الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(32)
نسخة خطاب مرسل إلى الملك العادل أبى بكر بن أيوب في جواب كتاب ورد منه بالبشارة بفتح خلاط
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 7، ص 88 - 89)
أدام الله سلطان مولانا الملك العادل وزاده من فضله!، ومدّ على خلقه وارف ظلّه، وأظهر به دينه على الدّين كلّه؛ وأوضح إلى مرضاته ما يسلكه من سبله، ولا عدمت يد الإسلام والمسلمين التعلّق بوثيق حبله؛ وفرّج به الخطط المطبقة، وفتح به البلاد المستغلقة، وأخضع لطاعته الأعناق، وعمّ بفتوحه الآفاق؛ ودمّر الكفر بمقامه، وطوى أيّامهم بما ينشره ويديمه من أيامه، وأنزل النصر في مواقف النّزال بما ترفعه راياته من أعلامه.
وقف المملوك على ما أنعم به مولانا: من كتاب البشارة التي وصلت إلى كلّ قلب وسمع، وأمّل بها كلّ مسلم كلّ خير ونفع؛ وعلم ما وراءها من جمع شمل كان عزيز الجمع، وعلم ما يتبعها من عواطف مولانا التي عوّدها منه أكرم طبع؛ وتحقّق أن الله سبحانه قد قلّد الدين منه سيفا خلقه للوصل، وخلق السّيوف للقطع.
وبالجملة إن الله سبحانه نظر إلى هذه الملّة بنظر مولانا لها، وكفالته لأهلها، وسياستهم بشرف السجيّة وعدلها؛ وإنّ كل ما اختلس الملك الناصر رحمه الله فإن الله يتمّه على يديه، ويجبر به تارة بصفحه وتارة بحدّيه، ويهب له
عمرا نوحيّا إلى أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، وإلى أن يورث الإسلام بسيفه منهم أرضا ومالا وديارا؛ وهذه مخايل لا يخلف الله بارقتها، بل يردّ إلى جهة الكفر صاعقتها؛ فما يحسب المملوك أنّ جانبا يتلوّى على طاعة مولانا ولا ينحرف، ولا أنّ كلمة عليه بعد اليوم تختلف، ولا أنّ ممتنعا بالأمس يكون معه اليوم إلا أن يرضى عنه مولانا وعليه ينعطف.
وعلى هذا فالشام الفرنجىّ متأخّذ بجناح إلى الأخذ وبقية عمر المؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم لا ثمن لها، والفرص تمرّ مرّ السحاب، والمستعاذ بالله من حسرات الفوت بعد الإمكان {(وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)} ، وما يشخص لخطاب الله تعالى بالجهاد إلا مولانا، النية خالصة، والبصيرة ثاقبة، والعزيمة ماضية؛ والشجاعة منحة من الله له موهوبة، والسماحة خليفة من خلائقه الكريمة موجودة؛ والرجال تطأ عقبيه، والملوك تطيع أمره، والشّجعان تبذل أنفسهم بين يديه، والعدوّ يعرف منه خصما طالما خاطبه بلسان السيف منه إليه، وليس كلّ من قدر عليه أراده. وعكّا أقرب من (خلاط) وأنفع المسلمين فتحا، وأعظم في الكفّار قدحا؛ فو الله لئن انغلق باب الشام في وجه الكفر، لتنقطعنّ آمال أهل البحر والبرّ، وما دام في الشام بقية من الكفر فهو يقبل الزّيادة، وينتظر النّجدة ويؤمّل الاستعادة؛ وما كررّ المملوك هذا الحديث جهلا بما يجب في خدمة الملوك من الأدب في أن لا يتكلّم في القضية إلا من استشير فيها، ولا يجترئ على الكلام إلا إذا كان مجيبا بما يؤمر بالإجابة عنه، ولكن المملوك غلب على الصّحبة، وانقطع عن الخدمة؛ وعلم أنه لو كان حاضرا لكان مولانا يبسطه ولا يقبضه، ويستشفّ ما عنده ويستعرضه، ويشفّع قلبه في لسانه إذا هفا، ويحمله على صفاء ضميره فيما يقوله فلا يقابل
بالتكدير من صفا؛ فقد علم الله أن المملوك يتمنّى للمسلمين أن يردّ عليهم حقّهم، وترجع إليهم بلادهم؛ وأن تكون هذه الأمنيّة جارية على يد مولانا ومستفادة من عزيمته، ومكتوبة في صحيفته؛ ومغتنمة فيما يمدّه الله في حياته؛ فإن الأمور فيما بعد ملموحه، ولكن أبواب قدرة الله مفتوحه، فالله يجعل منها أن يفتح على مولانا فيه بلاد الساحل، وأن يأخذ للإسلام به أهبة المقيم وللمقيم أهبة الراحل؛ وما يخلط المملوك هذا المهمّ بغيره، طالع به، ولمولانا علوّ الرأى.