الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
2288 -
[2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ للَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا (1)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ،
ــ
في الشرع.
الفصل الثاني
2288 -
[2](أبو هريرة) قوله: (هو اللَّه الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم) كان ظاهر سياق الحديث أن يذكر الأسماء بطريق التعداد من غير إعراب، لكنه ذكرها بطريق التوصيف والإخبار توصيفًا له تعالى بالوحدانية، وإخبارًا عنه بصفات الكمال، وتعليمًا بطريق الإحصاء وذِكْرِ الأسماء ليفيد شوقًا وذوقًا وتيقظًا ولذةً بتوحيد اللَّه وصفاته، وإشعارًا بأن اللَّه اسم للذات، وهذه صفاته، ويحصل في ضمنه التعداد.
وقيل: لما ذكر أن للَّه تعالى كذا أسمًا، كأنه قيل: ما ذلك المسمى؟ وما تلك الأسماء؟ فقال: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء، فافهم.
وكلمة (هو) إشارة إلى الذات المجردة الهوية المطلقة، و (اللَّه) إشارة إلى المرتبة الجامعة للصفات مجملًا، و (الرحمن الرحيم) إلى تفاصيل الصفات واتصاف الذات بها مفصلًا، فهو لاتصال السر، واللَّه لمشاهدة الروح، والرحمن والرحيم لمكاشفة القلب. وللقوم في شرح (هو) كلمات وإشارات عجيبة يضيق عنها نطاق البيان، والَان نشرع في شرح الأسماء بتوفيق اللَّه وكرمه.
(1) في "التقرير": وفي الحديث إشكال أيضًا وهو أن تسعة وتسعين معدودة في الأولى، و"الحنان" و"المنان" الآتيان في الرواية الآتية لم يعدَّا منها مع أنهما من أسمائه تعالى؟ وأجيب عنه بأن الأسماء لا تنحصر في هذا العدد، نعم ينحصر الخصوصية في هذه، انتهى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعلم أن الشارح رحمه الله فسرها نقلًا عن كلام القاضي ناصر الدين البيضاوي في (شرح المصابيح)(1) بلا تغيير، وأضاف إليه من كلام الشيخ الإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوشّحها بالأشعار اللطيفة والحكايات الغريبة فأفاد وأجاد، ونحن اختصرنا كتاب الإمام العالم الرباني أبي حامد محمد الغزالي، وأضفنا إليه شيئًا قليلًا من الشرح وغيره، فليس لنا مجال أن نتكلم في هذا المقام إلا بالنقل من كلام العلماء الأعلام فنقول -وباللَّه التوفيق-:(اللَّه) اسم للموجود الحق الجامع للصفات الإلاهية المتفرد بالوجود الحقيقي، وكل موجود سواه إنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث ذاته هالك، ومن الجهة التي تليه موجود، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء معدوم في ذاته، إلا بوجوده الذي أفاض عليه، وهو عَلَم للذات الواجب الوجود المعبود بالحق غلب عليه باللام كالنجم والصَّعْق، وإله بمعنى المعبود مطلقًا، فهذا الاسم أخذ في مفهومه الجامعيةَ لجميع صفات الكمال، وسائرُ الأسماء لا يدل إلا على آحادها، لا يسمى غيره تعالى به لا حقيقة ولا مجازًا، وسائر الأسماء قد يسمى بها غير اللَّه تعالى ولو مجازًا، ولهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء، ووصف سائر الأسماء كالقادر والمريد بانها أسماء اللَّه تعالى وأضاف إليه، ولا يقال لهذا الاسم: إنه اسمها، ولا يضاف إليها.
ومعاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد ويتخلق بشيء منها حتى يطلق عليه الاسم، وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على اللَّه تعالى؛ لأن مفهوم هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فَانٍ وهالكٌ وباطل،
(1) انظر: "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" للبيضاوي (2/ 22 - 60).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يمكن اتصاف العبد بذلك، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، فحظ العبد من هذا الاسم التألّه، وأن يكون العبد مستغرق القلب والهمة باللَّه لا يرى غيره، ولا يلتفت إلى ما سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، اللهم اجعلنا مستغرقين في بحر ألوهيتك وَالهين، متألهين بك، متوجهين إليك، منقطعين عما سواك، يَا مَنْ كل شيءٍ يرجع إليه، وكل شيء صادر من لديه (1).
وقوله: (الرحمن، الرحيم) اسمان مبنيان للمبالغة من الرحمة، والرحمن أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه، ولهذا قال صاحب (الكشاف) (2): لما قال: الرحمن، تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردف الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطُف.
والرحمن مختص به تعالى لا يطلق على غيره وصار كالعَلَمِ، وإن كان صفة مشتقة من الرحمة قطعًا، ولهذا ذكر تِلو اللَّه، وجمع معه في قوله تعالى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110][فـ]ـكان المفهوم من الرحمن نوعًا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد دنيا وآخرةً فلا يلزم الترادف.
(1) قال القاري: (4/ 1563): ولهذه الكلمة مراتب، الأولى: أن يتكلم بها المنافق مجردًا عن التصديق، وذلك ينفعه في الدنيا بحقن دمه وحرز ماله وأهله. الثانية: أن ينضم إليها عقد قلب بمحض التقليد، وفي صحتها خلاف، والصحيح أنه صحيح. الثالثة: أن يكون معها اعتقاد مستفاد من الأمارات والأكثر على اعتبارها. الرابعة: أن يكون معها اعتقاد جازم من جهة قاطعة وهي مقبولة اتفاقًا. والخامسة: أن يكون المتكلم مكاشفًا بمعناها معاينًا ببصيرته، وهذه هي الرتبة العليا، انتهى.
(2)
"الكشاف"(1/ 8).
الْمَلِكُ،
ــ
قال الإمام الغزالي (1): الرحمة إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة اللَّه تامة عامة، تشمل المستحق وغيره وتعمُّ الدنيا والآخرة، وتتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما، فهو الرحيم المطلق حقًّا، والرحمة عبارة عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والرب تعالى منزه عنها، وذلك كمال في معنى الرحمة، فإن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يريد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه، فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة، وكمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم [لأجل المرحوم] لا لأجل استراحة نفسه من ألم الرقة، والعبد لما عرف أنه المنعم الحقيقي المُوْلي للنعم كلها عاجلها وآجلها وجب أن يتوجه بكليته إلى جناب رحمته، ويلتجئ فيما يعنُّ له من الحاجات إليه، ويشغل قلبه بالاستمداد به عن غيره، وهذا وجه التعلق بهذا الاسم والتخلق به: أن يرحم عباد اللَّه، وينظر إلى المعاصي بعين الرحمة دون الازدراء، ويجتهد في إزالة المنكر، ويسعى في سدّ خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته عناية بهم وإرادة الخير لهم، فظهر بما ذكرنا أن التعلق والتخلق كليهما جاز في الأسماء، وهكذا نشير في سائر الأسماء وإن لم يذكر، فلا تنس أنت ذلك واعتبر، واللَّه الموفق، اللهم يا رحمن يا رحيم ارحمنا، وأفض علينا جلائل نعمك ولطائفها، واجعلنا متعلقين بذيل رحمتك، واجعلنا مظهر رحمتك لعبادك يا أرحم الراحمين.
وقوله: (الملك) ذو الملك والقدرة على التصرف في الأشياء بالإيجاد والإعدام
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 62 - 63).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والإماتة والإحياء، وقالوا: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويَحتاج إليه كلُّ موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في وجوده ولا في بقائه، فكل شيء سواه فهو له مملوك، وإليه محتاج، وهو مستغنٍ عن كل شيء، متفردٌ بتقديره وتدبيره، ليس لحكمه مرد فهو الملك المطلق، والملك أبلغ وأخص من المالك إذ كلُّ ملكٍ مالكٌ من غير عكس، فإذا عرف العبد أن ما سواه مفتقر إليه مسَخّر لحكمه وقضائه وجب أن يتعلق بجناب قدرته وتصرفه، ويستغني عن الناس رأسًا، ولا يُظهر احتياجه إليهم قطعًا، ولا يخاف ولا يرجو أحدًا سواه، والتخلق بهذا الاسم أن يتصرف في مملكة نفسه وقلبه وقالبه حتى يملك جوارحه وقواه كلها ويطيعونه.
قال الإمام الغزالي (1): فمن ملكها ولم تملكه، وأطاعته ولم يعطها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس، واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة، فهو الملك في عالم الأرض، وذلك رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن اللَّه تعالى، واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن الاسترشاد، قيل لبعض الشيوخ: أوصني فقال: كن ملكًا في الدنيا [تكن ملكا في] الآخرة، معناه: اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا، فإن الملك في الحرية والاستغناء، انتهى.
اللهم يا مالك الملك تؤتي الملك من تشاء أعطنا من ملكك، وملّكنا في مملكتك، وارزقنا بقدرتك التصرف في نفوسنا وقلوبنا، وأعنّا حتى يطيعنا جميعُ جوارحنا وقوانا،
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 67).
الْقُدُّوسُ،
ــ
واقطع حاجاتنا وشهواتنا عن الدنيا وما فيها، واجعلنا من ملوك الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (القدوس) من القدس، وهو الطهارة والنزاهة من سمات النقص ولوازم الحدوث، بل المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، وقال بعض العارفين: إن تنزيهه تعالى من العيوب والنقائص يكاد يقرب من سوء الأدب، فليس من الأدب أن يقول قائل: مَلِكُ البلد ليس بحائكٍ ولا حجام، بل يقول: هو منزه من كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه الخلق كمالًا، فإنهم ما فهموا الكمال والنقص إلا من معرفة صفاتهم وأضدادها، فغاية ثنائهم على اللَّه سبحانه أن يصفوه بما عرفوا من معاني صفاتهم وينزّهوه عن أضدادها، واللَّه تعالى كما هو منزّه عن أوصاف نقصهم كذلك منزه عن أوصاف كمالهم، بل كل صفة يتصورها الخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ونصيب العبد من هذا الاسم أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بعد العروج من عالم الحسِّ والخروجِ عن الحظوظ الجسمانية، وتصفية القلب وتنزيه الباطن عن كل ما سوى الحق.
قال الإمام الغزالي (1): قُدُس العبد أن ينزه إرادته وعلمه، أما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكلِّ ما يشاركه فيها البهائم من الإدراك، ويكون تردّد نظره وتطواف فكره حول الأمور الإلهية الكلية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة، ويقتني من العلوم ما لو سلبت آلة حسه وتخيله بقي ريَّانًا بالعلوم، وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 68 - 69).
السَّلَامُ،
ــ
إلى لذة الشهوة والغضب، بل لا يبقى له حظ إلا في اللَّه، ولا يكون له شوق إلا إلى لقاء اللَّه، ولا فرح إلا في القرب من اللَّه، اللهم قدِّسنا عن كل صفة رديئة، وطهِّر ظواهرنا وبواطننا عن الركون إلى ما سواك، حتى لا يبقى لنا حظ إلا فيك، ولا شوق إلا إلى لقائك، ولا فرح إلا في القرب منك، آمين.
وقوله: (السلام) مصدر نُعِتَ به، وهو الذي يسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، أي: الشرِّ المطلق المراد لذاته، لا لخيرٍ حاصلٍ في ضمنه أعظم منه، فأفعال اللَّه تعالى سالمة عن الشر؛ لأنه رحيم يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، ولو رفع الشر لبطل الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، والمراد الأولُ السابقُ إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، فلذلك قال:(سبقت رحمتي على غضبي)، فالسلامة مطلوب لذاتها، والقطع مطلوب لغيره، فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعَرَض.
قال الإمام الغزالي (1): وإن خطر ببالك نوع من الشر لا ترى تحته خيرًا، أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكنًا لا في ضمن الشر، فاتَّهم عقلك القاصر في [أحد] الخاطرين، أما الأول: فإنك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرًّا محضًا، ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصًا شرًا محضًا، وأما الثاني: فإنه دقيق غامض يقصر عنه الأكثرون، وتحته سِرٌّ يمنع عن إفشائه فاقنع بالإيماء، ولا تطمع في الإفشاء، انتهى.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 65).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولعل ذلك السر الذي يمنع عن إفشائه: أنه لابد حينئذٍ أن يبين أنه لا بد من وجود الشر، ولا يكون خير محض لا يكون في ضمن الشر، ويتوهم من ذلك عدم قدرة الحق سبحانه على إيجاد الخير بدون الشر يكون الخير في ضمنه، ويتوهم أن إيجاد الشر شر وإن كان في ضمنه خير، والكمال إيجاد الخير المحض لا في ضمن الشر، وحله: أن ذلك مقتضى الصفات القهرية، فلا بد من ظهورها، والكمال المطلق الاتصافُ بكلا النوعين من الصفات اللطيفة والقهرية، والجمالية والجلالية، وهو ذو الجلال والإكرام، وإن يظهر آثار كل منها فلا بد أن تقع تلك الشرور الظاهرة، ولكن لطفه ورحمته سابقة على غضبه وقهره، فالسابق في الإرادة أولًا وبالذات الخير الذي في ضمنها، وليس هذا سر يمنع في الشرع ذكره، فإن صاحب الشرع يقول: الخير والشر كلاهما مخلوق اللَّه، ولكن مقتضى رحمته أن في ضمن الشر الخير، واللَّه أعلم.
وقال الطيبي (1) في الفرق بين القدوس والسلام: إن القدس يدل على براءة الشيء عن نقص يقتضيه ذاته وطهارته في نفسه، ولذا جاء الفعل منه على باب كرُم وشرف، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة، وقد قيل: القدوس فيما لم يزل، والسلام فيما لا يزال، وهذا قريب من الأول.
هذا وقد يُجعل بمعنى المسَلِّم على المؤمنين كما قال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58].
قال الإمام (2): وكل عبد سَلِم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبُه، وسلم من الآثام والمحظورات جوارحُهُ، وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته، فهو الذي
(1)"شرح الطيبي"(5/ 16).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 70).
الْمُؤْمِنُ،
ــ
يأتي اللَّه بقلب سليم، وهو السلام من العباد والمشرف بالقرب من جناب الإسلام المطلق الذي لا مثنوية في وصفه، والمراد بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسِيرَ شهوته وغضبه، والحق عكسه، وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعَه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يكون الأمير مأمورًا والملك عبدًا، ولن يُوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من يده ولسانه، اللهم أنت السلام ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، واجعلنا سالمين عن الانتكاس والانعكاس حتى نأتيك بقلب سليم.
وقوله: (المؤمن) مفيد الأمن للبَرِيَّة بخلق أسباب الأمان والآلة؛ كالأعضاء والحواس، وسائر الأسباب من الأغذية والأدوية والبيوت والحصون والأسلحة والجنود والأعوان والأنصار، والعبد في أصل فطرته هو عرضة المخاوف والمهالك من الجوع والعطش والأمراض والأعداء وسائر الآفات، فإذا خلق تلك الأسباب فقد آمنهم منها، هذا في الدنيا، وآمنهم من آفات الآخرة بكلمة التوحيد حيث قال:(لا إله إلا اللَّه حِصني فمن دخل حِصني أَمِنَ عذابي)، بل هو حصن من آفات الدنيا والآخرة، وهذا في ذوي الأرواح، وكذلك في ما سواهم ربط بقاءها بأسباب توجب أمانها من الهلاك والعدم.
والكل عرضة لذلك، فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد بخلقها، والهدايةِ إلى استعمالها، فهو المؤمن المطلق، ومن جملة إفادة الأمن ما لقّنهم خاصة من الحجج والبراهين على صدق الدين وأنوار اليقين بحفظ الإيمان وتأييدات التوفيق للحفظ والعصمة عن المعاصي، وقد يُجعل المؤمن بمعنى: مصدّق رسله بكلامه وبخلق المعجزات.
ومن حق العبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو المؤمن أن يلتجئ إليه ويستأمن به
الْمُهَيمِنُ،
ــ
من جميع الآفات الظاهرة والباطنة، والتخلقُ به: أن يأمن الخلق جانبه، ويعضدهم في دفع الهلاك عنهم في دينهم ودنياهم، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببًا لأمن الخلق من عذاب اللَّه، بالهداية إلى طريق الحق والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهذه حرفة الأنبياء والعلماء.
واعلم أن اللَّه تعالى كما هو مؤمن يخلق أسباب الأمن، كذلك هو مخوفٌ يخلق أسباب الخوف، وكونه مَخُوفًا لا يمنع كونه مؤمنًا، كما أن كونه مُعزًّا لا ينافي كونه مذِلًّا، ولكن المخوف لم يَرِدْ به التوقيف.
اللهم آمنا من عذابك ومن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، واجعلنا سببًا لأمان خلقك في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (المهيمن) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، يقال: هيمن على كذا: صار رقيبًا عليه وحافظًا، كذا في (القاموس)(1)، والفرق بينه وبين الرقيب لما فيه من المبالغة ما ليس في الرقيب.
وقال الغزالي (2): معناه في حق اللَّه تعالى أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطِّلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرفٍ على كنه الأمر مستولٍ عليه حافظ له فهو مهيمن عليه، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا للَّه عز وجل، وينبغي للعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى مهيمن ورقيب على أحواله الظاهرة والباطنة أن يراقب هذا المعنى فيها فيكون مستحيًا من اللَّه.
وهذا المعنى يسمى مراقبة في لسان القوم، والتخلق به أن يراقب قلبه ويشرف
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1142).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 72).
الْعَزِيزُ،
ــ
على أغواره وأسراره، ويستولي على تقويم أحواله وأوصافه، ويقوم بحفظه على مقتضى تقويمه، فإذا فعل ذلك صار مهيمنًا بالنظر إلى نفسه، فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ عباد اللَّه على نهج السداد كان حظه من هذه الصفة أوفر وأتم، اللهم يا من هو الرقيب الناظر المطلَّع على السرائر والضمائر اجعلنا مراقبين بعلمك ونظرك إلى أحوالنا في الباطن والظاهر، ووفقنا لمراقبة أحوال قلوبنا وتقويمها على نهج الاستقامة، واجعلنا مهيمنين على نفوسنا وتزكيتها عما يوجب الملامة والغرامة، وقائمين بحفظ العباد على نهج السداد والرشاد.
وقوله: (العزيز) الغالب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، والقوي الشديد، ومنه قوله تعالى:{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} [يس: 14]، أو عديم المثل، والعزيز كثير استعماله في هذه المعاني.
وقال الإمام الغزالي (1): هو الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع فيه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده لكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزًا، وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن [إذا] لم يصعب الوصول إليه لا يسمى عزيزًا؛ كالشمس والأرض لا نظير لهما، وفي كل واحد منهما نفع عظيم، والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة؛ لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما، وليست هذه الصفات الثلاث على الكمال إلا للَّه، فهو العزيز المطلق لا يوازيه فيه غيرُه، انتهى.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 73).
الْجَبَّارُ،
ــ
ومن عرف أن اللَّه هو العزيز من شأنه أن لا يعتقد لمخلوق عزة وإجلالًا، ولا يطلب العزّ إلا في طاعته وخدمته، والتخلق للعبد فيه أن يغلب على نفسه [و] هواها، ويشتد قوته وصولته عليها، ولا يذلها ولا يستهنيها بالمطامع والسؤال عن الناس والافتقار إليهم، بل يسعى أن يصير بحيث يعظم خطره، ويشتد إليه احتياج الناس في الإرفاق والإرشاد، ويصير قليل المِثْل بل عديمَه، ويصعب الوصول إليه وإلى معرفة كنه حاله.
قال الإمام الغزالي (1): العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق اللَّه في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية، وذلك مما يقلُّ لا محالة وجوده ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، ويشاركهم في العزة من ينفرد بالقرب من درجتهم كالخلفاء وورثتهم من العلماء، انتهى.
وأقول: وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، واجعلنا غالبين على النفس بكسر شهواتها عزيزًا في الدنيا والآخرة، إنك أنت العزيز الحكيم.
وقوله: (الجبار) المبالغ في الجبر، والجبر يجيء بمعنى الإصلاح وبمعنى القهر، وقد يستعمل بمعنى العلوّ، يقال: نخلة جبارة، للباسقة التي لا تنالها الأيدي، فمعنى الجبار: المصلح لأمور العباد، والمتكفل بفضله لمصالحهم، أو الحامل للعباد على ما يشاء، لا انفكاك لهم عما شاء، أو المتعالي أن يناله كيد الكائدين، ويؤثر فيه قصد القاصدين، وبالنظر إلى المعنيين الأخيرين قال الغزالي: هو الذي ينفّذ مشيئته على
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 74).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[سبيل] الإجبار في كل أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، الذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، والجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلوّ رتبته بحيث يُجْبِرُ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به، ومتابعته في سَمْته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويستتبع ولا يتبع، ولا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه، ولا يطمع [أحد] في استتباعه، وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال:(لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي)(1)، انتهى.
وهذا إشارة إلى بيان التخلق بهذا الاسم، وتفصيلُه: أن يُقبل العبد على نفسه، فيَجْبُرَ نقائصها باستكمال الفضائل، ويَحملَها على ملازمة التقوى، والمواظبةِ على الطاعة، ويترفع عما سوى الحق غيرَ ملتفت إلى الخلق، فلا يتأثر عن تعاور الحوادث وتعاقب النوازل عن الخلق ونزول الحوادث، بل تقوى على التأثير في الأنفس والآفاق بالإرشاد والإصلاح، وإذا عَرَفَ أن اللَّه هو مصلح الأحوال وجابر القلوب فلا يتوجه إلا إليه، ويكون دائمًا منكسر القلب ملتجئًا إليه تعالى، وإذا عرف أنه الجبار الحامل للعباد على ما يشاء لا محيص لهم عما يشاء يكون راضيًا بفعله، ومستسلمًا لإرادته، قانتًا عن حوله وقوته، وتاركًا لتدبيره واختياره، ومن عرف أنه لا تناله الأيدي بعلوّ قدره يتحقق أنه لا سبيل إليه إلا بفضله وكرمه، ولا وصول إليه إلا بإيصاله وتقريبه، اللهم يا مصلح الأحوال ويا جابر القلوب المنكسرة أصلح أحوالنا، واجبر كسر بالنا، واجعلنا راضين بفعلك مسلمين لإرادتك، وأوصلنا إلى علوّ جنابك، فلا وصول إليك إلا بفضلك وكرمك، إنك على كل شيء قدير.
(1) أخرجه أحمد في "مسنده"(14631)، والبيهقي في "الشعب"(175)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(26421).
الْمُتكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ،
ــ
وقوله: (المتكبر) هو الذي يرى غيره حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى الكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبد، ولا يصح ذلك إلا على الكبير على الإطلاق حقًّا، وهو اللَّه تعالى عز وجل، ومن عرف كبرياء الحق وعلوَّ قدره لازَم طريق التواضع، وسلك سبيل التذلل. والتخلق فيه: أن يَستحقِرَ كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة، ويترفَّع عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزخارفها بملاحظة علو شأن الإنسانية، وارتفاع قدرها، لا لتعظيم نفسه وذاته، اللهم صغر الدنيا بأعيننا، وعظم جلالك في قلوبنا، وذللنا عند مشاهدة كبريائك وعظمتك، وكبرنا عند ملاحظة المتكبرين، وصغرنا مع المساكين والمنكسرين.
وقوله: (الخالق، البارئ، المصور) قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، فإن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، وليس كذلك، فإن الخلق هنا بمعنى التقدير، والبرء بمعنى الإيجاد، والتصوير إعطاء الصورة، وكلُّ ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى التقدير أولًا، وإلى الإيجاد ثانيًا، وإلى التصوير ثالثًا؛ كالبناء مثلًا، فاللَّه تعالى خالق من حيث إنه مقدِّر، وبارئ من حيث إنه مخترع موجد، ومصوِّر من حيث إنه مرتب صور المخترعات، وهذا ظاهر في أجزاء العالم كالإنسان وسائر الحيوانات والنباتات والجمادات وأجزائها وأعضائها، بل العالم كله في حكم شخص واحد من أجزاء وأعضاء، قد رتبت أجزاؤه ترتيبًا محكمًا، وصورت صورة بديعة، وفي جميع ذلك حِكَم ومصالح تُحَيِّر الناظر المتأمل فيها قائلا:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191]{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]، وينبغي أن يُديم هذا النظرَ حتى يحصِّل مشاهدة الصانع بحيث يصير كلما نظر إلى شيء وجد اللَّه عنده.
الْغَفَّارُ،
ــ
قال الإمام الغزالي (1): حظ العبد من اسم المصور بأن يحصِّل في نفسه صورة الموجود كله على هيئته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم كله، كأنه ينظر إليها، ثم ينزل من الكل إلى التفاصيل من الجسمانيات والروحانيات، وبذلك يستفيد العلمَ بمعنى اسم المصور، ويصير أيضًا باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصوِّر وإن كان على سبيل المجاز، فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق اللَّه تعالى واختراعه لا بفعل العبد، ولكنْ للعبد سعيٌّ في التعرض لنفحات اللَّه وفيضانه.
وكذلك اسم الخالق والبارئ لا مدخل للعبد أيضًا فيهما إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، ووجهه: أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق اللَّه تعالى له علمًا وقدرة، وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات والعبادات، وإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه [مبلغًا] ينفرد [فيه] باستنباط أمور لم يُسبق إليها [كان كالمخترع لمَا لم يكن له وجود من قبل]. ومن أسماء اللَّه تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازًا وهو الأكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقةً وفي حق اللَّه مجازًا، كالصبور والشكور، ولا ينبغي أن تُلاحظ المشاركة في الاسم، ويُذهَل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه، انتهى.
وقوله: (الغفار) الغفر: الستر، واللَّه تعالى ساتر القبيح ومظهر الجميل، والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإرسال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، ومن جملة ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 78، 79).
الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ،
ــ
في باطنه مغطّاة بجمال ظاهره، وأن جعل مستقرَّ خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سر، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ينطوي عليه ضميره من القبائح لَمَقتوه وأهلكوه، وقد علم بما ذكر أن معنى الغفار والستار واحد، ولكن ليس في هذه الرواية اسم الستار، فلا يحتاج إلى ذكر الفرق بينهما، ولو كان مذكورًا لحملنا الغفار على مغفرة الذنوب، والستارَ على ستر العيوب:
ووجه التخلق بهذا الاسم ظاهرٌ وهو أن يستر عن غيره ما يجب أن يُستر منه، ولا يكافئَ على الإساءة، ولا يُظهر من الخُلق إلا ما هو أحسن منه، اللهم إنك قد سترت علينا المعصية فاسترها عنَّا، وأرسل أستار حفظك بيننا وبين المعاصي حتى لا يجيء إلينا، فهذا هو الستر القوي والفضل العظيم.
وقوله: (القهار) الذي قصم ظهور الجبابرة وأذلهم وأهلكهم، والذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، بل لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه عاجز في قبضته، كما قال تعالى:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، ومَن عَرف أنه القهار خشي بغتاتِ مكره وفجاءةَ قهره، فيكون خائفًا وَجِلًا ملتجئًا إلى جناب لطفه وكرمه، [و] القهار من العباد من قهر أعداءه من الجن والإنس والشياطين، وسدّ مداخلهم حتى لا يُخرجوه عن سلوك طريق الحق، وأعدى عدوِّه نفسُه التي بين جنبيه، اللهم سخّر لنا أعداءنا، وذلّلهم واقهرهم، وسخّر لنا نفوسنا حتى تصير مطيعة لأمرك، ومستسلمة لحكمك، ومطمئنة بذكرك، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (الوهاب) كثير الهبة، دائم العطاء، والهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن المعطي لغرضٍ مستعيضٌ وليس بواهب، وهو بمعنى
الرَّزَّاقُ،
ــ
الجواد، لكنه لم يَرِدْ في هذه الرواية، ولن يتصور الجود والهبة حقيقةً إلا من اللَّه تعالى؛ فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه وأكثر وأزيَد من ذلك، لا بعوضٍ ولا لغرضٍ عاجل ولا آجل، والعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو الوهّاب يرجو ويسأل من فضله، ولا يرجو غيره ولا يسأل من غيره، ولا يتوقع إلا من اللَّه.
وأما التخلق بهذا الاسم فلا يتصور من العبد الجود والهبة الحقيقية؛ فإنه ما لم يكن الفعل أولى عنده من الترك لم يقدم عليه، فيكون فعله لغرض نفسه، لكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروحَ لوجه اللَّه تعالى فقط، لا للوصول إلى نعيم الجنة، أو الحذر من عذاب النار، أو لحظٍ عاجلٍ أو آجل مما يعدّ من حظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمى وهّابًا وجوادًا، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة، ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة، وقد فصَّل الإمام هذا الكلام تفصيلًا في (المقصد الأسنى)(1) فليُنظر ثمة.
ولا يكمل معنى الهبة والجود لعبد من عباد اللَّه إلا لسيد البشر صلى الله عليه وسلم، فإنه أعطى وأنعم بإذن اللَّه تعالى من غير غرض ولا لعوض، بل لمحض امتثال أمر اللَّه، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، يا وهاب هب لنا من لدنك رحمة، وهَيِّئْ لنا من أمرنا رشدًا، إنك أنت الوهاب.
وقوله: (الرزاق) خالق الأرزاق وأسبابِها، وموصلُها إلى العباد، والأرزاق قسمان: محسوسة ومعقولة، فالمحسوسة للأبدان، والمعقولة للقلوب، وقد قسمها بين عباده {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: 62]،
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 82).
الْفتَّاحُ،
ــ
ومن عرف أن اللَّه هو الرزاق فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه، فيكِلُ أمره إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وأما التخلق به فبأن يجعل يده خزانة أرزاق الأبدان، ولسانَه خزانة أرزاق القلوب، فيكون واسطة بين الرب تعالى وعباده في وصول الأرزاق الجسمانية والروحانية بصرف المال والإرشاد والتعليم ودعاء الخير وغير ذلك، ومن رزق ذلك نال حظًا وافرًا من هذا الاسم، اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا من فضلك وكرمك، رزقًا لا ينفد ولا يزول، واجعلنا سبب إرزاقك لعبادك الصالحين، أنت الرزاق ذو القوة المتين.
وقوله: (الفتاح) الفتح ضد الغلق، فالفتاح هو الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: معناه: الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم، قال اللَّه تعالى:{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} [الأعراف: 89] أي: احكم، وقال:{ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]؛ لأن الحكم فتح الأمر المغلق بين الخصمين، وقيل: هو مبدع الفتح والنصر، قال اللَّه تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].
وقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]، وقيل: الفتاح الذي فتح قلوب المؤمنين بمعرفته، وفتح على العاصين أبواب مغفرته، وبالجملة هو اسم جامع لفتح أبواب الخيرات وإفاضة أنواع البركات.
وقال الإمام الغزالي (1): هو الذي ينفتح بعنايته كلُّ منغلِق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]، وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 86).
الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ،
ــ
إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه، ويقول:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2]، ومَنْ بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتّاحًا، ومن عرف أنه الفتاح فأدبه أن يجلس على باب كرمه بحسن الرجاء منتظرًا لفتحه، ويكون دائم الترقب لحصول فضله، ومتطلعًا لنيل كرمه، تاركًا للاستعجال، ساكنًا تحت جريان الحكم، والتخلق [به]: أن يكون يسعى في الفصل بين الناس، وانتصار المظلومين، وفتحِ ما يتغلَّق على الخلق، وتيسير ما يتعسر عليهم من الأمور الدينية والدنيوية، ويكون بلسانه بحيث ينفتح مغاليق المشكلات العلمية والمعارف الإلهية.
اللهم افتح علينا أبواب فضلك ورحمتك، واجعلنا حاكمين على أنفسنا بإيضاح الحق وإدحاض الباطل، واجعل ألسنتنا مفاتيح أبواب المعارف، وأيدينا خزائن الأرزاق، إنك أنت الفتاح على الإطلاق.
وقوله: (العليم) بناءُ مبالغةٍ من العلم، وعلمه تعالى محيط بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها، عاقبتها وفاتحها، وليس علمه مستفادًا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه، وسابق على الأشياء وسبب لها، وعلم العباد بخلاف ذلك، وحظ العبد أن يكون مشغوفًا بتحصيل العلوم الدينية خصوصًا المعارف الإلهية منها المتعلقة بذاته وصفاته، فإن شرف العلم بشرف معلومه، وأشرف المعلومات ذات اللَّه وصفاته، بل العلم بسائر الأشياء إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال اللَّه تعالى، أو معرفة إلى معرفة القرب منه، وكل معرفة خارجة منها فليس لها شرف، اللهم ارزقنا علمًا نافعًا وزدنا منه، وعلمنا من لدنك علمًا علمته عبادك المقربين، إنك أنت العليم الحكيم.
وقوله: (القابض، الباسط) يقبض الرزق على من يشاء، ويبسط لمن يشاء، حسيًّا
الْخَافِضُ، الرَّافِعُ،
ــ
أو معنويًّا، ويقبض الأرواح عن الأشباح عند الإماتة، ويبسط الأرواح -أي ينشرها فيها- عند الإحياء، ويمكن أن يعتبر ذلك في النوم والاستيقاظ، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من صفات جلاله، [و] يبسطها بصفات جماله.
وقيل: يقبض الصدقات عن الأغنياء، ويبسط الأرزاق للفقراء.
ومن عرف اللَّه أنه القابض والباسط رأى القبض عدلًا منه فيصبر، والبسطَ فضلا منه فيشكر عليه.
قال الإمام الغزالي (1): القابض والباسط من العباد من يبسط قلوب العباد بما يبشرهم به من آلاء اللَّه ونعمائه، ويقبضها بما ينذرهم بها من جلال اللَّه وكبريائه، وفنون عذابه وبلائه، وقيل: يكون ذا قبض وضنَّةٍ على الأسرار الإلهية على غير أهلها، وبسطُه إفاضة لها على أهلها.
وللقوم كلام في معنى القبض والبسط وآدابهما، وقد أوردت منه في شرح (فتوح الغيب) لسيدنا ومولانا القطب السامي محي الدين عبد القادر الجيلاني رحمه الله ناقلًا من كلام السيد الأستاذ القطب أبي الحسن الشاذلي على ما نقله الشيخ الولي العارف باللَّه علي المتقي ما لا يُرى ذلك التفصيل في كتبهم فعليك بها.
اللهم ألهمنا من علومك بدائع الحكم، وأعطنا جوامع الكلم، نذكِّر عبادك بها، فنبسط قلوبهم ونقبضها بالبشارات والنذارات، بأوضح العبارات وأدق الإشارات، وأنت القابض الباسط.
وقوله: (الخافض، الرافع) يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، ويرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، وقيل: يخفض القسط ويرفعه،
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 88).
الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ،
ــ
ولما عرف العبد أن اللَّه تعالى هو الخافض والرافع التجأ إليه واستعاذ به أن يخفضه ويجاوره الأشقياء، ودعا وسأله أن يرفعه ويرزقه مصاحبة السعداء.
وحظ العبد من ذلك: أن يخفض الباطل ويرفع الحق، ويعاديَ أعداء اللَّه ليخفضهم، ويواليَ أولياء اللَّه ليرفعهم، ومن أفضل الأعمال الحبُّ للَّه والبغض للَّه، كما ورد في الكلام القدسي:(أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة [نفسك]، وأما ذكرك إياي فقد تشرفت بي، فهل واليت لي وليًّا؟ وهل عاديت لي عدوا؟ (1)).
اللهم ارفعنا ولا تخفضنا، وانصرنا ولا تخذلنا، وأعطنا ولا تحرمنا، لنرفع الحق وأهله، ونخفض الباطل وحزبه، يا ناصر يا معين يا حق يا مبين.
وقوله: (المعز، والمذل) يعز من يشاء، ويذل من يشاء، قال الغزالي (2): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عمن يشاء، والعز الدائم والملك الحقيقي في الخلاص عن ذل الحاجة وأسر النفس وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته، ورزق القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد.
حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وآتاه الملك عاجلًا وآجلًا، ومن مدّ عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالقناعة، واستدرجه بمكره حتى اغترّ بنفسه. وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذلّه وسلبه الملك، انتهى.
(1) هكذا أورده الدينوري في كتابه "المجالسة وجواهر العلم"(3/ 336، و 7/ 142) عن الفضيل وابن المبارك.
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 89).
السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ،
ــ
وهذا هو الإعزاز أو الإذلال الحقيقيين الروحانيين (1)، وقد يشمل الإعزاز والإذلال الحسيين الجسمانيين؛ كالقوة والجمال، والجاه والمال وشرف النسب، والتظاهر بالأتباع والأنصار وأضدادها، إن ظهر نفع ذلك وضرره في الدين ويبقى أثره في المسلمين، وحظ العبد: أن يسأل اللَّه التوفيق لِمَا يعزه وهو الطاعة، ويستعيذ به من موجبات الإذلال أعني المعصية، وأن يعز الحق وأهله، ويذل الباطل وحزبه، كما عرفت في الخافض والرافع.
قال بعض المشايخ: ما أعز اللَّه عبدًا بمثل ما يرشده إلى ذل نفسه، وما أذل اللَّه عبدًا بمثل ما يردُّه إلى توهم عزّه، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلّنا بمعصيتك، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام.
وقوله: (السميع البصير) هما صفتان للَّه تعالى تنكشف بهما المسموعات والمبصَرات انكشافًا تامًا من غير احتياج إلى حاسة وآلة، وهو الأكمل؛ لأن الجوارح والآلات معرَّضة للتغير والآفات، وهذا محل الحذر عن التشبيه، ولما ثبت تنزيهه تعالى عن صفات الجسم ثبت أنه منزَّه عن ذلك، ومن عرف أنّ اللَّه تعالى سميع بصير فلا يتكلم إلا بما يرضاه، ولا يتحرك إلا في رضاه، ويلزم دوام المراقبة ومطالبةَ النفس بالمحاسبة، وإليه الإشارة بقوله:(فبي يسمع وبي يبصر).
والتخلق بهذين الاسمين: أن يسمع كلام اللَّه وكتابه العزيز الذي أنزله فيستفيد به الهداية، ويسمع الحق فيتبعه، ويبصر عجائب ملكوت السماوات والأرض فلا يكون نظره إلا عبرة، اللهم ارزقنا سمعًا نسمع به كلامك، وبصرًا نبصر به آياتك، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، إنك أنت السميع البصير.
(1) كذا في المخطوطة، والظاهر أنهما الحقيقيان والروحانيان.
الْحَكَمُ،
ــ
وقوله: (الحكم) الحاكم الذي لا مردّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه، في (القاموس) (1): الحُكم: القضاء، وقال الغزالي (2): ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسبَّبات حكمُه، ونصبُه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات والكواكب وحركاتها المتناسبة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12]. وتوجيهُ هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدرُه، فالحكم هو التدبير الكلي والأمر [الأزلي] الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ومَثَّلَ لذلك بصندوق الساعات التي بها يعرف أوقات الصلوات، وبيَّنه بما لا يخلو ذكره عن تطويل.
وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه، وينقاد لأمره، ويرضى بقضائه، والتخلق: أن يحكم العبد ويقضيَ على نفسه بتدبير الرياضات والمجاهدات، وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدنيا والدين، ولذلك استخلف اللَّه عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون، وهذا بحكم الظاهر، والكل على حسب قضاء اللَّه وقدره، وتدبير العبد أيضًا بتقدير اللَّه.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1011).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 92).
الْعَدْلُ،
ــ
اللهم يا من لا مَرَدّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه بعطائه وبلائه، رضينا بقضائك وتقديرك، واعزلنا عن تدبيرنا لأنفسنا بتدبيرك، واجعلنا مستسلمين لحكمك منقادين لأمرك، وأخرجنا عن القلق والتحير في بادية القضاء ودائرة التكليف حتى نكون مسلمين مستسلمين محكومين لحكمك، وحاكمين على أنفسنا بأمرك، وأنت أحكم الحاكمين.
وقوله: (العدل) بمعنى العادل مصدر نعت به للمبالغة، والعدل يجيء بمعنى ضد الجور والظلم وبمعنى الاستقامة والاعتدال، والمعاني الثلاثة قريبة، فهو سبحانه لا يميل عن طريق الحق في أفعاله، ولا يظلم عباده؛ لأنه الحق، والكل ملكه، وكل أفعاله مستقيم واقع على ما ينبغي، متضمن لحِكَم لا تُعدّ ولا تحصى، كما قال تعالى:{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} الآية [الملك: 3]، ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض، وطالع آيات اللَّه في الأنفس والآفاق، كما في ترتيب الأجرام العلوية والسفلية، وأجزاءِ الإنسان وأعضائه، وباقي أوضاع المخلوقات وأحوالها وصفاتها، عرف أن الكل واقع على ما ينبغي أن يكون عليه، وقد فصَّل بعضها الإمام الغزالي.
فينبغي للعبد أن لا يعترض على اللَّه سبحانه في تدبيره وحكمه، بل يرى الكل منه حقًّا وعدلًا، وينبغي أن يعدل فيما بين الناس، خصوصًا فيمن كان من رعيته وفي مملكة وجوده [و] يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت سياسة العقل والدين ومنقادين لهما، ويقوِّم أفعاله ليستقيم على حد التوسط بين الإفراط والتفريط الذي هو معنى العدالة، وتنكشف له معرفة الحق وعدالة أفعاله مشاهدة وعيانًا على قدر التصفية والتجلية، وأنّى يفتح ذلك لمن استغرقه هَمُّ الدنيا واستعبده الهوى.
اللهم افتح علينا أبواب حكمتك، وأقمنا في مقام العدل والاستقامة مائلًا عن الزيغ والظلم على أنفسنا، وأرنا ملكوت السماوات والأرض لنكون من الموقنين.
اللَّطِيفُ،
ــ
وقوله: (اللطيف) قيل: معناه المُلْطف، كالبديع بمعنى المبدع، وقد اختلف في مجيء فعيل بمعنى مُفْعل، وقيل: العليم بخفيات الأمور ودقائقها وما لَطُفَ منها، وهو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح، وإيصالها إلى من قدَّرها، قال الإمام الغزالي (1): إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دقّ منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تمّ معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك إلا للَّه تعالى، أما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل تحت الحصر، ولا يعرفه إلا من عرف تفاصيل أفعاله، وعرف دقائق الحكمة، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة لمعنى اسم اللطيف.
ثم نبّه الإمام على بعض أمثلته وجُمَله؛ كلطفه في خلقه الجنينَ إلى آخر عمره، وفي إيصال الغذاء إلى الآدمي، وكإخراج اللبن الصافي بين الفرث والدم، وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار، وإخراج العسل من النحل، والإبريسم من الدود، والدر من الصدف.
قال: وأعجب من ذلك خلقُه من النطفة القذرة مستودعًا لمعرفته وحاملًا لأمانته ومشاهدًا لملكوت سماواته، وهذا مما لا يمكن إحصاؤه، ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلّفهم دون الطاقة، وأنه يسَّرَ لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة، وهي العمر، بل في ساعة لطيفة كمن آمن ومات من ساعته، وحق من عرفه لطيفًا وعالمًا بمكنونات الضمائر، وموصلًا إليه جلائل النعم برفق، أن يشكره ويعترف بتقصيره.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 101).
الْخَبِيرُ،
ــ
والتخلق به: أن يلطف بعباده ويرفق بهم في الأرفاق الحسية الدنيوية والمنافع الروحانية الدينية، كالدعوة إلى اللَّه والإرشاد إلى طريقة الحق برفقٍ ولطفٍ وموعظةٍ حسنة، وشمائل مَرْضية، وأعمال صالحة، يا لطيف الطف بي وبوالدي وأولادي في جميع الأحوال كما تحب وترضى، واعف عنا، وعاملنا بلطفك الجميل يا لطيف:
والطف بعبدك في الدارين إن له
…
صبرًا متى تدعه الأهوال ينهزمِ
وقوله: (الخبير) هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلا ويكون عنده منه خبر، ويرجع معناه إلى معنى العليم إلا أن يخص بالأخبار كما أشير إليه.
وقال الغزالي (1): وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبْرةً، ويسمى صاحبها خبيرًا، هذا وقد يجعل الخبير بمعنى المخبر، أي: المتمكن من الإخبار عما علمه، ويرجع إليه صفة الكلام، ومن عرف أن اللَّه تعالى خبير لزم التقوى ظاهرًا وباطنًا، ومن عرف أنه مطلع على سرّه اكتفى عن سؤاله لعلمه بحاله وشأنه، أو أحضر الحاجة بقلبه من غير أن ينطق بلسانه.
والتخلق به: أن يكون خبيرًا بما يجري في عالمه وقلبه وبدنه، ويكون ذا خبرة بالغة عن مكايد نفسه ومكرها وخدعها ذا حذر منها، وعلى المعنى الثاني أن يكون مخبرًا بها للناس، ومنذرًا وداعيًا إلى طريق النجاة منها، اللهم أنت العليم الخبير بظواهرنا وبواطننا فأصلحها، ووفقنا للاختيار عن أحوال نفوسنا حتى تتزكى، وصفات قلوبنا حتى تتطهر، واجعلنا مخبرين بها الخلق داعين لهم إلى طريق الحق، يا عليم يا خبير.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 103).
الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ،
ــ
وقوله: (الحليم) هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على استعجال العقوبة ومسارعة الانتقام مع غاية الاقتدار على ذلك، واللَّه هو الحليم على الإطلاق؛ فإن العبد قد لا يستعجل العقوبة لكن يكون على عزمها بالحقد، قال بعضهم: الحقود يؤخر الانتقام انتهازًا للفرصة، والحليم يؤخره انتظارًا للتوبة، وقد وصف تعالى ذاته بالانتقام أيضًا، فحق العبد أن يخاف من انتقامه، ويرجو العفو لحلمه؛ لأنه إذا حلم عنه في الحال فيرجى أن يغفر له في المآل. ووجه التخلق به ظاهر.
يا حليم ذا الأناة جنبنا عن غضبك، ولا تغرَّنا بحلمك، وأوقفنا في مقام خوفك ورجائك، واجعل عاقبة أمورنا العفو والمغفرة، إنك أنت الحليم الغفور.
وقوله: (العظيم) الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة، والعظيم قد يطلق على الأجسام فيقال: هذا الجسم عظيم، وذلك أعظم منه، إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه، ثم هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منه مأخذًا كالجمل والفيل مثلًا، وإلى ما لا يحيط البصر بجميع أطرافه كالأرض والسماء، وهذا أعظم من الأول، وقد يطلق على مدركات البصائر، وفيها أيضًا تفاوت، فمنها ما يحيط العقل بكنه حقيقتها، ومنها ما تقصر العقول عنها أكثرها أو بعضها، ومنها ما لا يتصور أصلًا الإحاطة بكنه حقيقته، وذلك هو العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول، ولم تتصور الإحاطة بكنهه، وذلك هو اللَّه تعالى، ومن عرف عظمته يستحقر نفسه ويذللها للإقبال عليه سبحانه، بالامتثال لأوامره والتسليم لأحكامه، والتخلق بأن يحصِّل من الكمالات والصفات الشريفة ما يَعْظُم به قَدْرُه، حتى يبلغ مرتبة لا يبلغ أكثر العقول كنهه، وقد ورد في الحديث أن العالم العامل الذي يعلِّم الناس الخير يسمى في الملكوت عظيمًا، والعظيم من العباد الأنبياء والعلماء الذين إذا عرف
الْغَفُورُ، الشَّكورُ، العَلِيُّ،
ــ
العاقل صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره، وأعظم البشر بل كل المخلوقات سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم عظّم جلالك في قلوبنا، وصغّر الدنيا بأعيننا، واملأ قلوبنا بعظمتك حتى نستحقر في جنبها كل ما سواك.
وقوله: (الغفور) بمعنى الغفار، والفرق بينهما -وكلاهما صيغة المبالغة-: أن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية، فالغفار ينبئ عن كثرة المغفرة ووقوعها مرة بعد أخرى؛ فإن الفعّال ينبئ عن كثرة الفعل، والفعول عن كماله وشموله، فهو غفور بمعنى أنه تام الغفران وكامله، حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة بتعلقها بالذنوب العظيمة. وقيل: الغفور من إذا غفر من عبد نوعًا من الذنب غفر من جميع العباد ذلك النوع، والتخلق فيه ظاهر.
يا غفار يا غفور يا عظيم المغفرة تُدْعَى لكل عظيم اغفر الذنب العظيم؛ فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم.
وقوله: (الشكور) هو الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، وأيُّ ثواب أجزل وأعظم من ثواب الآخرة على العمل بأيام معدودة في الدنيا، ويقال: هو المثْني على عباده المطيعين، وقيل: معناه: المُجازِي عبادَه على شكرهم، فيكون الاسم من قبيل المشاكلة كما في تسمية جزاء سيئة سيئةً، وحظ العبد منه: أن يعرف نعم اللَّه تعالى عليه، ويشكره عليها، ويعرف أن خروجه عن عهدة شكره تعالى غير ممكن، وأن يشكر الناس بمجازاتهم عليها أكثر مما صنعوا إليه، والثناء عليهم والدعاء لهم، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأَتِمَّها علينا، واجعلنا من عبادك الشاكرين، واجز من أنعم علينا خيرًا في الدنيا والدين.
وقوله: (العلي) هو الذي لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك لأن السبب فوق المسبَّب بالرتبة، وهو تعالى مسبِّبُ جميع الأسباب، وإليه تنتهي مراتب العلية والفاعلية، وأيضًا الموجودات تنقسم إلى ميت وحي، والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي وهو البهيمة، وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي، والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوةُ والغضب وهو الإنسان، وإلى ما يَسْلَمُ إدراكه عن معارضة المكدّرات، والذي سلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رُزِقَ السلامةَ كالملائكة، وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو اللَّه سبحانه وتعالى فهو فوق الكل في الرتبة، هكذا ينبغي أن تُفهم فوقيته وعلوه. فإن هذه الأسامي وضعت أولًا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام، ولمَّا تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات، استعاروا فيها الألفاظ المطلقة، ففهِمها الخواص وأنكرها العوام الذين لم يجاوز إدراكُهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم.
وإذا فهمت هذا [فقد] فهمت كونه فوق العرش؛ لأن العرش فوق جميع الأجسام، والموجود المنزه عن التحدد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في الرتبة، ولكن خص العرش لأنه فوق جميع الأجسام، فإن كان فوقها كان فوق جيمعها.
وحظ العبد: أن يبذل جهده في العلم والعمل حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات، ويعلوه في المراتب والمقامات من بني نوعه، ولكن لا يكون عليًّا مطلقًا؛ إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود [ما هو] فوقها، وهو درجات الأنبياء مع تفاوتها، وأعلى الدرجات درجة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والعلي المطلق هو اللَّه جل جلاله وتعالى شأنه.
اللهم يا علي المتعال بلغنا إلى المنزل الرفيع والمقام العالي بالكمال في العلم
الكَبِيرُ، الْحَفيظُ،
ــ
والعمل، وارفعنا إلى أعلى الدرجات في الفضائل والكمالات، ثم اخفض أبصارنا بالنظر إلى رؤية علومنا وأعمالنا برفعها إلى كمالات سيد الكائنات، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، فنكون مقتبسين من أنواره ومستفيضين من أسراره في الحياة وبعد الممات، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقوله: (الكبير) ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، والمراد بالكمال كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين:
أحدهما: دوامه، ويقال إذا طال مدة وجود الإنسان: إنه كبير السن، وإذا كان طويل الوجود كبيرًا، فالدائم الأزلي الأبدي أولى بأن يكون كبيرًا، ثم لا يقال: عظيم السن، فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم، وبهذا يظهر أنهما ليسا بمترادفين.
ثانيهما: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه كل موجود، فالكبير يكون بمعنى كامل الذات تام الوجود، والعظيم بمعنى كامل الصفات رفيع القدر عالي المرتبة.
والتخلق: أن يجتهد في تكميل نفسه حتى يكبر بدوام ذكره وآثار فضله، ويسري كماله إلى غيره بالإفاضة والإرشاد، اللهم صغرنا بشهود عظمتك وكبريائك، وخُصنا بهدايا نعمائك وآلائك، واجعلنا في أعيننا صغارًا، وفي أعين الناس كبارًا، إنك على كل شيء قدير ياعظيم يا كبير.
وقوله: (الحفيظ) حافظ الموجودات بإبقائها بصيانة المتضادات المتعاديات بعضها عن بعض، كالعناصر في المواليد بالتركيب والمزاج بتعديل قواها، وبخلق الآلات والجوارح في ذواتها الخارجة عنها كالأسلحة، وخلق المعرفة والهداية إلى إعمالها واستعمالها، وبخلق الحواس التي هي كالجواسيس المنذرة بقرب الأعداء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والآفات كالعين والأذن وغيرهما، وكذلك شمل حفظُه -جلت قدرته- كُلَّ ذرة في ملكوت السماوات والأرض، حتى الحشيشُ الذي ينبت من الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب، وطراوته بالرطوبة، وما لا يحفظ بمجرد ذلك يحفظ بالشوك النابت منه، فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات، وكل قطرة من ماء فمها حافظ يحفظها عن استحالتها هواء، وقد ورد في الخبر: أنه لا تنزل قطرة من المطر إلا ومعها ملك يحفظها إلى أن تصل [إلى] مستقرها من الأرض وذلك حق، والمشاهدة الباطنة لأرباب البصائر قد دلت إليه فامنوا بالخبر من غير تقليد بل عن بصيرة، ومن حفظه تعالى إبقاء الإيمان للمؤمنين، وحفظ عقائدهم عن الزيغ والزلل، وصيانة عقود أوليائه في حفظ التوحيد، وأبوابُ حفظه تعالى كثيرة لا تحصى ولا تتناهى.
وقد يقال: الحفظ صون الشيء عن الزوال والاختلال إما في الذهن وبإزائه النسيان، وإما في الخارج وبإزائه الضياع، والحفيظ يصح إطلاقه على اللَّه تعالى بكل واحد من المعنيين؛ فإن الأشياء كلها محفوظة في علمه تعالى لا يمكن زوالها عنه بسهو أو نسيان، وأنه تعالى يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال، والحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه عن المعاصي، وقلبَه عن ذكر ما سوى اللَّه، وسرَّه عن ملاحظة الأغيار، ويحفظ جميع أحواله عن الخروج من حد الاستقامة والاعتدال.
اللهم احفظنا في جميع الأحوال، من جميع الآفات والمخافات والأهوال، واحفظ إيماننا مما يوجب النقص ويورث الزوال، واحفظ أحوالنا عن الاختباط والاختلال، وعقولنا عن النقصان والجنان، وكف جوارحنا عن المعاصي، وقلوبنا عن ذكر ما سواك، وأسرارنا عن ملاحظة ما يوجب الإشراك، واعصمنا عن كل ما يخرجنا عن حد الاستقامة في جميع الأوقات والأحوال.
الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ،
ــ
وقوله: (المقيت) خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان، وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، ومنه قول بعضهم حين سئل: ما القوت؟ [فقال: ] ذكر الحي الذي لا يموت، فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه؛ إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت، والقوت ما يكتفى به في قوام البدن، ويكون بمعنى المقتدر والمستولي.
والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم كما في قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85] أي: مطَّلعًا قادرًا، وباعتبار اجتماع المعنيين -أعني: القدرة، والعلم- يخرج عن الترادف للقادر والمقتدر والعالم.
والتخلق به: أن يكون العبد مطعمًا للجائع، ومرشدًا للغافل، ويكون مطلعًا على أحوال نفسه، ومقتدرًا على إصلاحها.
اللهم اجعل ذكرك قوت أرواحنا كما جعلت رزقك كفاف أشباحنا، واجعل قدرتك مستولية على إصلاح أحوالنا، حتى نكون بفضل رزقك للجائعين مطعمين، وبكمال قدرتك وعلمك للغافلين مرشدين، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (الحسيب) الكافي في جميع الأمور، من أَحْسَبَني: إذا كفاني، فعيل بمعنى مُفْعِل، واللَّه تعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا تُتصور حقيقته لغيره تعالى، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفيُّ لوجوده، ولدوام وجوده، ولكمال وجوده، وليس في الوجود شيء هو كافٍ لشيء إلا اللَّه؛ لأن به تحصل الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل، والأسباب التي لها دخل في وجود الأشياء وكمالها كلها بخلق اللَّه فهو الحسيب المطلق.
وقيل: الحسيب بمعنى المحاسب كالجليس والنديم، وهو الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة، ويَعُدُّ عليهم أنفاسهم في الدنيا، وقيل: الشريف، من الحسب بمعنى
الْجَلِيلُ،
ــ
الشرف، ومن عرف أن اللَّه هو الكافي ينبغي أن يكتفي به، وبحسن تدبيره، ويتوكل عليه في جميع أموره:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، وإذا عرف أنه يحاسبه ويَعدُّ عليه أنفاسه يضبط أفعاله ويحسن أحواله، وإذا عرف أن له الشرف والكمال ظهر عليه خساسة نفسه ودناءتها فلا يتكبر بذاته ولا يُعجب بفعله.
والتخلق به: أن يتسبب لكفاية حاجات المحتاجين وسد خلتهم، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويشرِّف نفسه بالمعرفة والطاعة.
قال الإمام الغزالي (1): ليس للعبد مدخل في وصف الكفاية إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، وبالإضافة إلى بادئ الرأي وسابق الظن العامي، كالأم لطفلها في القيام بتعهده، والأستاذ لتلميذه حتى لم يضطر إلى الاستعانة بغيره، وفي الحقيقة اللَّه هو الكافي، اللهم أنت ربنا وأنت حسبنا وكافينا فاكفنا شر من ظلمنا، وكن لنا كافيًا في جميع المهمات.
وقوله: (الجليل) هو المنعوت بنعوت الجلال، ونعوتُ الجلال هي: الغنى والملك والقدس والعلم والقدرة وأمثالها، والجامع لجميعها همو الجليل المطلق، والموصوف ببعضها جلالتُه بقدر ما نال من هذه النعوت، والجليل المطلق هو اللَّه سبحانه فقط.
قال الإمام الغزالي (2): فكأن الكبير يرجع إلى كمال الذات، والجليل إلى كمال الصفات، والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعًا منسوبًا إلى إدراك البصيرة، إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة. ثم صفات الجلال إذا نسبت
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 114).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 116).
الْكَرِيْمُ،
ــ
إلى البصيرة المدركة لها سميت جمالًا، وسمي المتصف به جميلًا، كذا قال الإمام، واسم الجميل في الأصل وُضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت، بحيث تلائم البصر وتوافقه، ثم نقل إلى الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر حتى يقال: سيرة حسنة جميلة، ويقال: خلق جميل، والجميل الحق المطلق هو اللَّه تعالى كما أن الجليل المطلق هو سبحانه؛ لأن كل ما في العالم من جمال وكمال وبهاء وحسن فهو من أنوار ذاته وآثار صفاته، ولذلك يدرِك عارفُه والناظر إلى جماله من البهجة والسرور واللذة ما يستحقر معها نعيم الجنة وجمال الصورة المبصرة، بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعاني الباطنة المدركة بالبصائر، وهذا المعنى كشفنا عنه الغطاء في كتاب المحبة من كتاب (إحياء علوم الدين).
وإذا عرف العبد أن الجليل على الحق، والجميل المطلق هو اللَّه، فلا يعظِّم ولا يحب إلا إياه، والتخلق بهما: أن يجعل نفسه موصوفة بصفات الكمال، ويحسن صفاته الباطنة والأخلاق الذميمة حتى يصير جليلًا جميلًا يحبه اللَّه وخَلْقُه.
اللهم إنا نسألك بجلال ذاتك، وجمال صفاتك، أن تجعلنا مشاهدين لجلالك، ومحبين لجمالك، متصفين بصفات الكمال، مستفيضين من أشعة ذلك الجلال والجمال.
وقوله: (الكريم) قالوا: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جُفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجا، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكليف فهو الكريم المطلق، وما ذلك إلا اللَّه وحده، وحظ العبد: أن يتكلف في تحصيل ذلك، ويتجمل في الاتصاف بها،
الرَّقِيبُ،
ــ
حتى يحصل له شيء من ذلك أو الكل على ما يليق بشأنه، والأنبياء كلهم متصفون بذلك أتم وأكمل ممن عداهم، خصوصًا سيد الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، فهو أكرم الأكرمين بعد اللَّه سبحانه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم في مدح يوسف عليه السلام: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وقد يقال: إذا وصفت بالكرم فقد وصفت بجميع محامد الصفات، اللهم يا كريم خصنا بفضلك وكرمك، إنك أنت الكريم ذو الفضل العظيم.
وقوله: (الرقيب) قال الطيبي (1): هو الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وقال الغزالي (2): هو العليم الحفيظ، فمن راعى الشيء حتى لم يغفل عنه، ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة، سمي رقيبًا، فكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، ولكنه باعتبار كونه لازمًا دائمًا. هذا وقد فسروا المهيمن بالرقيب لكن أخذوا في مفهومه المبالغة في الرقابة، وبهذا يخرج عن الترادف كما سبق.
والتخلق به: أن يكون العبد مراقبًا لربه بأن يعلم أن اللَّه رقيبه وشاهده في كل حال ظاهرة وباطنة، ويعلم أن نفسه عدوّ له والشيطان كذلك، وأنهما ينتهزان منه الفرصة حتى يحملانه على الغفلة، فيأخذ منهما حذره بأن يلاحظ مكانهما وتلبسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسدّ عليهما المنافذ والمجاري، فهذه مراقبتُه.
اللهم أنت الرقيب على أحوالنا والعالم بسرائرنا، فاجعلنا مراقبين لك في كل حال
(1)"شرح الطيبي"(5/ 42).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 117).
الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ،
ــ
وفي كل شأن، واحفظنا من كيد النفس وتلبيس الشيطان.
وقوله: (المجيب) هو الذي يجيب دعوة المضطرين بلسان الحال والقال، بل أجاب قبل أن يدعوا، وأعطى قبل أن يسألوا، ومِن إجابته دعوة الخلق، وكفاية حاجاتهم بأن دبّر قبل أن يخلقهم بخلق أسبابها من الأرزاق والآلات في الأرض والسماوات، فينبغي للعبد أن يكون مجيبًا لدعوة الحق فيما أمر ونهى، ولعباده بإسعاف مرامهم بما قدر وأمكن، وبلطفٍ وبقولٍ معروف إن عجز، وبإجابة دعوتهم وقبول هديتهم كما كان يفعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، اللهم أجب دعوتنا بلسان القال والحال والاستعداد، واجعلنا مجيبين لأوامرك، مستقيمين على سبيل السداد والرشاد، إنك أرحم الراحمين، ومجيب دعوة المضطرين.
وقوله: (الواسع) السعة تضاف إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات، وإلى الإحسان وبسط النعم، وإلى القدرة والملك والغنى، والواسع المطلق في جميع هذه الصفات هو اللَّه تعالى، وعن بعض العارفين: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه، ومِن حق مَن عرف اللَّه وسعة علمه وقدرته وملكه وغناه أن لا يبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والاحتياج، بل يستغني به عن الكل.
والتخلق به: أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه، ويكون جوادًا منشرح الصدر وسيع القلب، ولا يضيق صدره بما يَرِدُ عليه من الحوادث وإيذاءِ الجاهلين.
اللهم يا واسع العلم والقدرة والعطاء والملك والغنى، يا من وسع كرسيه السماوات والأرض، وسِّع أرزاقنا، وافسح معارفنا وأخلاقنا، [و] أفض علينا من سعة جودك وبسطة وجودك، وإحاطة علمك وقدرتك، وكمال غناك وقوتك، حتى نكون منشرح الصدر وسيع القلب فارغ البال، ولا نبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والضعف،
الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ،
ــ
إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (الحكيم) ذو الحكمة، وهي عبارة عن كمال العلم وإحسان العمل والإتقان فيهما، وقد يطلق بمعنى العليم المحكِم، وقيل: مبالغة الحاكم، وقد يقال: الحكيم لمن يعلم حقائق الأشياء بحسن دقائق الصناعات، ويحكمها ويتقن صنعتها، والكمال في هذه المعاني ليس إلا للَّه وحده عز وجل، ومن حق من عرف أن اللَّه حكيم أن يرضى بحكمه، ويعرفَ أن يكون له فيه حكمةٌ بالغة وإن لم تظهر عليه فلا يعترض عليه، وأنه فاعل مختار حاكم على الإطلاق، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
والتخلق به: أن يجتهد في تكميل القوة النظرية والعملية، ويُحْسن دقائق العلوم والصناعات مما يتعلق بتكميل نفسه، اللهم خصصنا بأسرار حكمتك، وأنوار رحمتك، ووفقنا لتكميل نفوسنا بمعرفة حقائق الأشياء الموجودات وأحوالها في مبدئها ومعادها، إنك أنت العليم الحكيم.
وقوله: (الودود) فعول من الودّ وهو المحبة أقواها وآكدها، بمعنى الفاعل أو المفعول، يود المؤمنين ويودونه، كما قال:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] أي: يرحمهم ويريد بهم الخير وينعم ويحسن إليهم ويمدحهم، ويودونه، أي: يطيعونه ويعظمونه ويهابونه ويذكرونه، والودود من عباد اللَّه من يريد لأخيه كل ما يريد لنفسه، بل يؤثرهم على نفسه، وكمال ذلك أن لا يمنعه عن الإيثار والإحسان الغضبُ والحقدُ وما ناله من الأذى، فيصلُ مَنْ قطعه، ويعطي من حرمه، وعفا عمن ظلمه.
اللهم يا ودود، ويا واهب الرشاد والسداد، نسألك من فضلك ورحمتك المحبة والوداد، وأن تجعل لنا من خالص ودّك نصيبًا، وأن تجعلنا من حزب من اتخذته عندك حبيبًا، وأن تقيمنا مع إخواننا في مقام التحابِّ والتواد، حتى نريد ونحب لهم ما نحب
الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ،
ــ
لأنفسنا من كل محبوب ومراد، ويحصل لنا حقيقة الإيمان، أنت الرب الرحمان المستعان.
وقوله: (المجيد) مبالغة الماجد، من المجد وهو سعة الكرم، من قولهم: مَجَدتِ الماشية: إذا صادفت روضةً أُنُفًا، وأمجدها الراعي، كذا قال الطيبي (1).
وفي (القاموس)(2): المجد: نيل الشرف والكرم.
وقال الغزالي (3): هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجدًا، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم، انتهى.
يريد أن فيه مبالغة ما ليس في كل واحد باعتبار الاجتماع، فيخرج عن الترادف، ووجه التعلق والتخلق ظاهر.
يا مجيد وفقنا لتمجيدك وتحميدك، ومجدنا بمجدك، وشرفنا بشرفك، وخصنا بكرمك، بحرمة محمد أمجد العباد وآله الأطهار الأمجاد.
وقوله: (الباعث) هو الذي يبعث ما في القبور، ويحصِّل ما في الصدور، ويحيي الخلق يوم النشور، والبعث هي النشأة الآخرة، وقيل: باعث الرسل إلى الأمم، وقيل: باعث الهمم إلى البِر، وإذا كان حقيقة البعث يرجع إلى إحياء الموتى، والجهل هو الموت الأكبر، والعلم هو الحياة الأشرف، فمن رقَّى غيره من الجهل إلى العلم أنشأه نشأة أخرى، وأحياه حياة طيبة، وتخلق بهذا الاسم، وذلك رتبة الأنبياء ومن يرثهم
(1)"شرح الطيبي"(5/ 45).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 301).
(3)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 123).
الشَّهِيدُ،
ــ
من العلماء، وأما على معنى بعث الرسل إلى الأمم فكأن العبد يبعث من نفسه داعيًا بالخير إلى جوارحه وقواه، وأما بعث الهمة إلى البِر فظاهر.
اللهم ابعث قلوبنا الموتى من أجداث أجسادنا، وأحيها بالحياة الحقيقية الأبدية، وابعث من نفوسنا داعي الخير وباعث البر، وذلك أقصى مرادنا.
وقوله: (الشهيد) من الشهود وهو الحضور، ويرجع إلى معنى العليم، فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة، والغيب عبارة عما بطن، وهو الذي لا يشاهد، والشهادة عما ظهر وهو الذي يشاهد، فإذا اعتُبر العلمُ مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد.
وقيل: الشهيد مبالغة الشاهد، بمعنى: أن اللَّه تعالى يشهد على الخلق يوم القيامة، وهذا راجع إلى المعنى الأول؛ لأنه تعالى يشهد عليهم في ذلك اليوم بما علم وشاهد منهم. ويمكن أن يكون بمعنى الشاهد على وحدانيته؛ لقوله تعالى:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، أو الشاهد على أخذ الميثاق من النبيين بالإيمان والنصر لرسولٍ جاءهم مصدق لما معهم كما هو منطوق قوله تعالى:{وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56].
والتخلق بالمعنى الأول يرجع إلى ما ذكر في معنى العليم والخبير.
وأما المعني الثاني فبأن يسعى العبد بتحصيل التزكية والتصفية والعدالة أن يصير من أهل الشهادة، وأن ينخرط في سلك المخاطبين بقوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، ويصير من أولي العلم الشاهدين على وحدانية الحق تعالى، وعلى ميثاق اللَّه بأنبيائه وخاصةِ عباده، فافهم.
اللهم ارزقنا الإيمان بغيبك، والاطِّلاع على شهادتك، واجعلنا من أهل الشهود
الْحَقُّ،
ــ
والحضور على وحدانيتك بشهادة العلم والنور، ونكون شهداء على الناس من أمة سيد الأنبياء، ويكون هو علينا من الشاهدين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأحزابه وأمته أجمعين.
وقوله: (الحق) الثابت، وبإزائه الباطل الذي هو المعدوم، والثابت مطلقًا هو اللَّه سبحانه، وسائر الموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قِبَل أنفسها كما قال:
ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل
وتحريره: أن كل ما يُخْبَر عنه فإما باطل مطلقًا، وإما حق مطلقًا، وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقًا، [والواجب بذاته هو الحق مطلقًا] والممكن بذاته [الواجب بغيره] هو حق من وجه باطل من وجه، فهو من جهة ذاته لا وجود له أصلًا فهو باطل، وهو من جهة غيره مستفيد للوجود، فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود، فهو من ذلك الوجه حق، [ومن جهة نفسه باطل]، وهذا معنى قوله تعالى:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] وهو كذلك أزلًا وأبدًا، وليس ذلك في حال دون حال، فعرف أن الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته، الذي منه يأخذ الوجود كل شيء وهو اللَّه عز وجل تعالى وتقدس.
والحق بمعنى الصدق الذي توصف به الاعتقادات والأقوال والمذاهب له نسبة إلى وجود الحق تعالى بالثبوت، ولهذا سمي حقًّا.
وحظ العبد منه: أن يرى اللَّه سبحانه حقًّا ثابتًا وما سواه باطلًا في ذاته حقًّا بإيجاده وإثباته، والتخلق به: أن يتَّبع أمر الحق ويستغرق في وجوده حتى يتصف بمعنى الحقانية.
الْوَكِيلُ،
ــ
قال الإمام الغزالي (1): العبد وإن كان حقًّا فليس حقًّا بنفسه، بل هو حق باللَّه، فإنه موجود لا بذاته، بل هو بذاته باطلٌ لولا إيجاد الحق له. فقد أخطأ من قال:(أنا الحق) إلا بأحد التأويلين:
أحدهما: أن يعني أنه بالحق، وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولأن ذلك لا يخصه، بل كل شيء سوى الغض احق فهو بالحق. والتأويل الثاني: أن يكون مستغرقًا بالحق حتى لا يكون فيه متّسعٌ لغيره، وما أخذ كلية الشيء واستغرقه، فقد يقال: إنه هو، كما قال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا، وعنى به الاستغراق.
اللهم أنت الحق، وكل ما سواك باطل بالحقيقة، أفض علينا من حقانيتك ونورانية وجودك، حتى نكون مستغرقًا في بحر عرفانك وشهودك، ونوِّر بنور اسمك الحق قلبَ عبدك حتى يصير عبدَ الحق حقيقةً ومعنًى، كما شرفته اسمًا وصورة، إنك على كل شيء قدير، وبإجابة دعاء الراجي جدير.
وقوله: (الوكيل) هو القائم بأمور العباد، وبتحصيل ما يحتاجون إليه، وقال الغزالي (2): هو الموكول إليه الأمور كلها، والمستحق بذاته أن [تكون] الأمور موكولة إليه لا بتوكيل وتفويض، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل قد لا يفي بما وكل إليه وفاء تامًا، والوكيل المطلق هو الذي الأمور موكولة إليه وهو مَليّ بالقيام بها، وَفِيّ بإتمامها، وذلك هو اللَّه تعالى وحده، وحظ العبد: أن يكل جميع أموره إليه، ويتوكل بكليته عليه، ويستكفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 127 - 128).
(2)
"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 129).
الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ،
ــ
والتخلق به: أن يقوم بأمور الناس، ويسعى في إنجاح مآربهم، وتحصيل مطالبهم، ويصير كأنه وكيل لهم، وأن يصير وكيل اللَّه سبحانه على نفسه في استيفاء حقوقه، واقتضاء أوامره ونواهيه، فيكون خصمه تعالى على نفسه، ولا يفتر عن ذلك لحظة.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وكن أنت وكيلًا لنا في جميع أمورنا، واجعلنا من المتوكلين عليك والمفوضين أمورنا كلها إليك، اللهم كن وجهي في كل وِجْهَة، ومقصدي في كل قصد، وغايتي في كل سعي، وملجئي وملاذي في كل شدة، ومهيمني ووكيلي في كل أمر، وتولني تَوَلّي محبة وعناية، فنعم المولى أنت ونعم الوكيل.
وقوله: (القوي المتين) القوة تدل على القدرة التامة الكاملة البالغة، والمتانةُ تدل على شدة القوة، واللَّه تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامُّها قويٌّ، ومن حيث إنه شديد متين فهو ذوالقوة المتين، ويرجع إلى معاني القدرة، وسيأتي ذكرها.
والتخلق: أن يقوى العبد على نفسه بحيث يغلب على هواها، ويكون قويًا في الدين ومتينًا في اليقين، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا وانصرنا على نفسنا، وعلى جميع أعدائنا من الجن والإنس والشياطين، إنك أنت القوي المتين.
وقوله: (الولي) هو المحب الناصر، ومعنى محبة اللَّه قد عرف، وأما نصرته فلأنه يقمع أعداء الدين وينصر أولياءه، قال اللَّه تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257]، وقال:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] أي: لا ناصر لهم، وقد يجيء الولي بمعنى متولي الأمور، وهو تعالى متولي أمور الخلائق مما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، خصوصًا لعباده الصالحين ممن وكله وفوض أموره إليه.
الْحَمِيدُ،
ــ
والتخلق: أن يحب اللَّه وأولياءه، ويجتهد في نصره ونصر أوليائه، ويسعى في قضاء حوائج الناس، ونظم مصالحهم، حتى يتشرف بهذا الاسم ويسمى وليًّا.
ومن أمارات ولايته أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءًا أو قصد محظورًا عصمه عن ارتكابه، وهذا معنى: إذا أحب اللَّه عبدًا لم يضره ذنب، وأن يرزقه مودة في قلوب أوليائه فإنه محل نظر الحق، فإذا وَجَدَ فيه أحدًا وقع نظره إليه.
اللهم يا ولي المؤمنين تولنا بولايتك، وأعِنَّا برعايتك وكِلاءتك، وخصصنا بما خصصت به أولياءك المقربين، واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، كما قلت في كتابك على لسان نبيك:{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].
وقوله: (الحميد) الحامد لذاته وصفاته بكلامه وبث آياته في الأنفس والآفاق، ولأنبيائه وأوليائه، والمُثْني على فضيلة الإيمان والإحسان لعباده على الإطلاق، والمحمود المستحق للمحامد كلها فإنه الموصوف بكل كمال، والمُوْلي لكل نوال، بحمده لذاته، وحمد عباده له، وكل حمد يعود إليه. وحظ العبد منه: أن يحمد اللَّه سبحانه في كل وقت وفي كل حال، وأن يسعى في تحصيل الكمال وإعطاء النوال ليصير محمودًا وممدوحًا عند اللَّه وعند عباده، والمحمود من العباد من حُمدت عقائده وأخلاقه وشمائله وأعماله وأقواله كلها من غير شوب، وذلك محمد صلى الله عليه وسلم ومن يَقْرب منه من الأنبياء والأولياء والعلماء، وكل واحد حميد على قدر كماله ونواله، والحميد المطلق هو اللَّه.
يا اللَّه المحمود في كل فعاله اجعل فعالنا محمودة عندك، وعند عبادك الصالحين، واجعلنا متحلِّين بالحمائد، متخلِّين عن الذمائم، فلك الحمد في الأولى والآخرة، وصل على محمد صاحب المقام المحمود، وأفض علينا من بركات ذلك برحمتك
الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ،
ــ
يا رحيم يا ودود.
وقوله: (المحصي) هو العالم، لكن إذا أضيف العلم إلى المعلومات من حيث يحصيها ويعدّها ويحيط بها يسمى إحصاء، والمحصي المطلق هو الذي ينكشف في علمه حدُّ كل معلوم وعدده ومبلغه، والعبد وإن أمكنه أن يحصي بعلمه بعض المعلومات فإنه يعجز عن إحصاء أكثرها، قال اللَّه تعالى:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فالمحصي المطلق هو اللَّه، وتخلُّق العبد به على قدره كما في أصل صفة العلم، ومن جملة التخلق به: أن يحصي العبد من أعمال نفسه قبل أن يحصى، ويحاسب قبل أن يحاسب ويجازى.
وقد يعتبر الإحصاء بالنسبة إلى صفة القدرة في المقدورات فهو القادر الذي لا يشذّ عن قدرته شيء من المقدورات.
اللهم يا من يحيط علمه وقدرته بكل معلوم ومقدور، لا تُحصِ علينا أعمالنا، ولا تحاسبها فإنك من حاسبته فقد عذبت، فاعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، إنك أرحم الراحمين وخير الغافرين.
وقوله: (المبدئ، المعيد) الإبداء: الإيجاد والإنشاء ابتداء، والإعادة خلق شيء بعد ما عدم، واللَّه تعالى قادر على إعادة المحدثات إذا عُدمت جواهرها وأعراضها، هذا هو المشهور، وتحقيقه مذكور في الكتب الكلامية، وللإمام الغزالي في حقيقة البعث والنشور كلام يلوح منه أن الإعادة خَلْقُ مثله لا إعادة عينه، وقال: الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا بمثله سمي إبداء، وإذا كان مسبوقًا بمثله سمي إعادة، وقال: إن حقيقة الإنسان هو الروح وهو باق، وله نشاءات وأطوار من التراب والنطفة إلى ما شاء اللَّه، والبعث والإعادة من تلك النشاءات، فبعد مفارقته عن البدن يخلق له بدنٌ يتعلق به،
الْمُحْيِي، الْمُمِيْتُ، الْحَيُّ،
ــ
فهذا معنى حقيقة البعث المجرد لا أنه يعاد البدن المعدوم، ويركب من أجزاء أصلية معدومة بعينها، ولهذا المعنى شرح وتفصيل مذكور في كتبه فلينظر ثمة، واللَّه أعلم.
هذا وقد يحمل معنى المعيد على إعادة اللَّه تعالى للعبد عوائده وفوائده وألطافه وإحسانه، وقد أجرى اللَّه سنته بأن ينعم على عباده عَودًا على بدء، وهو رب العباد، رب العالمين، فيكون المبدئ بمعنى منشئ الإنعامات من الوجود ولوازمه، وهو مبتدئ النعم قبل استحقاقها، وحظ العبد من هذين الاسمين: أن يسعى في إبداء الخيرات، وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع عنها واضمحل.
اللهم يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وخُصّنا بعوائد فضلك وإنعامك وكرمك وإكرامك، وأحينا على طاعتك، وأمتنا على دينك، واحشرنا في زمرة المتقين.
وقوله: (المحيي، المميت) الإحياء خلق الحياة في الجسم، والإماتة إزالتها عنه، وهو محيي قلوب العارفين بالإيمان والمعرفة، ومميت القلوب بالكفر والغفلة، وحظ العبد أن يسعى في إحياء قلبه بالمعارف الإلهية، وإماتة نفسه عن القوى الغضبية والشهوية، اللهم أحينا بالطاعات، وأمتنا عن الشهوات، وأبقنا بك وأفننا عنا، إنك المحيي والمميت والمبقي والمفني، وأنت على كل شيء قدير.
وقوله: (الحي) هو الفعّال الدرّاك، حتى إن من لا فعل له ولا إدراك فهو ميت، فالحي الكامل المطلق هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه، وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذّ عن دركه مُدْرَك، ولا عن فعله مفعول، وذلك هو اللَّه فهو الحي المطلق، وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله، ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه، ومن اعتمد على مخلوق، واتكل عليه ليوم حاجته،
القَيُّوْمُ، الوَاجِدُ،
ــ
احتُمِلَ وفاته وقت حاجته إليه، فيضيع رجاؤه وأمله، والتخلق فيه أن يصير حيًّا باللَّه حتى لا يموت أبدًا، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يُرْزَقُونَ]} [آل عمران: 169].
قال سيدي أحمد المعروف بابن زروق في (قواعد الطريقة في الجمع بين الشريعة والحقيقة): السبب في بقاء ذكر الفقراء أكثر من ذكر الفقهاء هو أن النسبة عند تحقيقها تقتضي ظهور أثر الانتساب، فالفقيه منسوب إلى صفة من أوصاف نفسه هي فهمه وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، والفقير منسوب إلى ربه، وكيف يموت من صحَّتْ نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه، ولمَّا عمل المجاهد حتى مات شهيدًا في تحقيق كلمة اللَّه وإعلائها حسًّا ومعنى كانت حياته حسية معنوية كما أخبر به الكتاب العزيز، ولما عمل الصالحون بذلك معنى كانت حياتهم معنوية، بدوام كراماتهم وذكر بركاتهم على مر الدهور، قد مات قوم وهم في الناس أحياء، يا حي حين لا حي في ديمومة ملكه وبقائه، أحينا بالحياة الباقية الأبدية حتى نكون أحياء عندك مرزوقين فرحين بما آتيتنا من فضلك، إنّك أنت الحي لا يموت ولا يفوت.
وقوله: (القيوم) القائم بنفسه، والمقيم لغيره، الذي لا يُتصور للأشياء وجودٌ ولا بقاء إلا به، وليس ذلك إلا اللَّه سبحانه، وللعبد حظ منه بقدر استغنائه عما سوى اللَّه وإمداده للناس، ومن عرف أنه القيوم بالأمور كلها استراح عن كد التدبير وتعب الاشتغال، وعاش براحة في ظل التوكل والتفويض، يا حي يا قيوم يا حنان يا منان، نسألك أن تحصي قلوبنا بنور معرفتك، وأن نقوم بعبادتك، ويقوم عبادك بطاعتك، يا حي يا قيوم.
وقوله: (الواجد) هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده، ولا يعوزه شيء من ذلك،
الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ،
ــ
وهو في مقابلة الفاقد، وكل ما هو من صفات الكمال فهو موجود للَّه سبحانه، وهو الواجد المطلق، ومن عداه إن كان واجدًا لشيءٍ من صفات الكمال وأسبابه فهو فاقد لأشياء فلا يكون واجدًا مطلقًا.
وقيل: من الوجد بمعنى الغَناء وهو الغني المطلق، لكن حينئذٍ يلزم الترادف، اللهم إلا أن يفرق بأن في الغنى شيئان: وِجْدان ما يريد، وعدم الاحتياج إلى غيره، فالواجد باعتبار الأول، والغنيُّ باعتبار الثاني، واللَّه أعلم.
والتخلق بأن يسعى العبد في تحصيل ما لا بدّ له من الكمالات حتى يستغني عما سوى اللَّه وفضله، اللهم اجعلنا واجدين لأقسام الكمال فاقدين للنقصان، وصيِّرنا واجدين شهودك فاقدين وجودنا لوجودك، ورقِّنا عن التواجد إلى الوجد، وعن الوجد إلى الوجود، وذلك أقصى مقام العرفان والشهود.
وقوله: (الماجد) بمعنى المجيد؛ كالعالم بمعنى العليم، إلا أن في صيغة المجيد مبالغة، وكل صفات اللَّه كامل وبالغ إلا أنه قد يعتبر بما يدل ظاهرًا على المبالغة أو التكيد، وقد يكتفى بإثبات أصل المعنى الذي هو في نفسه كامل من غير الدلالة عليه باللفظ، وقد سبق معناه.
يا ماجد يا مجيد، يا غني، يا حميد، مجدنا بمجدك، وأوجدنا بوجدك.
وقوله: (الواحد) هو الذي لا يتجزأ ولا يثنَّى، أي: لا يكون له نظير، أما الاول فكالجوهر الفرد والنقطة، والثاني كالشمس فإنه لا نظير له، لكنه يمكن أن يكون، والموجود الذي يتفرد بخصوص وجوده غير قابل للانقسام أصلًا، ولا يمكن أن يكون له نظير يشاركه فيه، فهو الواحد المطلق أزلًا وأبدًا، وأما العبد فإنما يكون واحدًا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير، في خصلةٍ من الخصال، في وقت من الأوقات، مع
الأَحَدُ، الصَّمَدُ،
ــ
أنه يوجد في خصلة أخرى وفي وقت آخر [مثله]، فلا يكون واحدًا على الإطلاق، ومن عرف أن اللَّه واحد في صفات الكمال لا شريك له لم يتوجه إلا إليه ولا يشركه غيره.
والتخلق بأن يسعى أن يكون متوحدًا في الكمال بالنسبة إلى من يمكن التوحد بالنسبة إليه، ويكون واحدًا في العبودية، كما أنه تعالى واحد في الألوهية، وبأن يستغرق في لجة التوحيد فلا يرى إلا الواحد بعين الشهود، والواحد من العباد في صفات الكمال وفي حقيقة العبودية ليس إلا محمد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فههنا إله وعبد، والإله هو اللَّه، والعبد هو محمد، وكما أنه ليس للَّه شريك في الألوهية فكذلك لا شريك لمحمد في العبودية، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، اللهم اجعلنا واحديًّا أحديًّا ومحمديًّا، واجعلنا متوحدين في عبوديتك، متفردين في طريق صمديتك، مستغرقين في لجة توحيدك، ومشغولين بتحميدك وتمجيدك.
واعلم أنه ليس في (جامع الترمذي) و (الدعوات) للبيهقي و (شرح السنة) اسم (الأحد) لكن ثبت في (جامع الأصول)(1): الواحد والأحد، وقد يفرق بينهما لفظًا ومعنًى بوجوه ذكرها الطيبي (2)، أما الفروق اللفظية فلا كثير مناسبة بالمقام، وأما المعنوية فيقال: إن أحدًا أبلغ من الواحد، لأنه صيغة الصفة المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات، وأن الواحد بمعنى عديم التجزؤ، والأحد عديم التثني، وأن الواحد باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات، أو بالعكس.
(الصمد) السيد الذي يُصمد إليه في جميع الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب،
(1)"جامع الأصول"(4/ 173).
(2)
"شرح الطيبي"(5/ 53).
الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ،
ــ
من صمدتُ الأمر: إذا قصدته، وقيل: إنه المنزَّه من أن يكون بصدد الحاجة، أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمَّد كمعظَّم، وهو الصلب الذي لا جوف له، ومن جعله اللَّه مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم، أو رَسَخَ في الدين متصلبًا فيه، فقد حَظِيَ بمعنى هذا الاسم، لكن الصمد المطلق من يُقْصَد إليه في جميع الحوائج، وعُصم عن جميع الآفات، وليس ذلك إلا اللَّه الواحد الصمد، اللهم يا من يقصد في جميع الحاجات إلى جنابه، ويلجأ في طلب الرغائب إلى بابه، اجعلنا في جميع الأحوال قاصدين إليك، وراغبين فيما لديك، راسخين في دينك، ومستقيمين في طريق يقينك، آمين.
وقوله: (القادر، المقتدر) معناهما: ذو القدرة لكن المقتدر، أكثر مبالغة من القادر لزيادة البناء، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء بتقدير الإرادة والعلم واقعًا على وفقهما، والقادر في الحقيقة هو الذي يخترع كل موجود اختراعًا ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره، وهو اللَّه تعالى، وأما العبد فله قدرة بإقدار اللَّه في الجملة على بعض الأشياء في بعض الأحوال [ولكنها] ناقصةٌ، ومخترعات العبد أيضًا واقعة بقدرة اللَّه، فحقيقٌ أن لا يقال له قادرًا إلا مجازًا مقيدًا، فليس القادر على الإطلاق إلا اللَّه.
قال الإمام الغزالي: وتحت هذا غور لا يحتمِلُ مثلُ هذا الكتاب كشفَه، ومن عرف أنه قادر على الكمال لا يزول خوفه منه ولا ينقطع رجاؤه إليه، ومن عرف أن المولى تعالى قدير ترك الانتقام، ثقة بأن قدرة الحق وانتصاره أتم وأشد من انتقامه لنفسه، والتخلق به بأن يكون قادرًا على منع نفسه من المخالفات، وردّ أعداء الدين بالجهاد والقتال، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا، وانصرنا على من عادانا من
الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ،
ــ
الجن والإنس والنفس والشيطان، بقدرتك ونصرتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (المقدِّم، المؤخِّر) قدم أنبياءه وأولياءه بتقربهم وهدايتهم، وأخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم، ومن قرَّبه فقد قدَّمه، ومن أبعده فقد أخره بالشرف والرتبة، والكل من اللَّه، وفيه إشارة إلى أنه لم يتقدم من تقدم بعمله بل بتقديم اللَّه إياه، وكذلك المتأخر، والتخلق فيه: أن يقدم نفسه بالمسابقة والمسارعة إلى الخيرات والمقربات، ولا يؤخرها بالاستبطاء والتسويف، فلا يجعل اللَّه عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عليه.
اللهم قدمنا ولا تؤخرنا، وأكرمنا ولا تهنا، وانصرنا ولا تخذلنا، فلا مؤخر لمن قدمت، ولا مقدم لمن أخرت، ولا راد لما حكمت، وأنت خير الحاكمين.
وقوله: (الأول الآخر) الأول السابق على الأشياء بالوجود، والآخر الباقي وحده بعد فناء الخلق، أو الأول بالوجود والآخر بالسلوك، فمنه المبدأ أولًا، وإليه المرجع والمصير آخرًا، أو الأول بإحسانه والآخر بغفرانه، الأول بحسن تعريفه إذ لولا فضله ببداية إحسانه لما تشرفوا بعرفانه ووجدانه، والآخر بإكمال اللطف كما كان أولًا بابتداء العرف، فالذي هداك في الابتداء هو الذي يكفيك في الانتهاء.
اللهم يا أول كل شيء وآخره، ليس لأوليتك أولٌ، ولا لآخريتك آخِرٌ، أنت الأزلي الأبدي كذلك، وما سواك حادث وهالك، هديتُ بنعمتك في الابتداء، وتكفي في إبقائها في الانتهاء، خُصّنا بنعمك أولًا وآخرًا وبدايةً ونهايةً، فمنك المبدأ، وإليك المعاد، وبك الرشاد، ومن عندك السداد.
وقوله: (الظاهر، الباطن) الظاهر الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه،
الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ،
ــ
والباطن المحتجب كنه ذاته المقدسة بحُجُب كبريائه، والظاهر بنعمته، والباطن برحمته، والظاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، الظاهر للبصائر، والباطن عن الأبصار، الظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا حجاب، فهو تعالى إنما خفي لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، فهو الظاهر الذي لا أظهر منه، والباطن الذي لا أبطن منه.
وحظ العبد من هذه الأسماء: أن يهتم بأمره، ويتفكر أوّله، ويتدبر آخره، ويُصلح باطنه وظاهره. اللهم أصلح ظواهرنا، وطهّر بواطننا، واجعل أبصارنا ناظرة إلى آثارك، وبصائرنا مملوءة بأنوارك، أنت الظاهر [و] أنت الباطن.
وقوله: (الوالي) هو الذي تولى الأمور وملك الجمهور، والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجمع جميع ذلك لم يطلق عليه اسم الوالي، ولا والي للأمور على الإطلاق إلا اللَّه تعالى، فإنه المنفرد بتدبيرها أولًا، والمنفّذ للأحكام فيها ثانيًا، والقائم عليها بالإدامة والإبقاء ثالثًا.
اللهم تولّ أمورنا، واشرح صدورنا، أنت متولي الأمور، ومالك الجمهور، وأنت المتفرد بتدبيرها في الإيجاد والإبداء والإدامة والإبقاء، وكن لنا وكيلا، وتولّنا تولي محبة وعناية، ولطف ورعاية، {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].
وقوله: (المتعالي) هو المبالغ في العلاء والمرتفع عن النقائص، وهو أبلغ من العلي، وقد سبق فيه في اسم العلي.
وقوله: (البر) المحسن وهو البر في الحقيقة، إذ ما من بِرٍّ وإحسان إلا وهو موليه، والعبد إنما يكون برًا بقدر ما يتعاطاه من البِرٍّ والتوفيق بوالديه وأستاذه وشيوخه
التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ،
ــ
وغيرهم، وتفصيل برِّ اللَّه تعالى [و] إحسانه إلى خلقه مما يطول شرحه.
اللهم يا من تولى الأمور، وملك الجمهور، وتعالى عن الاتهام، وعمّ برُّه الأنامَ، كن متوليًا في جميع أمورنا، واشملنا بِبرِّك وإحسانك، واجعلنا بارّين محسنين إلى من له حق علينا بفضلك وامتنانك، إنك أنت البر الرؤف الرحيم.
وقوله: (التواب) هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما ينبههم عن رقدة الغفلة، ويطلعهم بتخويفاته وتحذيراته على وَخامة عواقب المعاصي، فيرجعون إلى التوبة فيرجع إليهم فضله بالقبول، وقيل: هو الذي يرجع بالإنعام على كل مذنب حل عقد إصراره، ورجع إلى التزام طاعته، من التوب وهو الرجع، والتخلق به: أن يصفح العبد عن زلات العباد، ويرجع على المجرمين بالإنعام، اللهم إنا نسألك توبة سابقة منك إلينا ليكون توبتنا إليك منا، وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك الكلمات، ليكون قدوة لولده في التوبة والأعمال الصالحات، اللهم تب علينا، وتقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله: (المنتقم) هو الذي يعاقب العصاة، ويقصم ظهور العتاة، وفي (الصحاح) (1): النقمة بالفتح ويكسر: المكافأة بالعقوبة، وهو بعد الإنذار والإمهال أشد من المعاجلة بالعقوبة، والتخلق به: أن ينتقم من أعداء اللَّه، وأعدى الأعداء نفسه، وحقه أن ينتقم منها متى قارفت معصية أو أخلَّت بعبادة، نقل عن أبي يزيد قال: تكاسلتْ نفسي علي في بعض الليالي عن بعض الأوراد، فعاقبتها بأن منعتها الماء سنة.
(1)"الصحاح"(5/ 2045).
العَفُوُّ، الرَّؤُوْفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ،
ــ
وقوله: (العفو) وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو عن المحو، ومتى عرف أنه تعالى عفوٌّ طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، قال اللَّه تعالى:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]، وغاية العفو أن يحسن إلى من ظلمه، كما يرى اللَّه تعالى محسنًا في الدنيا إلى العصاة والكفرة غيرَ معاجل لهم بالعقوبة، بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم، وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم، إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، اللهم اعف عنا جرائمنا، واغفر لنا ذنوبنا، وامح عن جرائد أعمالنا هذه السطور، إنك أنت الكريم العفو الغفور.
وقوله: (الرؤوف) الرأفة شدة الرحمة، وقيل: الرأفة إحسان مَبْدؤه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مَبْدؤه فاقةُ مَن أحسن إليه، قال بعض العارفين: ومن رحمته بعباده أن يصونهم عن موجبات العقوبة، فإن عصمته عن الزلة أبلغ في باب الرحمة من غفران المعصية، انتهى. قلت: لو جعل الرأفة عبارة عن المعنى الأول والرحمة عن الثاني فرقًا بينهما لكان وجهًا، واللَّه أعلم. وقد سبق الكلام في وجه التعلق والتخلق به في بيان اسم الرحيم.
اللهم ارحمنا، وارؤفْ بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، واحفظنا عن ارتكاب المعاصي، واعصمنا عنها قبل خطورها وحلولها، إنك أنت الرؤف الرحيم.
وقوله: (مالك الملك) هو الذي يُنفذ مشيئته في مملكته كيف شاء وكما شاء إيجادًا وإعدامًا وإبقاءً وإفناءً، ومملكة كل عبد بدنه وعياله ورعاياه، فينبغي أن يكون مالكًا لها نافذًا حكمه فيها كيف شاء على موافقة الشرع والعقل، اللهم مالك الملك ملِّكنا
ذُو الْجَلَالِ، وَالإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ،
ــ
نفوسنا، ولا تجعلنا أسيرًا لشهواتنا، وانصرنا على مملكتها، واعصمنا عن تبعاتها، لك الملك ولك الحكم، وأنت ملك الملوك، وأحكم الحاكمين.
وقوله: (ذو الجلال والإكرام) الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو ثابت له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال له في ذاته، والكرامة فائضة منه على عباده، وأنواع إكرامه عبادَه لا تكاد تنحصر وتتناهى، ويتضمن جملتَها قولُه تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، ومن عرف جلال اللَّه تذلل له، ومن عرف إكرامه شَكَره، فلا يخدم ولا يسأل غيره.
والتخلق بأن يحصِّل لنفسه جلالًا وشرفًا وكمالًا، ويكرم وينعم عباد اللَّه على ما يليق وينبغي، اللهم يا ذا الجلال والإكرام شرفنا بجلالك وكمالك، وخَصِّصْنا بإكرامك وإنعامك، واجعلنا متذللين عند مشاهدة جلالك، وشاكرين بملاحظة إكرامك مستصغرين من عداك، ومستنكفين عن السؤال عن الأغيار مستغنين بك عمن سواك.
وقوله: (المقسط) الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالهمزة للإزالة، قال الإمام الغزالي (1): وكماله أن يضيف إلى إرضاء [المظلوم إرضاءَ] الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف، ثم ذكر حديث إراءة اللَّه سبحانه الظالم الجنة، وقوله: من يشتري، وقول الظالم: ومن يطيق شراءه، ومن الذي عنده ثمنه، وقول اللَّه عز وجل: عندك ثمنه، وهو أن تعفو عن أخيك، والإنصاف من النِّصْف كأنه لما راعى الجانبين نصَّفَ، فنصف لهذا ونصف لذلك، والتخلق به أن يجتنب الظلم رأسًا على نفسه ثم على غيره ويسعى في إماطته، وأوفر العباد حظًّا من هذا الاسم من ينتصف أولًا من نفسه ثم لغيره، ولا ينتصف لنفسه من غيره.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 142).
الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي،
ــ
اللهم اجعلنا من المقسطين، ولا تجعلنا من القاسطين، واحفظنا أن نظلم أنفسنا وعبادك المستضعفين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
وقوله: (الجامع) هو المؤلف بين المتماثلات، كجمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض، وحشرهم في صعيد القيامة، وبين المتباينات كجمعه بين السماوات والكواكب، والهواء والأرض والبحار، والحيوانات والنباتات والمعادن المختلفة، وكل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف، وقد جمعها في الأرض، وجمع الكل في العالم، وكذلك بين العظم والعصب والعِرق والعضلة والمخ وسائر أجزاء الحيوان فيه، وبين المتضادات، كجمعه العناصر وكيفياتها في المزاج، وذلك أبلغ وجوه الجمع، ومَن جمع بين العلم والعمل والكمالات النفسانية والجسمانية فله حظ من هذا الاسم، قال بعض المشايخ: وقد جمع اللَّه قلوب العارفين إلى شهود تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة، فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات إلا بعين التقدير، وجمع همومَهم في طلبه وقلوبَهم إلى ذكره:{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
اللهم اجمع فينا أسرارك وأنوارك، واجعلنا جامعين بين مرتبتي الفرق والجمع وشهود الوحدة والكثرة، واجمع بيننا وبين حبيبك المصطفى وآله وأصحابه وأتباعه يوم القيامة يا جامع المتفرقين.
وقوله: (الغني، المغني) الغني هو الذي لا يحتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى غيره، ولا يتعلق بالغير، بل يكون منزّهًا عن العلاقة مع غيره، ويكون هو المغني أيضًا، ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يكون غنيًّا مطلقًا، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني كالواجب بالغير، والغني الحقيقي المطلق هو اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى
الْمَانِعُ،
ــ
اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، وقد يغني اللَّه بعض عباده عن السؤال منه رضاءً بقضائه واكتفاءً بعلمه، ولكن ذلك لا يرفع الاحتياج الذاتي وإنما هو ترك الإظهار ورفع الاختيار، ومن عرف أنه المغني، وقطع طمعه عن سواه، ولا يسأل إلا إياه، فقد فاز بحظ من اسم الغني، ثم إذا سدّ خلة المحتاجين، وأغناهم عن السؤال، وأفاض من فضل نعمة اللَّه عنده على الفقراء والمساكين، حصل له حظٌّ من اسم المغني أيضًا، وفي دعاء بعض الأجلة من المشايخ: اللهم اجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغناهم بالاكتفاء بما لديك، وأغنِنَا بلا سبب، واجعلنا سبب الغَناء لأوليائك وبرزخًا بينهم وبين أعدائك، واجعلنا راضين بقسمتك ومكتفين لعملك، فالسعيد حقًّا من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقًا من حرمته مع كثرة السؤال لك، فأغنِنَا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك، إنك الغني المغني، وأنت على كل شيء قدير.
وقوله: (المانع) هو الذي يردُّ أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان، والمنعُ من أسباب الحفظ، وقد سبق معنى الحفيظ، فمن عرف معناه عرف معنى المانع، فالمنع له أبواب غير منحصرة كما أن حفظه أنواع غير متناهية، فالمنع من ضروريات الحفظ ولوازمه، لا يحصل الحفظ بدونه، فالمنع إضافة إلى السبب المهلك، والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو المقصد من المنع وغايته، والمنع من البلاء لطف ظاهر من اللَّه، وقد يكون من العطاء لطفًا خفيًّا منه تعالى، وقد يمنع المنى والشهوات عن نفوس من أراد تخصيصه، ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب من أراد تخليصه.
وقد ورد في بعض الروايات: (المعطي، المانع) في غير هذه الرواية من أبي
الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ،
ــ
هريرة، فيزيد العدد على التسعة والتسعين، فإما أن لا يكون في تلك الرواية ذكر العدد أو متروكًا فيها ذكر اسم آخر، وقد عرفت عدم انحصار الأسماء في العدد المذكور، وكذا الحال في غيره من الأسماء المتروكة في هذه الرواية، والمذكور في غيرها، والتخلق باسم المانع بأن يكون مانعًا من تطرق الفساد والهلاك إلى الدين، وإلى الصالحين من عباد اللَّه، ويحفظ الدين وأهله من الآفات والمخافات، اللهم اجعلنا كذلك ووفقنا لذلك.
وقوله: (الضار النافع) هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضرر، ومجموع الوصفين يرجع إلى الوصف بالقدرة التامة الشاملة، والقدرة صفة تشمل أكثر الصفات خصوصًا الفعلية منها، والفرق بالعموم والخصوص والجهات والحيثيات، فكل ما وقع في العالم منسوب إلى اللَّه تعالى بواسطة أو بغير ذلك، فلا يظن أن السم يقتل ويضرّ بنفسه، وأن الطعام يُشبع وينفع بنفسه، وكذلك كل أجزاء العالم من العلويات والسفليات وسائط وأسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له، وكل ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم في يد الكاتب.
ومن عرف ذلك استسلم لحكمه وقضائه، وفوض الأمور كلها إليه، وعاش في راحة من الخلق، والخلق في راحة منه، وهذا هو حظ العبد من هذا الوصف ومن أمثاله، وهذا هو نوع من التعلق، ووجه التخلق فيها لا تخلو عن خفاء، اللهم إلا أن يراد أن يكون ضارًّا أو مخذلًا لأعداء اللَّه، ونافعًا وناصرًا لأوليائه، نسأل اللَّه تعالى إياه إنه على كل شيء قدير، واللَّه أعلم.
وقوله: (النور) هو الظاهر الذي به كل الظهور؛ فإن الظاهر بنفسه المظهر لغيره يسمى نورًا، ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور للوجود، ولا ظلام أظلم من العدم،
الْهَادِي، الْبَدِيعُ،
ــ
فالبريء عن ظلمة العدم -بل عن إمكان العدم- المخرجُ كلَّ الأشباء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نورًا، والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته، فهو نور السماوات والأرض، والذي أودعَ في قلوب الخاصة من عباده من أنوار الطاعات والأخلاق والمعارف، والتوحيد نورٌ على نور، يهدي اللَّه لنوره من يشاء، والتخلق به: أن يكون ظاهرًا متنوِّرًا بنور الإيمان والعرفان، ومُظْهِرًا لأحكام الدين، ومنوِّرًا للعالم بنور الإيقان، وكمال ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهو النور، ومعه النور، ومنه النور، فهو مطلع الأنوار ومجمع الأسرار، اللهم نوِّر قلوبنا بنوره، واجعلنا ظاهرين بظهوره.
وقوله: (الهادي) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي قدّر فهدى، كما هدى الطفلَ إلى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخَ إلى التقاط الحبِّ وقت خروجه، والنحلَ إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال له، وشرحُ ذلك يطول، والذي هدى خاصة عباده إلى سواء الطريق، وأطلع في طريقهم أنور التوفيق، وأحظى الناسِ بهذا الاسم الأنبياء والأولياء والعلماء الوارثون الذين هدوا الخلائق إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره الذي هداهم به إلى مصالحهم في الدنيا والدين، اللهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وقوله: (البديع) هو الذي لم يعهد مثله، فإنه لم يعهد بمثله لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو البديع المطلق، وليس ذلك إلا اللَّه سبحانه، وقد يجعل البديع بمعنى المبدع، وقد فسِّر بالمعنيين قولُه تعالى:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117]، وكل عبد اختص بخاصية من النبوة أو الولاية أو العلم بحيث لم يُعهد مثلها، أو أبدع
الْبَاقِي، الْوَارِثُ،
ــ
شيئًا من الأمور الراجعة إلى صفة الكمال، إما في سائر الأوقات، وإما في عصره، فهو بديع، وأبدعُ المخلوقات محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الفرد الكامل الأوحد في الاتصاف بصفات اللَّه.
والتخلق بأسمائه تعالى على الإطلاق، اللهم خُصّنا بمزايا كرمك، وبدائع فضلك، وخصائص لطفك وإنعامك، إنك على كل شيء قدير.
وقوله: (الباقي) هو الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء، قال الغزالي (1): هو الموجود الواجب وجوده بذاته، لكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقيًا، وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديمًا، والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر، ويسمى أبديًّا، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول، ويسمى أزليًّا، ومفهوم واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك، وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن [إلى الماضي والمستقبل] وإلا فهو موجود قبل الزمان وبعده، وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات.
والتخلق بهذا الاسم بأن يسعى في تحصيل كمال يبقى آثاره بعده، ويَفنى في جلال الحق وكماله حتى يبقى ويَحيى بحياة أبدية، اللهم اجعلنا فانين عنا باقين بك، وارزقنا حياة أبدية بالتخلق بأسمائك وصفاتك، غائبين عن وجودنا بشهود ذاتك.
وقوله: (الوارث) الباقي بعد فناء الموجودات الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء المُلَّاك، وهذا بالنظر الظاهر، وأما في الحقيقة فهو المالك على الإطلاق من الأزل إلى الأبد، ولم يتبدل ملكه ولا يزال، فأرباب المعرفة يسمعون دائما نداءَ: {لِمَنِ الْمُلْكُ
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 147).
الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيْرِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: 3507، "الدعوات الكبير": 1/ 377].
ــ
الْيَوْمَ}، وجوابَ:{لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ، من غير حرف وصوت، ويوقنون بأن الملك والملكوت للَّه ليس له شريك ومساهم، عظم ملكه وجل جلاله.
والتخلق فيه يتصور على نحو ما ذكرنا في معنى الباقي، اللهم اجعلنا وارثين العلم والدين من سيد أنبيائك وسند أصفيائك، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا، واجعله الوارث منّا، آمين.
وقوله: (الرشيد) هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سَنَن السداد من غير استشارة واسترشاد، وقيل: هو بمعنى المُرشد، واللَّه تعالى رشد كلَّ عبد بقدر هدايته في تدبيراته إلى الصواب في مقاصد دينه ودنياه، ممن استشاره من جنابه، واستخاره في مبدئه ومآبه، والتجأ إليه وسقط على بابه، اللهم أرشدنا وألهمنا الصواب، واجعلنا راشدين مصيبين في كل باب.
وقوله: (الصبور) هو الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين، والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يُشعر بأنه يعاقب بالآخرة بخلاف الحليم.
وقال الإمام الغزالي (1): هو الذي لا تحمله العَجَلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سَنَن محدود، ولا يؤخرها عن آجالها المقدرة تأخير متكاسل، ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل، بل يودع كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون، وكما ينبغي أن يكون، وكل ذلك في حق اللَّه سبحانه من غير مقاساة داع على مضادة الإرادة.
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 149).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة؛ لأن معنى صبره هو ثباتُ داعي الدين أو العقل في مقابلة داعي الشهوة والغضب، ووجه التخلق به ظاهر، {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
تم شرح الأسماء الحسنى بفضل اللَّه وتوفيقه، ونختمه بكلمة نقلها الإمام محمد الغزالي (1) عن الشيخ أبي علي الفارمذي رحمهما اللَّه، حيث قال: سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني قدس اللَّه روحهما أنه قال: [إن] الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافًا للعبد السالك، وهو بَعْدُ في السلوك غير واصل، انتهى.
ويشكل هذا في بادئ النظر أن الظاهر من كلام القوم أن السلوك عبارة عن تهذيب الأخلاق ونفي صفات البشرية، فإذا حصل هذا حصل الفناء، وبه يتم السلوك وبعده البقاء والوصول، وإذا تخلق العبد بأخلاق اللَّه واتصف بصفاته فقد خرج عن صفات البشرية وفني عنها، فماذا بقي بعدُ من الوصول؟
وبهذه الملاحظة قال الإمام: فإن قلت: فما معنى قوله: إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل، فما معنى السلوك وما معنى الوصول؟ فاعلم أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن، والعبد في جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه استعدادًا للوصول بأن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقًا به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف
(1)"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى"(ص: 150).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا اللَّه، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه، فيكون كله مشغولًا بكله مشاهدة، ولا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق، وكل ذلك طهارة وهي البداية، وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد [له]، فيكون كأنه هو، وذلك هو الوصول. هذا كلام الإمام، ويختلج أن كلام الشيخ بعد حصول التخلق بمعاني هذه الأسماء، فيتم بذلك السلوك ويحصل بعده الوصول، فما معنى قوله: وهو بعد في السلوك غير واصل؟ فافهم.
قال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن للتخلق والاتصاف مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، وبهذا تتفاوت درجات الأولياء ومراتبهم، فيمكن أن يكون مراد الشيخ أبي القاسم من قوله: إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك، صيرورتَها في الجملة في أول درجاتها وما يليها، وهو بعدُ في السلوك، أي: في تتميم الاتصاف والتخلق وتكميله حتى يبلغ النهاية التي يمكن له البلوغ إليها، فإذا بلغ النهاية وصل هذا، ولو قيل بحصول الوصول في المراتب التي فوق مرتبة النهاية جاز إطلاق الوصول، لكن كلامه -قدس سره- في أعلى مراتب الوصول مما يبلغ به النهاية.
وهذا معنًى واضح يكون هو المراد إن شاء اللَّه، ويُستأنس له بما ذكر الشيخ العالم العارف الكامل شهاب الملة والدين عمر السهروردي رحمة اللَّه، في (عوارف المعارف) (1) مما يُشعر بتفاوت مراتب الوصول وتعددها: اعلم [أن] كل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو رتبة في الوصول، فيتفاوتون:
فمنهم من يجد اللَّه تعالى بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعلُه وفعل
(1) انظر: "عوارف المعارف"(ص: 259).
2289 -
[3] وَعَن بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ:"دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: 3475، د: 1493].
ــ
غيره لوقوعه مع فعل اللَّه تعالى، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار، وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال، وهذا تجلِّي طريق الصفات وهو مرتبة في الوصول.
ومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مشتملًا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة، مغمًّى في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات للمقربين، وهذه رتبة، وفوق هذا رتبة حق اليقين، ويكون من ذلك [للخواصِّ] لمح في الدنيا، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى بها روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول.
فإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أول المنزل فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تنقطع أبدًا [أبد] الآباد في عمر الآخرة الأبدي فكيف في العمر القصير الدنياوي! واللَّه أعلم.
2289، 2290 - [3، 4](بريدة، أنس) قوله: (دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) السؤال أن يقول العبد: أعطني، فيعطي، والدعاء أن ينادي ويقول: يا رب، فيجيبه الرب تعالى ويقول: لبيك يا عبدي، ففي مقابلة السؤال الإعطاء، [وفي مقابلة] الدعاء الإجابة، وهذا هو الفرق بينهما، ويذكر
2290 -
[4] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 3544، د: 1495، ن: 1350، جه: 3858].
ــ
أحدهما مقام الآخر أيضًا، فتدبر.
واعلم أنه قد وردت أقوال من العلماء في الاسم الأعظم ذكرها السيوطي في رسالة مسماة بـ (الدر المنظم في الاسم الأعظم) فقال قائلون: إن أسماء اللَّه تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، وينسب هذا القول إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة غيرهما، وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم.
وقال الطبراني: اختلف في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم.
وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، ومثل ذلك في القرآن أيضًا، والمرادُ به مزيد ثواب القارئ، يعني: ليس في ذاته زيادةً عظيمةً بل ذلك باعتبار أمر خارج ولا بحث فيه، فتدبر.
وقيل: إنه مما استأثر اللَّه بعلمه ولم يُطْلع عليه أحدًا من خلقه، كما قيل بذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى، وقد عينه بعضهم لظاهر ما ورد في
2291 -
[5] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] وَفَاتِحَةُ (آل عمرانَ): {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2] ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: 3478، د: 1496، جه: 3855، دي: 3432].
2292 -
[6] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذا دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ. . . . .
ــ
الأحاديث، فمنه: ما ورد في هذا الحديث عن بريدة، رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان والحاكم، أنه: لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ونقل السيوطي عن الشيخ ابن حجر (1) أنه قال: هذا أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك.
ومنه: ما ورد في حديث أنس الآتي: (الحنان المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم). وفي رواية: (الحي القيوم).
وقد روى هذا الحديث أحمد والحاكم وابن حبان وأبو داود، ورواه في الكتاب عن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
2291، 2292 - [5، 6][ومنه] ما ورد في حديث أسماء بنت يزيد، أنه:({هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}) و ({الْحَيُّ الْقَيُّومُ}).
وما ورد في حديث سعد: ({لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}).
(1)"فتح الباري"(11/ 225).