج بإذن من يهتم بمصلحة الزوجة من أقاربها، حتى لا يفوتها الزوج الكفء (1).
ولأن الاحتمالات في خبر الواحد كانت دائمًا نصب أعين الفقهاء من غير المحدثين، حتى إنهم لم يكتفوا بصحة الإسناد في نقدهم للحديث نظروا أيضًا في بعض ألفاظ الصحابي عند أدائه للحديث، فاختلفوا مع المحدثين فيها، كما اختلفوا معهم في بعض صور الإسناد.
وقد قسم الأصوليون ألفاظ الصحابي درجات، بعضها أقوى من بعض، وجعلها بعضهم سبعًا، وجعلها آخرون خمسًا (2).
1 -
أعلاها قول الصحابي: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَهِ صلى الله عليه وسلم» ، أَوْ «أَخْبَرَنِي» ، أَوْ «قَالَ لِي» ، وما أشبه ذلك.
2 -
ثم قوله: «قَالَ رَسُولُ اللَهِ صلى الله عليه وسلم» ، وهذه الصيغة في مرتبة ثانية، لاحتمال أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة، بدليل ما رواه أبو هريرة مرفوعًا:«مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» ، فلما روجع فيه قال:«حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ» ، وكذلك روى ابن عباس عَنْ
(1) انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص 54، 55.
(2)
انظر " المستصفى ": 1/ 129، 132؛ و" شرح المنهاج " للإسنوي: 2/ 123، 128؛ و" فواتح الرحموت ": 2/ 161، 162.
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَلَمَّا رُوجِعَ فِيهِ «أَخْبَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» .
إلا أن احتمال الواسطة بعيد، والظاهر هو المشافهة، وعلى فرض أن هناك واسطة، فإن الصحابي المسكوت عنه عدل، باعتبار أن الصحابة كلهم عدول فلا يضر عدم ذكره. وقد نقلت إلينا جل الأخبار بهذه الصيغة فلم يفهم منها إلا السماع.
2 -
ثم يأتي في الدرجة الثالثة قول الصحابي: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِكَذَا» أَوْ «نَهَى عَنْ كَذَا» ، وهذه الصيغة فوق احتمالها التوسط الذي ذكر في سابقتها - تحتمل أيضًا اعتقاد الصحابي ما ليس بأمر أو نهي أمرًا أو نهيًا، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنه أمر الكل أو البعض، وعلى جهة الدوام أو التوقيت بوقت معين.
ولما فيه من هذه الاحتمالات ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا حجة فيه، ما لم ينقل لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.
لكن الأكثرين ذهبوا إلى حجية هذه الصيغة، لأن الظاهر أن الراوي لا يطلقها إلا إذا تيقن المراد.
وهذه الدرجات الثلاث يتفق الأحناف مع المحدثين وجمهور الفقهاء في الأخذ بها.
لكن الذي فيه الخلاف بين المحدثين والأحناف هو قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا» أَوْ «نُهِينَا عَنْ كَذَا» - بصيغة المجهول - أو قول الصحابي: «السُنَّةُ كَذَا» ، فقد ذهب الأحناف إلى أن قول الصحابي ذلك لا يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون حجة، لأن هذه الصيغة تحتمل - زيادة على الاحتمالات السابقة - أن يكون الآمر أو الناهي غير
رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأئمة والولاة والعلماء، وأن يكون المراد بالسنة سنة البلدان والرؤساء.
ولهذا قال أبو يوسف: «وَأَهْلُ الحِجَازِ يَقْضُونَ بِالقَضَاءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: عَمَّنْ؟ فَيَقُولُونَ بِهَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ قَضَى بِهِ عَامِلُ السُّوقِ، أَوْ عَامِلٌ مَا مِنَ الجِهَاتِ» (1).
وقد نقل عن الشافعي في القديم أن هذه الصيغة لها حكم الرفع عند الإطلاق، ونقل عنه في الجديد أنها لا تنصرف إلى سنة الرسول بدون البيان، للاحتمال السابق، حتى قال:«فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَالَ مَالِكٌ رحمه الله: " السُنَّةُ بِبَلَدِنَا كَذَا "، فَإِنَّمَا أَرَادَ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ، الذِي كَانَ عَرَيفًا بِالمَدِينَةِ» (2).
وقد كانوا يطلقون السنة على سنة الصحابة وآرائهم، كما يبين ذلك الخلاف الذي حدث بين الزهري وأحد زملائه، فعن صَالِحِ بْنَ كَيْسَانَ قَالَ:«اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ وَنَحْنُ نَطْلُبُ العِلْمَ، فَقُلْنَا: نَكْتُبُ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَقُلْتَ أَنَا: لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلَا نَكْتُبُهُ، وَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ» (3).
وقد بَيَّنَ ذلك الطحاوي في كلامه عن صفة القعود في الصلاة، وما روي عن ابن عمر قوله:«إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى» ،
(1)" الرد على سير الأوزاعي "، لأبي يوسف: ص 11.
(2)
انظر " أصول السرخسي ": 1/ 380، 381. وذكر النووي في خطبة " شرح المهذب " أن الصحيح المشهور أن قول الصحابي:«مِنَ السُنَّةِ كَذَا» في حكم المرفوع، وأنه مذهب الجماهير، وأن أبا بكر الإسماعيلي قال:«لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ عَلىَ الصَّحَابِيِّ» .
(انظر " طبقات الشافعية ": 2/ 80) وأبو بكر الإسماعيلي هو أحمد بن إبراهيم، إمام أهل جرجان، توفي سنة 371 هـ. (انظر المصدر نفسه: 2/ 79، 80).
(3)
" جامع بيان العلم ": 2/ 187.
وأن قومًا ذهبوا إلى أن صفة القعود في الصلاة كلها أن ينصب الرجل رجله اليمنى ويثني اليسرى ويقعد بالأرض، مستندين إلى ما روي عن ابن عمر من أن ذلك سنة، والسنة لا تكون إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذهب آخرون إلى غير ذلك، لأن قول ابن عمر لا يدل على أنه عن النبي، إذ قد يجوز أن يكون رأى ذلك رأيًا، أو يكون أخذهم ممن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه السلام:«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سَأَلَهُ رَبِيعَةُ ، عَنْ أُرُوشِ أَصَابِعِ المَرْأَةِ «إِنَّهَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي» وَلَمْ يَكُنْ مَخْرَجُ ذَلِكَ إِلَاّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَمَّى سَعِيدٌ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سُنَّةً (1).
أما المحدثون فقد ذهبوا إلى أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ السُّنَّةُ كَذَا» ، يعتبر حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابي يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله.
ولذلك جعل البخاري لهذه الصيغ حكم الرفع، فمن ذلك قوله: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ» (2).
وروى بسنده عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ [الحُيَّضَ] يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ
…
» (3).
(1) انظر " شرح معاني الآثار " للطحاوي: 1/ 152.
(2)
" البخاري بحاشية السندي ": 4/ 259 ط. دار إحياء الكتب العربية.
(3)
" البخاري بحاشية السندي ": 1/ 114، وفي الترمذي: 3/ 10 عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُخْرِجُ
…
»، وفي أبي داود: 1/ 405، عنها أيضًا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَ
…
»، وفي رواية:«كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا الْخَبَرِ» .
وروي عنها أيضًا قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ» (1).
وقد ذهب إلى ذلك الشافعية - كما ذكرنا عن النووي -، والحنابلة، فقد جاء في " المغني " عن ابن عمر قال:«مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فَهُوَ مِنْ مَالِ المُبْتَاعِ» . ثم قال صاحب " المغني ": «وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ، يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» .
وقد استدل الحنابلة بذلك على أن بيع ما لم يقبض من غير الطعام جائز، وإن تلف قبل القبض فهو من ضمان المشتري (2).
لكن الظاهرية من المحدثين لم يجعلوا لهذه الصيغ حكم الرفع، وفي ذلك يقول ابن حزم:«وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ " السُّنَّةُ كَذَا " وَ" أُمِرْنَا بِكَذَا " فَلَيْسَ هَذَا إِسْنَادًا وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَنَّهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يُنْسَبُ إِلَى أَحَدٍ قَوْلٌ لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ قَالَهُ وَلَمْ يَقُمْ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: " كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَهَانَا عُمَرُ فَانْتَهَيْنَا ". وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ " السُّنَّةُ كَذَا " وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ عِنْدَهُ عَلَى مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ» . ثم روى بطريق البخاري «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: " أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَبِالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً فَيَهْدِي أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» .
ثم علق ابن حزم على هذه الرواية «بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ كُلِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ صُدَّ عَنْ البَيْتِ لَمْ يَطُفْ بِهِ، وَلَا بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ بَلْ أَحَلَّ حَيْثُ كَانَ بِالحُدَيْبِيَةِ وَلَا مَزِيدَ. وَهَذَا الذِي ذَكَرَهُ
(1)" البخاري ": 1/ 145؛ و" سنن أبي داود ": 3/ 274.
(2)
انظر " المغني ": 4/ 108، 111.