الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلم بما يُحيل من معاني ما يروي.
والخامس: المتعرِّي خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس؛ احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس؛ لم نحتجَّ به.
والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة للَّه؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلَّا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أدّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل؛ إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها؛ بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه، والذي يخالف العدل: من كان أكثر أحواله معصية الله.
وقد يكون العدل: الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به، وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلَّا مَن صناعته الحديث، وليس كل معدِّل يعرف صناعة الحديث؛ حتى يعدل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا".
ثم شرح ابن حبان رحمه الله بقية الشروط الثلاثة من العقل، والعلم، والتدليس، وقد نعود إلى ذكر شيء منه فيما يأتي؛ فإن الذي يهمنا الآن: هو شرحه للشرط الأول والثاني، فأقول:
إخلال ابن حبان بالوفاء بالشرط الأول والثاني:
قد لاحظت أن في شرح ابن حبان لشرطه الأول أمرًا زائدًا على تعريفه
(العدل)! في "ثقاته" بأنه: "من لم يعرف بجرح" كما تقدم (ص 11)، ألا وهو قوله: "من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه
…
"، وهذا يعني أنه معروف بالطاعة، وخلافه - وهو الفاسق - من كان أكثر أحواله معصية اللَّه، فلم يكتف هنا بالتزام الأصل، والوقوف مع حسن الظن بالمسلم كما فعل هناك؛ بل إنه أضاف أن يكون معروفًا بغلبة الطاعة عليه التي تنافي الإكثار من المعصية، هذا الإكثار الذي يخرج به صاحبه من العدالة إلى الفسق.
وإن مما لا شك فيه: أن التفريق بين المكثر من الطاعة، والمكثر من المعصية يتطلب أمرًا زائدًا على حسن الظن، وهو البحث عن الراوي، وعن سلوكه، فإذا تبين أن الغالب عليه هو الطاعة؛ فهو العدل عند ابن حبان هنا.
وليس هذا فقط؛ بل إنه أضاف شيئًا آخر في العدل في الرواية على العدل في الشهادة؛ أَلا وهو أن يكون صادقًا في روايته للحديث، وهذا منه شيء هام جدًّا؛ فإن كونه صادقًا فيه لا يمكن إثباته لمجرد كونه مسلمًا عدلًا، وإنما بالسبر لحديثه، والنظر في رواياته، ومقابلتها بروايات الثقات، أو بتوثيق من يعرف صناعة الحديث؛ كما ألمح إليه في جملته الأخيرة التي ختمها مؤكدًا ما ذكرت بقوله:
"في الرواية والدين معًا".
ولذلك قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه عليها:
"يريد ابن حبان أن التعديل للراوي يجب أن يكون من علماء الحديث الذين مارسوا صناعته، وعرفوا دقائق الراوية، ونقدوا الرواة على الميزان الصحيح في الجرح والتعديل، وأنه لا يكفي تعديل المعدِّلين الذين كانوا في العصور السابقة يعدلون الشهود للقضاة؛ إذ "ليس كل معدِّل من هؤلاء يعرف صناعة الحديث"
…
".
قلت: فقد التقى ابن حبان مع الجمهور في اشتراطهم في الراوي أن يكون معروفًا بالعدالة، وبالصدق في الرواية (1) على التفريق المتقدم بين راوي الحديث الصحيح، وراوي الحديث الحسن، وقد أكد ابن حبان ذلك بقوله في مقدمة "الضعفاء والمجروحين" (1/ 8):
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، المتعرِّي عن التدليس
…
".
ولذلك قال ابن حبان في الشرط الثاني المتقدم:
"الصدق في الحديث بالشهرة فيه".
قلت: فهذا وما قبله يناقض كل المناقضة قوله في مقدمة "الثقات"(1/ 13):
"فكل من ذكرته في كتابي هذا؛ إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها (2)؛ فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يعرف بجرح فهو عدل".
فإما أن يقال: إنه بنى كتابه "الثقات" على قاعدة، و"صحيحه" على قاعدة أخرى مخالفة، فتناقض، وهو من الأسباب التي حملت بعض الحفاظ إلى وصفه بالتناقض، إضافة إلى التساهل.
وإما أن يقال: إنَّه تبين له خطؤه في القاعدة الأولى، فتراجع عنها إلى
(1) انظر "فتح المغيث"(1/ 71)، و"تدريب الراوي"(1/ 64).
(2)
تقدم نقلها عنه (ص 12)؛ وهي خصال تتعلق بخبر الراوي؛ وليس بشخصه؛ خلافًا لِما نقله الحافظ عنه، كما سبق بيانه هناك، وإن كان فيه تعريف العدل عنده في آخر كلامه.