الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان مع بدر الدين عند نور الدين مملوكان، فلما توفى إلى رحمة الله، قال بدر الدين لأحدهما (1):«لا يسمع أحد بموته» ، وقال للأطباء والملاحين:
«لا يتكلم أحد، فقد نام السلطان» .
فسكتوا ووصلوا إلى الموصل في الليل، فأمر الأطباء والملاحين بمفارقة الشبارة لئلا يروه ميتا، ففعلوا، وحمله هو والمملوكان وأدخله الدار، وتركه في الموضع الذى كان فيه وفيه المملوكان. وترك على بابه من يثق إليه، لا يمكّن أحدا من الدخول والخروج، وقعد يمضى الأمور التي يحتاج إليها.
فلما فرغ من كل ما يحتاج إليه أظهر موته وقت العصر، ودفنه بالمدرسة التي أنشأها مقابل داره.
ذكر صفته
وسيرته رحمه الله
-
كان أسمر، خفيف اللحية والعارضين جدا، مليح الوجه، قد أسرع إليه الشيب، وكان شهما، شجاعا، عادلا، ذا سياسة للرعية، شديدا على أصحابه يمنع بعضهم أن يتعدى على بعض، وكانوا يخافونه خوفا شديدا، فلا يجسرون بسبب الخوف منه على الظلم والتعدى.
وكانت همته عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكى ووجاهته (2) وحرمته بعد أن كان قد ذهب، وخافته الملوك، وكان سريع الحركة في طلب الملك، إلا أنه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتسع ملكه.
(1)(ك) و (س): «لهما» .
(2)
(س): «وجاهه» .
ومن محاسن ما ينقل عنه أنه لما توجه من الموصل في نجدة صاحب ماردين حين (1) كان الملك الكامل قد ملك ربضها، وكاد يستولى على قلعتها، وضرب المصاف مع الملك الكامل وكسره [كسرة قبيحة]، (2) وسافر الملك الكامل إلى حرّان، ولم يبق من عسكره بالمكان أحد، قال أصحاب نور الدين له:
«اصعد بعسكرك إلى ربض ماردين، فما دونه مانع، واملكه، واملك القلعة، ويكون هذا موضع المثل السائر: «رب ساع لقاعد» فقال: «حاش لله أن يتحدث الناس عنى أن ناسا (3) اعتضدوا بى واستنصروا بى أغدر بهم» .
ثم قال لمجد الدين بن الأثير - وكان [من](4) أكبر أصحابه -:
وقال لمجد الدين: «أرسل إلى صاحب ماردين ليرسل نوابه إلى ولاياته» ، وكان قد أقطعها للعساكر التي معه، وأمر بكفّ أيديهم عنها، وتسليمها إلى صاحبها.
فقال مجد الدين: «إن أصحابنا لم يأخذوا درهما واحدا لتأخر إدراك الغلات، فلو بقى الإفطاع في أيديهم إلى أن يأخذوا ما ينفقون عليهم في بيكارهم (5)»
(1) هذا اللفظ ساقط من (ك) و (س).
(2)
ما بين الحاصرتين زيادة عن (س).
(3)
(س): «قوما» .
(4)
ما بين الحاصرتين زيادة عن (ك).
(5)
البيكار (ج: بياكير) لفظ فارسى معناه الحرب، أنظر (Dozy : Supp .Dict Arab) .
فقال رحمه الله: «لا نكدر إنعامنا وإحساننا إليهم، ونحن نكفى أصحابنا» .
قال مجد الدين: «فأرسلت إلى صاحب ماردين ليتسلم بلاده فتسلمها، وأرسل إليها نوابه» .
قال مجد الدين: «ما قلت له عن شىء قط، من عدل (1) وبذل مال (1) وغير ذلك من الصلاح، فقال لا؛ وكنت معه في بعض أسفاره وله سرادار قد سرق ولده من داره قماشا، وكانت مفاتيح الدار مع السرادار، فأرسل إلىّ ليلا فأمرنى أن أكتب كتابا إلى الموصل بقطع يده، فأعدت الجواب: أننى ما أكتب هذا الكتاب الليلة، (2) وإذا اجتمعت به غدا عرفته ما في هذا (2).
فأعاد مرة ثانية وثالثة وأنا أمتنع.
فاستدعانى وقال لى: «لم لم تكتب الكتاب؟» .
فقلت له: «عادتى معكم (3) أننى لا أكتب إلا ما تجيزه الشريعة» .
فقال لى: «هذا سارق، توجب الشريعة المطهرة قطع يده» .
فقلت: «لا قطع عليه، لأنه سرق من غير حرز، لأن المفاتيح بيده» .
فعفا عنه.
(1) هذان اللفظان ساقطان من (ك).
(2)
(س): «وإذا اجتمعت بالسلطان أعلمته ما في هذا» .
(3)
(ك): «تعلم عادتى» .