الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ". قَالَ:"وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 6306].
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
2336 -
[14] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابنَ آدمَ (1)! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ،
ــ
ما عاهدتك ووعدتك من الإقرار بالعبودية والثبات عليها، وإن لم أفِ بذلك، أو: أنا مقيم على عهدك ووعدك الذي عهدت ووعدت بفضلك وكرمك لأهل طاعتك وإن لم يأت مني طاعة كما ينبغي.
وقوله: (أبوء) أي: أعترف لك بتواتر نعمك عليّ، وأعترف بدوام ذنوبي والتقصير عن شكرها، وأصل البوء الرجوع، يقال: باء إليه، أي: رجع إليه وانقطع، ويقال: باء بدمه: اعترف، وبذنبه: احتمله، أو اعترف به، كذا في (القاموس)(2)، وهذا المعنى دائم، أعني توالي النعم من جانب الحق ووجودَ الذنب والتقصير من العبد، وفي ما ذكر العجز والاعتذار والذلة والافتقار، ولذلك سمي سيد الاستغفار.
الفصل الثاني
2336، 2337 - [14، 15](أنس) قوله: (عنان السماء) العنان -بالفتح-:
(1) في نسخة: "ابن آدم" بدون حرف النداء.
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 46).
ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: 3540].
2337 -
[15] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: 5/ 154، دي: 2/ 322].
ــ
السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، كذا في (القاموس)(1)، وقد يجيء بمعنى السحاب مطلقًا وهو المراد ههنا، وإضافته إلى السماء للمبالغة في علوّه وارتفاعه، وقد يكسر العنان بمعنى: ما عنّ لك، فعنان السماء: ما بدا لك منها إذا نظرتها ورفعت رأسك إليها، وقد يروى:(أعنان السماء) بمعنى نواحيها، والأعنان من الشجر أطرافها، ومن السماء نواحيها وما اعترض من أقطارها وآفاقها، جمع عَنَنٍ، قال التُّورِبِشْتِي (2): إضافة العنان بمعنى السحاب إلى السماء غير فصيح، وأرى الصواب أعنان السماء، ولعل الهمزة سقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن، فتدبر.
وقوله: (والقراب) بالضم والكسر: ما قارب قدر الشيء، وقراب الأرض قريب من ملئها، وقال في (المشارق) (3): القِراب وعاء كالجراب مستطيل يجعل فيه السيف بغمده والسكين وما أشبهه من سوط ونحوه، وما خف من زاد الراكب بكسر القاف، وأما بضمها فبمعنى القرب، ومنه قوله في الحديث:(من لقيني بقراب الأرض خطيئة) بضم القاف، أي: ما يقارب ملأها، وقال لي أبو الحسين: ويقال: (بقِراب) أيضًا بكسرها.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1122).
(2)
"كتاب الميسر"(2/ 544).
(3)
"مشارق الأنوار"(2/ 294).
2338 -
[16] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: 14/ 388].
2339 -
[17] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". رَوَاهُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: 1/ 248، د: 1518، جه: 3819].
2340 -
[18] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: 3559، د: 1514].
ــ
2338 -
[16](ابن عباس) قوله: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له) فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالى قادر على مغفرة الذنوب سبب للغفران، وذلك لأن من اعترف بذلك ارتجاه، ومن ارتجى الكريم لم يحرمه، مع أن في ذكر القدرة وعدم المبالاة إيماء إلى جواز التعذيب أيضًا، ففيه خوف منه تعالى، ومن خاف القادر رحمه.
2339 -
[17](عنه) قوله: (من لزم الاستغفار جعل اللَّه له. . . إلخ) لأن من لزم الاستغفار تُغفر له الذنوب ويخرج منها فيكون في حكم المتقي الذي لا يذنب، والمتقي وُعد له المخرجُ من كل ضيق ووصولُ الرزق (من حيث لا يحتسب) أي: لا يظن ولا يرجو.
2340 -
[18](أبو بكر الصديق) قوله: (ما أصر من استغفر) الإصرار هو الدوام
2341 -
[19] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: 2499، جه: 4251، دي: 2/ 303].
2342 -
[20] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ". . . . .
ــ
على الذنب، وقد ثبت أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، وإذا استغفر لم يدم، فلا إصرار مع الاستغفار، فافهم.
2341 -
[19](أنس) قوله: (كل بني آدم خطّاء) حصِّن منه الأنبياء؛ لأنهم معصومون، اللهم إلا أن يحمل الخطاء على ما يشمل الصغائر فلا إشكال بالأنبياء على القول بصدور الصغيرة منهم، وأما صيغة المبالغة فباعتبار وجود الكثرة في الجملة، ويمكن أن يكون باعتبار أن الذنب قليله كثير، هذا وإن حمل على المبالغة فله وجه أيضًا.
2342 -
[20](أبو هريرة) قوله: (كانت نكتة) روي بالنصب والرفع، فالنصب على أنها خبر كان، والضمير في (كانت) للذنب، والتأنيث بتأويله بالسيئة، والرفع على أن كان تامة، أي: حدثت منه نكتة، والنكتة: النقطة، كذا في (القاموس)(1)، والنكت في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.
قوله: (فذلكم الران) قيل: الران بمعنى الرين كالعاب والعيب وهو الطبع والتغطية
(1)"القاموس المحيط"(ص: 162).
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: 2/ 297، ت: 3334، جه: 4244].
2343 -
[21] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 3538، جه: 4253].
ــ
والدنس، يقال: ران ذنبه على قلبه رَيْنًا ورُيونًا: غلب، وكل ما غلبك [فقد] رانك وبك وعليك، وقيل: المراد هو الران المذكور في قوله تعالى: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، وأدخل اللام على الفعل قصدًا إلى حكاية اللفظ فأُجري مجرى الاسم كما في قوله:(نهى عن القيل والقال)، والرين الذي ذكر في الآية بيان أحوال الكفار، فذكْرُه في الحديث تخويف للمؤمنين، أو المراد تشبيه بذلك في اسوداد القلب، أو المراد -واللَّه أعلم- أنه قد ينجرّ ارتكاب المعاصي إلى الكفر لا أنه كفر في الحال، ولعله المراد بما قيل بأنه تخويف.
2343 -
[21](ابن عمر) قوله: (ما لم يغرغر) في الأصل: ترديد الماء في الحلق، والمراد: ما لم تبلغ روحُه حلقومَه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به، وقد يحصل في تلك الحالة في الحلق صوت مثل صوت الغرغرة، وظاهر الحديث أنه لا يقبل التوبة عند حضور الموت سواءٌ كان من الكفر والمعصية، وهو ظاهر قوله تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} الآية [النساء: 17]، وقد ذهب البعض إلى أنه يقبل التوبة عن المعصية لا عن الكفر، فعندهم إيمان اليأس غير مقبول وتوبته مقبولة.
وقال الطيبي (1): الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحلَّ من مظلمة صح تحليلة.
(1)"شرح الطيبي"(5/ 108).
2344 -
[22] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ عز وجل: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: 3/ 29].
2345 -
[23] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. . . . .
ــ
2344 -
[22](أبو سعيد) قوله: (وارتفاع مكاني) أي: مكانتي وقدري.
وقوله: (ما استغفروني) أي: ما دامت أرواحهم في أجسادهم كما يفهم من سياق الحديث، فيفهم منه أن التوبة والاستغفار يقبل في حالة الغرغرة؛ لأنه حالَ الحياة، إلا أن يقيد بقاء الحياة ببقاء الاختيار.
ثم هذا الحديث لا ينافي قوله تعالى: {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40] لدلالته على إغواء غير المخلصين، وهذا الحديث يدل على أن غير المخلصين أيضًا يرفع عنهم الإغواء لاستغفارهم؛ لأن المراد أن الشيطان لا يغوي المخلصين ولا يوقعهم في الذنب كالأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وغيرهم قد يغويهم ويوقعهم في الذنب، ولكن اللَّه تعالى يرجع عليهم بالتوبة والمغفرة، فافهم.
2345 -
[23](صفوان بن عسال) قوله: (عرضه مسيرة سبعين عامًا) قيل: المراد به المبالغة في انفتاح باب التوبة، وكون الناس في فسحة ووسعة منها، وهذا تأويل، وصريحُ الإيمان أن يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند اللَّه.
مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158] ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: 3536، جه: 4070].
2346 -
[24] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: 4/ 99، د: 2479، دي: 2/ 239 - 240].
2347 -
[25] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالآخَرُ يَقُولُ: مُذْنِبٌ،. . . . .
ــ
وقوله: (من قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: من جانبه.
2346 -
[24](معاوية) قوله: (لا تنقطع الهجرة) المراد بالهجرة هنا: مهاجرة الذنوب والآثام والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله:(حتى تنقطع التوبة) أي: ينتهي حكم اللَّه تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند طلوع الشمس من مغربها، وقال الطيبي (1): مهاجرة الذنوب والخطايا عين التوبة فيلزم التكرار، فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود اللَّه، فتدبر.
2347 -
[25](أبو هريرة) قوله: (والآخر يقول: مذنب) أي: أنا مذنب،
(1)"شرح الطيبي"(5/ 110).
فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: 2/ 323].
ــ
اعترافًا بذنوبه وانكسارًا من جهة ذلك وترجيًا في مغفرة اللَّه وفضله، وقيل: يمكن أن يكون المعنيُّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الآخر مذنب.
وقوله: (فجعل يقول) أي: حبيبه له: (أقصر) أي: أمسك (عما أنت فيه) من ارتكاب الذنوب، والإقصار: الكف عن الشيء مع القدرة عليه؛ فإن عجز عنه يقول: قصرت عنه، بلا ألف، كذا في (مجمع البحار)(1).
وقوله: (فيقول: خلني وربي) كان الرجل يستغفر ربه ويعتذر له فغفر له، وبهذا يناسب الترجمة، وظاهر الحديث أنه أدخله الجنة برحمته ومحض فضله، فالمناسب أن يذكره في (باب سعة رحمة اللَّه) الآتي.
وقوله: (أن تحظر) بالظاء المشالة بمعنى المنع والتحريم.
وقوله: (اذهبوا به إلى النار) خطاب للملائكة، وإدخاله بمجازاته على قسمه وحُكمِه على اللَّه تعالى بأنه لا يغفر الذنوب، المستلزمِ لإنكار صفة اللَّه إما عمومًا أو خصوصًا، وهو إما كفر أو معصية.
(1)"مجمع بحار الأنوار"(4/ 285).
2348 -
[26] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ: " {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] وَلَا يُبَالِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ":"يَقُولُ" بَدَلَ "يقْرَأ". [حم: 6/ 453، ت: 3237].
2349 -
[27] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا اللَّمَمَ} : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: 3284].
ــ
2348 -
[26](أسماء بنت يزيد) قوله: ({إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}) إن أريد وجوب المغفرة قيِّد بالتوبة، وإن أريد جوازها فالمغفرة عن الكفر مقيِّد بها لا عن المعاصي، هذا ما يقتضيه المذهب والنصوص الواردة في الباب، وفيه كلام مذكور في التفاسير.
وقوله: (ولا يبالي) من قول الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة على الآية، أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد، ويمكن أن يكون قولَ الراوي، أي: يقرأ هذه الآية رسول اللَّه ولا يبالي أحدًا، والظاهر هو الأول.
2349 -
[27](ابن عباس) قوله: ({إِلَّا اللَّمَمَ}) في (القاموس)(1): اللمم محركة: الجنون وصغار الذنوب، وقال القاضي في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32]{إِلَّا اللَّمَمَ} : إلا ما قل وصغر.
وقوله: (الجم) بفتح الجيم وتشديد الميم بمعنى الكبير العظيم، والبيت لأمية
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1068).
2350 -
[28] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ (1) إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ فَاسْأَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُم مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَاد ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ. . . . .
ــ
ابن أبي الصلت أنشده النبي صلى الله عليه وسلم، والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده، وهو الصحيح، أي من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلًا عن الصغائر؛ لأنها لا يخلو عنها أحد وإنها مكفَّرة بالحسنات
2350 -
[28](أبو ذر) قوله: (وعن أبي ذر) مضمون هذا الحديث هو مضمون الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر، مع ما بينهما من الاختلاف في بعض الكلمات.
وقوله: (فاسألوني) في بعض النسخ: (فسلوني)، والأول أفصح.
وقوله: (إلا من عافيت) يدل على أن العافية هي السلامة عن الذنوب وهي أكمل أفرادها.
وقوله: (ورطبكم ويابسكم)(2) قيل: المراد به أهل البحر والبر، وقيل: عبارة
(1) في "التقرير": أي: الذي لم يكن واقفًا على الطريق فيشمل الأنبياء.
(2)
في "التقرير": أي: شابكم وشيخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم، والغرض الإحصاء.
اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا. ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ:{كُنْ فَيَكُونُ} . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: 5/ 154، ت: 2495، جه: 4257].
2351 -
[29] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56]، قَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى،
ــ
عن الاستيعاب، وقيل: أراد أنه لو فرض كون الشجر والحجر إنسانًا.
وأقول -واللَّه أعلم-: يحتمل أن يكون المراد بالرطب واليابس الإنس والجن، بناء على أن خلق الجن من النار والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر:(جنّكم وإنسكم).
وقوله: (ذلك بأني جواد ماجد) إشارة إلى مجموع ما ذكر أو للأخير، وعلى الأول يكون الجواد بالنسبة إلى الأخير، والماجد إلى ما قبله، أو الكل في الكل، فافهم.
وقوله: (عطائي كلام وعذابي كلام) توطئة لقوله: (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون).
2351 -
[29](أنس) قوله: (أنا أهل أن أتقى) بلفظ المتكلم المجهول، أي:
فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: 3328، جه: 4299، دي: 2/ 302 - 303].
2352 -
[30] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ" مِئَةَ مَرَّةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: 2/ 21، ت: 3434، د: 1516، جه: 3814].
2353 -
[31] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: . . . . .
ــ
أنا جدير وخليق بأن يتقيَ العباد ويخافون من عذابي.
وقوله: (فأنا أهل) إشارة إلى أن الفاء بمعنى الواو للترتيب، فافهم.
2352 -
[30](ابن عمر) قوله: (إن كنا لنعد)(إن) مخففة من المثقلة، وعلامة [ذلك] دخولها على أفعال المبتدأ والخبر، ودخول اللام في الخبر.
و(يقول) بتقدير (أن) أي: كنا نعدُّ قولَه: (رب اغفر لي. . . إلخ) ويدل على أن استغفاره صلى الله عليه وسلم كان بلفظ الدعاء، وقد رجحوا على قول القائل: أستغفر اللَّه؛ لأنه إن كان غافلًا ولاهيًا في ذلك يكون كذبًا بخلاف الدعاء، فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت وإن كان مع الغفلة، كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله:(أستغفر اللَّه) خبرٌ، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر، وقد ورد في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم:(أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب عليه)، نعم ترجيحهم فيمن سواه صلى الله عليه وسلم.
2353 -
[31](بلال بن يسار) قوله: (وعن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم): (مولى) بدل من (زيد) وهو زيد بن بَوْلَى بفتح موحدة وسكون واو مقصورًا، وهو غير