الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(26)
خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 6، ص 504 - 506)
أسعد الله عظماء الأملاك بالانتساب إلى الخدمة الشريفة النبوية، وأوزعهم ما أمرهم به من طاعتها، وخلّد ملك الديوان العزيز النبوى ما دامت الأفلاك قائمة، والنجوم ناجمة، ونقع بغمائمها غلل الآمال الحائمة، وفسّر بمكارمها حلم الأمانى الحالمة، ورتق بتدبيراتها المعصومة فتوق النّوب المتعاظمة، وأظهر على أيدى أوليائها معجزات نصرها، وصرّف الأيام والليالى بين المرضيين لله نهيها وأمرها، وأودع بركات السماء والأرض بمودعها ومستقرّها.
المملوك - وإن كان قد يسّر الله له مذ أطلقت عذبة لسانه، خدمة الدولة العباسية، فتفسّح في وسيع مآثرها، وتخيّر من بديع جواهرها، وامتاح من نمير زواخرها، فإنه لا يعتذر عن الحصر الذى اعتراه في وصف المنعم عليه به من الخطاب الشريف، الذى لولا أنّ عصمة الموالاة تثبّت فؤاده الخافق، وتسدّد لسانه الناطق، لما تعاطى وصف ما أعطاه من كتابه المرقوم، وسبق إليه من سحابه المركوم، فإنه مما يشفّ عنه الأمل ناكصا وهو كسير، وينقلب دونه البصر خاسئا وهو حسير، إلا أن الإنعام الشريف يبدأ الأولياء بما لو وكلهم إلى أمانيهم لتهيّبت أن تتعاطى حظيّته، ولو فوّضه إلى راحتهم، لنكلت عن أن تترقى
نصيّته، ولا غرو للسحاب أن يصافح قطره الثرى، والفجر أن يشرق نوره على عين الكرى والسرى.
فالحمد لله الذى قرّب على المملوك منال الآمال، وثبّت حصاة فؤاده لما لا تستقل بحمله صمّ الجبال، ويستنيب عن جهر الشكر بسرّ الأدعية، ويقتصر على ما يفضى به إلى المحاريب وإن لم يقصّر عمّا يقصّه في الأندية؛ ويطالع بأن مملوك الخدمه وابن مملوكها أخذ الكتاب بقوة، وشمّر لخدمة أشرف خلافة لأشرف نبوة، وتلقّاه تلقى أبيه الأول الكلمات؛ ورأى إطلاع الله لأمير المؤمنين على ما في ضميره من طاعته، إحدى المعجزات والكرامات، وسمع المشافهة خاشعا متصدعا، واشتمل عليها بفهمه ساميا طرفه متطلعا.
ولقد أشبه هذا الكتاب الكريم بيعة أخذت عليه، مدّ إليها يده آخذا بكلتا يديه، والمملوك يرجو، بل يتحقق، أن هذا العبد المشار إليه، سيوفى على سابقه من عبيد الدولة العباسية في الزمان، ويكون بمشيئة الله أسبق منهم بالإحسان؛ وقد صدرت خدمتان من جهته، وبعدهما تصدر الخدم، ولا يألو جهدا في الخدمتين مباشرا بيده السيف، ومستنيبا عنها العلم، وله نصرة باقية في الولاء وهو غنى بها عن النصير، وسريرة بادية في الطاعة هو إليها أسكن منها إلى كل مشير.
يعود المملوك إلى ما لا يزال يفتتح به الصلوات المفروضة، ويختتم به الختمات المعروضه؛ من الدعاء الصالح الذى [وإن] أغنى الله وليّه عنه فقد أحوج ذوى العقائد السليمة إليه؛ لأنه مزكّ لأعمالهم؛ بل متمم لإسلامهم، وكيف لا يدعون لمن يدعون به يوم يدعى كلّ أناس بإمامهم، فيقول: جمع الله لأمير المؤمنين طاعة خلقه! وأذلّ رقاب الباطل سيف حقه!، وجعل الله ما هو
قبضته في الأخرى قبضة أمير المؤمنين في الأولى! من الأرض التي هى موطوءة كالسموات العلى، وأدام نعمه على هذه الأمة بإمامته، وأظهر كرامة نبيّه عليه السلام بما يظاهره من كرامته؛ وعجّل لمن لا يقوم بغرض ولايته إقامة قيامته، وردّ بسيوفه التي لا تردّ ما الإسلام ممطول به من ظلامته، وأقام به مناهج الدين لأهله، وأظهره بمظاهرته على الدين كلّه، حتى يلقى الله وما خلّف في الدنيا كافرا ولا ضميرا إلا بالتوحيد عامرا، ولا بلدا إلا وقد بات الإسلام به آهلا، وقد أصبح منه الكفر دائرا، إن شاء الله تعالى.