الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(33)
نسخة توقيع صادر عن السلطان صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل أبى بكر بإقطاع بالديار المصرية، وبلاد الشام، وبلاد الجزيرة، وديار بكر، وذلك في سنة 580 هـ بعد الانفصال من حرب الفرنج بعكا وعقد الهدنة معهم
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 13، ص 144 - 148)
الحمد لله الذى جعل أيامنا حسانا، وأعلى لنا يدا ولسانا، وأطاب محتدنا أوراقا وأغصانا، ورفع لمجدنا لواء ولجدنا برهانا؛ وحقق فينا قوله:({سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً}).
نحمده على سبوغ نعمته، ونسأله أن يجعلنا من الداخلين في رحمته.
ثم نصلى على رسوله محمد الذى أيده بحكمته، وعصمه من الناس بعصمته، وأخرج به كل قلب من ظلمته؛ وعلى آله وأصحابه الذين خلفوه فأحسنوا الخلافة في أمته.
أما بعد، فإن فروع الشجرة يأوى بعضها إلى بعض لمكان قربه، ويؤثر بعضها من فضل شربه؛ ونحن أهل بيت عرف منا وفاق القلوب ودا، وإيثار الأيدى رفدا، وذلك وإن كان من الحسنات التي يكثر فيها إثبات الأقلام، فإنه من مصالح الملك التي دلت عليها تجارب الأيام، وكلا هذين الأمرين مشكورة مذاهبه، محمودة عواقبه، مرفوعة على رءوس الأشهاد مناقبه، وما من أحد من أدانينا إلا وقد وسمناه بعوارف يختال في ملابسها، ويسر في كل حين بزفاف
عرائسها، ولم نرض في بل أرحامهم بمواصلة سلامها دون مواصلة برها وإدناء مجالسها؛ ولإخوتنا من ذلك أوفر الأقسام، كما أن لهم منازحما هو أقرب الأرحام؛ وقد أمرنا بتجديد العارفة لأخينا الملك العادل، الأجلّ السيد، الكبير؛ سيف الدين، ناصر الإسلام «أبى بكر» أبقاه الله. ولو لم نفعل ذلك قضاء لحق إخائه الذى ترف عليه حوانى الأضالع، لفعلناه جزاء لذائع خدمه التي هى نعم الذرائع؛ فهو من لزوم آداب الخدمة بعيد وقف منها على قدم الاجتهاد، وفى لحمة شوابك النسب قريب وصل حرمة نسبه بحرمة الوداد؛ وعنده من الغناء ما يحكم لآماله ببسطة الخيار، ويرفع مكانته عن مكانة الأشباه والأنظار، ويجعله شريكا في الملك والشريك مساو في النقض والإمرار؛ فكم من موقف وقفه في خدمتنا فجعل وعره سهلا، وفاز فيه بإرضائنا وبفضيلة التقدم فانقلب بالمجندين إرضاء وفضلا، ويكفى من ذلك ما أبلاه من لقاء العدو الكافر الذى استشرى في هياجه، وتمادى في لجاجه، ونزل على ساحل البحر فأطل عليه بمثل أمواجه، وقال:
لا براح، دون استفتاح، الأمر الذى عسرت معالجة رتاجه؛ وتلك وقائع استضأنا فيها برأيه الذى ينوب مناب الكمين في مضمره، وسيفه الذى ينسب من الاسم إلى أبيضه ومن اللون إلى أخضره، ولقد استغنينا عنهما بنضرة لقبه الذى تولت يد الله طبع فضله، وعنيت يد السيادة برونق صقله، فهو يفرى قلوب الأعداء قبل الأجساد، ويسرى إليهم من غير حامل لمناط النجاد، ويستقصى في استلابهم حتى ينتزع من عيونهم لذة الرقاد، وليس للحديد جوهر معدنه المستخرج من زكاء الحسيب، وإذا استنجد قيل له: ياذا المعالى! كما يقال لسميّه: ياذا الشطب، ولو أخذنا في شرح مناقبه، لظل القلم واقفا على أعواد منبره، وامتد شأو القول فيه فلم ينته مورده إلى مصدره، فمهما خولناه من العطايا فإنه يسير في جنب غنائه، ومهما أثنينا عليه فإنه سطر في كتاب ثنائه.
وقد جعلنا له من البلاد ما هو مقتسم من الديار المصرية والشامية، وبلاد الجزيرة وديار بكر: ليكون له من كل حظ تفيض يده في أمواله، ويركب في حشد من رجاله؛ ويصبح وهو في كل جانب من جوانب ملكنا كالطليعة في تقدم مكانها، وكالربيئة في إسهار أجفانها. فليتسلم ذلك بيد معظم قدرا، ولا يستكثر كثرا، ويحمل منها رفدها غيثا أو بحرا؛ كذلك فليعدل في الرعيّة الذين هم عنده ودائع، وليجاوز بهم درجة العدل إلى إحسان الصنائع، فإذا أسند هذا الأمر إلى ولاته فليكونوا تقاة لا يجد الهوى عليهم سبيلا، ولا يحمد الشيطان عندهم مقيلا، وإذا حملوا ثقلا لا يجدون حمله ثقيلا.
وقد فشا في هذا الزمن أخذ الرشوة، وهى سحت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبذه، ونهى عن أخذه، وعن الرغبة في تداوله، وهو كأخذ الربا الذى قرنت اللعنة بمؤكله وآكله.
وأما القضاة الذين هم للشريعة أوتاد، ولأعضاء أحكامها أجناد، ولحفظ علومها كنوز لا يتطرق إليها النفاد، فينبغى أن يعول فيهم على الواحد دون الإثنين، وأن يستعان منهم في الفصل بذى الأيدى، وفى اليقظة بذى اليدين، ومن رام هذا المنصب سائلا فليلمه وليغلظ القول في تجريع ملامه، وليعرف أنه ممن رام أمرا فأخطأ الطريق في استجلاب مرامه، وأمر الحكام لا يتولاه من سأله، وإنما يتولاه من غفل عنه وأغفله.
وإذا قضينا حق الله في هذه الوصايا فلنعطقها على ما يكون لها تابعا، ولقواعد الملك رافعا، وذاك أن البلاد التي أضفناها إليك: فيها مدن ذات أعمال واسعة، ومعاقل [ذات] حصانة مانعة، وكلها يفتقر إلى استخدام الفكر في تدبيره، وتصريف الزمان في تعميره، فولّ وجهك إليها غير وان في تكثير قليلها،
وترويض مخيلها، وبث الأمنة على أوساطها، وإهداء الغبطة إلى أفئدة أهلها حتى تسمع باغتباطها، وعند ذلك يتحدث كل منهم بلسان الشكور، ويتمثل بقوله تعالى:({بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}).
واعلم أنه قد يجاورك في بعضها جبران ذو بلاد وعساكر، وأسرة ومنابر، وأوائل للمجد وأواخر، وما منهم إلا من يتمسك منا بود سليم، وعهد قديم، وله مساعدة نعرف له حقها (والحق يعرفه الكريم).
فكن لهؤلاء جارا يودون جواره، ويحمدون آثاره، وإن سألوك عهدا فابذله لهم بذل وفىّ واقف على السنن، مساو بين السر والعلن، ولا يكن وفاؤك لخوف تتّقى مراصده، ولا لرجاء ترقب فوائده، فالله قد أغناك أن تكون إلى المعاهدة لاجيا، وجعلك بنا مخوفا ومرجوا لا خائفا ولا راجيا، وقد زدناك فضلة في محلك تكون بها على غيرك مفضلا، وقد كنت من قبلها أعز فأوفت بك أغر محجلا، وذاك أنّا جعلناك على آية الخيل تقودها إلى خوض الغمار، وتصرفها في منارل الأسفار، وترتب قلوبها وأجنحتها على اختلاف مراتب الأطوار، فنحن لا نلقى عدوا ولا ننهد إلى بلد إلا وأنت كوكبنا الذى نهتدى بمطلعه، ومفتاحنا الذى نستفتح المغلق بيمن موقعه، ونوقن بالنصر في ذهابه وبالغنيمة في مرجعه، والله يشرح لك صدرا، وبيسر لك منا أمرا، ويشد أزرنا بك كما شد لموسى بأخيه أزرا، والسلام.