الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(23)
خطاب بقلم القاضى الفاضل أرسله السلطان صلاح الدين إلى الديوان العزيز - أيام الخليفة الناصر لدين الله - ينبئه بفتح القدس الشريف واستنقاذه من أيدى الصليبيين
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 8 ص 282 - 289، ج 6 ص 496 - 504
أدام الله أيام الديوان العزيز النبوى الناصرى، ولا زال مظفّر الجدّ بكلّ جاحد، غنىّ التوفيق عن رأى كل رائد، موقوف المساعى على اقتناء مطلقات المحامد؛ مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد الجود والسّحاب على الأرض غير وارد؛ متعدّد مساعى الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضى [حكم القول] بعزم لا يمضى إلا بنسل غوىّ وريش رشد، ولا زالت غيوث فضله [إلى الأولياء] أنداء إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعدت رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد.
كتب الخادم هذه الخدمة تلوما صدر عنه ممّا كان يجرى مجرى التباشير لصبح هذه الخدمة، والعنوان لكتاب وصف هذه النعمة، فإنها بحر للأقلام فيه سبح طويل، ولطف تحمّل الشكر فيه عب ثقيل؛ وبشرى للخواطر في شرحها مآرب، ويسرى للأسرار في إظهارها مسارب؛ ولله في إعادة شكره رضا، وللنعمة الرّاهنة به دوام لا يقال معه هذا مضى، وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصايرها، واستتبّت عقائد أهله على أبين بصائرها،
وتقلّص ظلّ رجاء الكافر المبسوط، وصدق الله أهل دينه، فلمّا وقع الشرط حصل المشروط؛ وكان الدّين غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا فقد بذلت الأنفس في ثمنه، وأمر أمر الحقّ وكان مستضعفا، وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا؛ وجاء أمر الله وأنوف أهل الشّرك راغمه، فأدلجت السيوف إلى الآجال وهى نائمة، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أنّ الصبح عندها حيان الحين؛ واستردّ المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، وظفروا يقظة بما لم يصدّقوا أنهم يظفرون به طيفا على النّأى طارقا؛ واستقرّت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم؛ وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة [قلوبهم] كما تشفى بالماء غللهم.
ولمّا قدم الدّين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنّا كفؤها الحجر الأسود ببتّ عصمتها من الكافر بحربه، وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسى تلك البؤسى إلا رجاء هذه النّعمى، ولا يناجز من يستمطله في حربه، ولا يعاتب بأطراف القنامن يتمادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعه، والدعوة إلى سامعها مرفوعة، فتكون كلمة الله هى العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا؛ وكانت الألسنة ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار؛ ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقة رابحة تجاسر، ومن سما لأن يجلّى غمرة غامر؛ وإلا فإنّ القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فتعضّها، ويضعف بأيديها مهز القوائم فتقضّها؛ هذا إلى كون القعود لا يقضى فرض الله في الجهاد، ولا يرعى به حقّ الله في العباد، ولا يوفى به واجب التقليد الذى تطوّقه الخادم من أئمة قضوا بالحقّ وبه كانوا
يعدلون، وخلفاء الله كانوا في مثل هذا اليوم لله يسألون؛ لا جرم أنّهم أورثوا سرّهم وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيّتهم الشريفة، وطلعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد العلم وبياض الصحيفه، فما غابوا لمّا حضر، ولا غضّوا لما نظر، بل وصلهم الأجر لما كان به موصولا، وشاطروه العمل لما كان عنه منقولا ومنه مقبولا؛ وخلص إليهم إلى المضاجع ما اطمأنّت به جنوبها، وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميرا، والنهار به بصيرا، والشّرق يهتدى بأنواره، بل إن أبدى نورا من ذاته هتف به الغرب بأن واره؛ فإنه نور لا تكنّه أغساق السّدف، وذكر لا تواريه أوراق الصّحف.
وكتاب الخادم هذا، وقد أظفر الله بالعدوّ الذى تشظّت قناته شفقا، وطارت فرقه فرقا، وفلّ سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عددا وحصا؛ وكلّت حملاته وكانت قدرة الله تصرّف فيه العيان بالعنان، عقوبة من الله ليس لصاحب يدبها يدان؛ وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفه، وغضت عينه وكانت [عيون] السيوف دونها كسيفه؛ ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون؛ وأضحت الأرض المقدّسة الطاهرة وكانت الطّامث، والرّبّ المعبود الواحد وكان عندهم الثالث، فبيوت الشّرك مهدومه، [ونيوب الكفر مهتومه] وطوائفه المحاميه، مجتمعة على تسليم البلاد الحاميه، وشجعانه المتوافية مذعنة لبذل المطامع الوافية؛ لا يرون في ماء الحديد لهم عصره، ولا في فناء الأفنية لهم نصره؛ وقد ضربت عليهم الذّلّة والمسكنه، وبدّل الله مكان السّيئة الحسنة؛ ونقل بيت عبادته من أيدى أصحاب المشأمة إلى أيدى أصحاب الميمنة
وقد كان الخادم لقيهم اللقاة الأولى، فأمدّه الله بمداركته، وأنجده بملائكته؛ فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل، وقتل منهم من فتكت به المناصل؛ وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح [والكفار، وعن أنصاف محيل فإنه قتلهم بالسيوف الأفلاق والرماح الأكسار، فنيلوا بثأر من السلاح ونالوه أيضا بثار] فكم أهلّة سيوف تعارض الضّراب بها حتى صارت كالعراجين؛ وكم أنجم أسنّة تبادلت الطّعان حتى صارت كالمطاعين، وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه، وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على بعد المسافة فافترسه.
وكان اليوم مشهودا، وكانت الملائكة شهودا؛ وكان الكفر مفقودا، والإسلام مولودا، وجعل الله ضلوع الكفار لنار جهنّم وقودا؛ وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وآكد وصله بالدين وعلائقه، وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت؛ وما دهموا قطّ بأمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه، ويحرضّهم، وكان مدّ اليدين في هذه الدفعة وداعه؛ لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم، ويجتمع في ظل ظلامه خشاشهم، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشدّ عقد وأوثقه، ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه.
وفى هذا اليوم أسرت سراتهم، وذهبت دهاتهم [ولم يفلت منهم معروف إلا القومص، وكان لعنه الله مليّا يوم الظّفر بالقتال، ومليّا يوم الخذلان] بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف؛ ثم أخذه الله تعالى بعد أيام بيده، وأهلكه لموعده، فكان لعدتهم فذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك.
وبعد الكسرة مرّ الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا، البيضاء صنعا، الخافقة هى وقلوب أعدائها، الغالبة هى [وعزائم أوليائها]، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها البشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر، فافتتح بلد كذا وكذا، وهذه [كلها] أمصار ومدن، وقد تسمى البلاد بلادا وهى مزارع وفدن؛ وكلّ هذه ذوات معاقل ومعاقر، ومجار وجزائر، وجوامع ومنائر، وجموع وعساكر، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها، ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا، ويحط من منابر جوامعها صلبانا، ويرفع أذانا، ويبدل المذابح منابر، والكنائس مساجد، ويبوئ بعد أهل الصلبان أهل القرءان للذبّ عن دين الله مقاعد.
ويقرّ عينه وعيون أهل الإسلام أن تعلّق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور، وأن ظفر بكل سور، وما كان يخاف زلزاله وزياله إلى يوم النفخ في الصور.
ولمّا لم يبق إلا القدس وقد اجتمع إليها كلّ شريد منهم وطريد، واعتصم بمنعتها كلّ قريب منهم وبعيد؛ وظنوا أنّها من الله مانعتهم، وأنّ كنيستها إلى الله شافعتهم؛ فلما نازلها الخادم رأى بلدا كبلاد، وجمعا كيوم التناد؛ وعزائم قد تألبت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصّته، فزاول البلد من جانب فإذا أودية عميقة ولجج وعرة غريقة، وسور قد انعطف عطف السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار؛ فعدل إلى جهة أخرى كان للمطامع عليها معرّج، وللخيل فيها متولّج، فنزل عليها، وأحاط بها وقرب منها؛ وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه ويزاحمه السور بأكتافه؛ وقابلها ثمّ قاتلها، ونزلها ثم نازلها، وبرز إليها ثم بارزها، وحاجزها ثم ناجزها، فضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع أهلها فإذا هم لا يصبرون - على عبودية الخد - عن عتق الصفح، فراسلوه ببذل
قطيعة إلى مدّة، وقصدوا نظرة من شدة وانتظارا لنجدة؛ فعرفهم الخادم في لحن القول، وأجابهم بلسان الطول، وقدّم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب فلا تفارقها سهامها، ولا يفارق سهامها نصالها؛ فصافحت السور بأكنافه، فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدّم النصر نشرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوّه إلى السماك، فشجّ مرادع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها [صمّ أعلاجها] ورفع مثار عجاجها، فأخلى السور من السيّارة، والحرب من النظارة؛ فأمكن النقّاب، أن يسفر للحرب النّقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته [الأولى] من التراب؛ فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده يأنياب معوله، وحلّ عقده بضربه الأخرق الدالّ على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه واستغاثته إلى أن كادت ترقّ لمقبّله، وتبرّأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن تبرح الأرض، وفتح في السور بابا سدّ من نجاتهم أبوابا، وأخذ ينقّب في حجره فقال عنده الكافر:{يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً،} فحينئذ يئس الكفّار من أصحاب الدور، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرّهم بالله الغرور.
وفى الحال خرج طاغية كفرهم، وزمام أمرهم، ابن بارزان سائلا أن يؤخذ البلد بالسلام لا بالعنوه، وبالأمان لا بالسّطوه، وألقى بيده إلى التهلكه، وعلاه ذلّ الملكة بعد عزّ المملكة، وطرح جبينه في التراب، وكان جبينا لا يتعاطاه طارح، وبذل مبلغا من القطيعة لا يطمح إليه طرف آمل طامح، وقال: هاهنا أسارى مؤمنون يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنهم إن هجمت عليهم الدار، وحمّلت الحرب على ظهورهم الأوزار، بدى بهم فعجّلوا وثنّى بنساء الفرنج وأطفالهم فقتّلوا؛ ثم استقتلوا بعد ذلك فلم يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف، ولم يسلّ سيف من يد إلا بعد أن تنقطع أو ينقصف، وأشار الأمراء
بالأخذ بالميسور، من البلد المأسور، فإنه إن أخذ حربا فلا بد أن تقتحم الرجال الأنجاد، وتبذل أنفسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد؛ وكانت الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، واعتاق الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون؛ وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكّان، فحدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان؛ لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحقّ وأسخطهم، فإنهم - خذلهم الله - حموها بالأسل والصّفاح [وبنوها بالعمد والصّفاح]، أودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية والأستبارية منها كل غريبة من الرخام الذى يطّرد ماؤه، ولا يطرد لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنّن في توشيعه، إلى صار الحديد، الذى فيه بأس شديد، كالذهب الذى فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض، لها من بياض الترخيم رقراق [وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق].
وأوعز الخادم بردّ الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود.
وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شهر شعبان فكادت السموات يتفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب [منها] ينتثرن للطرب لا للوجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد، وكانت طرائقها مسدودة، وظهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة؛ وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها [وجهرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها]، وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحّب به ترحيب من برّ بمن برّ، وخفق علماه في حفافيه، فلو طار به سرورا لطار بجناحيه.
وكتاب الخادم وهو مجدّ في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ماضاق بتمادى الحرب من الصدور، فإنّ قوى العساكر قد استنفدت مواردها، [وأيام الشتاء قد مردت مواردها]، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها؛ فهى بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجمّ ولا تستنفد، وينفق عليها ولا ينفق منها؛ وتجهّز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط لبرّها، ويدأب في عمارة أسوارها، ومرمّات معاقلها، وكلّ مشقة فهى بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج فيما بعد ذلك مذاهبها غير مرجئة ولا معتزلة، فلن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن تزول أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع.
وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفّذنا لسانا شارحا، ومبشّرا صالحا؛ ينشر الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرّة من طليعته إلى ساقته».