الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولذلك جعل الشاطبي القول بسد الذرائع نتيجة من نتائج الاعتبار بمآلات الأفعال، لا من نتائج الاعتبار بالنيات والمقاصد (1)، إلا إذا أردنا بالمقاصد هنا ما هو مقصود للشريعة، لا الباعث الشخصي.
وقد ذكر الشاطبي أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا لأن المجتهد لا يحكم على فعل المكلف إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون الفعل مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى إلى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا منعًا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزي، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية.
ثم يقول الشاطبي: «وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ المَوْرِدِ، إِلَاّ أَنَّهُ عَذْبُ المَذَاقِ مَحْمُودُ الغَبِّ، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ» (2).
اعْتِبَارُ أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلَ لِلْذَّرَائِعِ:
من أبرز من قال بالذرائع من أهل الحديث: الإمام أحمد، أخذًا بالأحوط: ونظرًا إلى مآل الفعل: واتهامًا للقصد عند ما يكون مآل الفعل غير مأذون فيه.
(1) انظر " الموافقات ": 4/ 110، 114، المطبعة السلفية بمصر، وانظر أيضًا في الذرائع نفسه 2/ 253، 256. حيث أثبتها الشاطبي في الفعل المأذون فيه. إذا لزم عنه ضرر غير مقصود، وكان هذا الضرر أو كثيرًا غالبًا.
(2)
" الموافقات ": 4/ 110، 111.
ومن المسائل التي أفتى فيها الإمام أحمد بن حنبل، معتمدًا عل أصل سد الذرائع:
[أ] أنه يكره الشراء ممن يرخص السلع، ليصرف الناس عن الشراء من جار له. قصدًا إلى الإضرار به، لأن الشراء منه إغراء له بمضارة جاره. وقد يؤدي فعله إلى الاحتكار، بأن نزول منافسة غيره، فيستبد فيما بعد بالأسعار، والامتناع عن الشراء منه ذريعة عن الشراء منه ذريعة إلى امتناعه عن إنزال الضرر بجاره.
[ب] حرم أحمد بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمرًا، والبيع باطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك. وإذا كان الأمر محتملاً فالبيع جائز. وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري: أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه خمرًا. قال الثوري: «بِعْ الحَلَالَ مِمَّنْ شِئْتَ» .
كما حرم أحمد بيع السلاح عند الفتنة، لأنه ذريعة إلى الشر، وإعانة على المعصية. وفي معنى هذا البيع عند أحمد كل بيع أو إجارة أو معارضة تعين على معصية. كبيع السلاح لمن يحاربون المسلمين، أو للبغاة، أو لقطاع الطريق، وكإجارة الدور والحوانيت لمن يقيم فيها سوقًا للمعاصي، كالمراقص والملاهي المحرمة. قال في " المغني ": «وَهَكَذَا الحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ
…
» (1).
ومما يذكر أن أهل الظاهر مع عدم اعتبارهم الذرائع، وإنكارهم على من يقول بها كما قدمنا (2) - يتفقون مع أحمد في هذا الحكم، ولكنهم
(1) انظر " المغني ": 4/ 223، 233؛ و" ابن حنبل "، للأستاذ أبو زهرة: ص 321؛ و" إعلام الموقعين ": 3/ 129، 135.
(2)
انظر: ص 377 من هذا البحث.
يستدلون عليه بالنص، وفي ذلك يقول ابن حزم: «وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْصِي اللَهَ بِهِ أَوْ فِيهِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، كَبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ يُنْبَذُ أَوْ يُعْصَرُ مِمَّنْ يُوقَنُ [بِهَا] أَنَّهُ يَعْمَلُهُ خَمْرًا، وَكَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يُدَلِّسُ بِهَا
…
أَوْ كَبَيْعِ السِّلَاحِ [أَوْ الخَيْلِ] مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْدُو بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ، أَوْ كَبَيْعِ الحَرِيرِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]
…
فَإِنْ لَمْ يُوقَنْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالبَيْعُ صَحِيحٌ» (1).
[ج] بيوع الآجال، أو التي تعرف أحيانًا ببيع العينة (2)، قد حرمها أحمد لأنها ذريعة إلى الربا. ومن صورها أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدًا، فإذا باعك إنسان سلعة بعشرين مثلاً إلى أجل ثم اشتراها منك بعشرة نقدًا، كان مآل البيع والشراء في هذه الصورة أنك افترضت من البائع عشرة، لتردها إليه عشرين بعد الأجل، وهو عين الربا.
وقد حرم هذا البيع أيضًا كل من أبي حنيفة ومالك، ولما روي أَنَّ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَتْ لَهَا:«إِنِّي بِعْتُ غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً إِلَى العَطَاءِ ، وَاشْتَرَيْتُهُ بِسِتِّمِائَةِ» ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
(1)" المحلى ": 9/ 29، 30.
(2)
سميت عينة، لحصول النقد لصاحب العنية، لأن العين هو المال الحاضر، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين الحاضر يصل إليه من فوره. (انظر " أصول التشريع "، للأستاذ علي حسب الله: ص 285 هامش 1).
وقد روي عن أحمد أن العينة هي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس. (" المغني ": 4/ 976).
وفسر ابن حزم العينة بأنها السلم نفسه، أو بيع بضاعة إلى أجل مسمى، والخلاف إنما هو في السلم (انظر " المحلى ": 9/ 106).