الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحوالُ إرثِ الأولادِ:
وللأولادِ في الميراثِ باعتبارِ جنسِهم وعَدَدِهم حالاتٌ ثلاثٌ:
الحالةُ الأُولى: إذا كان الوارثُ ذَكَرَا، سواءٌ كان واحدًا أو أكثَرَ مِن ذلك، فلهم جميعُ المالِ يتقاسَمُونَهُ بينَهم بالسويَّةِ إذا لم يُوجَدِ الأصلُ الوارثُ، وهما الأبوان، فللأبوَينِ مع الأولادِ السُّدُسُ، وللولدِ الباقي واحدًا أو جماعةً بلا خلافٍ.
الحالة الثانيةُ: إذا كان الوارثُ أُنثَى، فإن كانت واحدةً، فلها النِّصْفُ، وإن كانَتَا اثنتَينِ فأكثَرَ، فلهما الثلُثانِ بالسويَّةِ بينَهُنَّ، وُجِدَ الأبوانِ أو لم يُوجَدَا، فنِصَابُ البناتِ واحدٌ بلا خلافٍ.
الحالةُ الثالثةُ: إذا كان الوارثُ مِن الجنسَيْنِ ذكورًا وإناثًا، فللذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِن المالِ كلِّه إذا لم يُوجَدْ أبوان، وإن وُجِدَا أو أحدُهما، فلكلِّ واحدٍ مِن الأبوينِ السدُسُ، والباقي للأبناء، للذَّكَرِ مِثلُ حظ الأُنْثَيَيْن، بلا خلافٍ؛ لظاهِرِ الآيةِ.
الوارثُ الابنُ الواحدُ له المالُ كاملًا؛ لأنَّ هذا ظاهِرُ الآيةِ ومفهومُها، فقوله:{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ، وقولُه:{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} : ظاهِرُهُ: أنَّ حَظَّ البنتِ وحْدَها النصفُ، فكذلك حظُّ الابنِ المالُ كاملًا إنْ كان وحدَهُ؛ لأنَّه ضِعفُ نصيبِ البنتِ وحدَها، وهكذا فالولدُ وحدَهُ مع أبيهِ أَوْلى مِن الأخِ وحدَهُ مع أختِه؛ فاللهُ يقولُ في الكلالةِ:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176].
وهذا لا خلافَ فيه؛ حَكَى الإجماعَ عليه جماعةٌ، كابنِ عبدِ البَرِّ وابنِ رُشدٍ وغيرِهما.
حكمُ الاثنتينِ من البناتِ حكم الثلاثِ في الميراث:
واتِّفاقُ العلماءِ على أنَّ حُكمَ الاثنتَيْنِ كحُكْمِ الثلاث، وما زاد
عليهنَّ لهنَّ الثلُثان، ويُحكى خلافُ هذا بسندٍ لا يَثْبُتُ عن ابنِ عبَّاسٍ في البنتَيْن، قال: إنَّ الاثنتَينِ كالواحدةِ، لا كالثلاثِ وما زاد، وإنَّ الثلُثَيْنِ لما زاد على اثنتَيْنِ؛ لظاهِرِ الآيةِ في قوله:{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} .
وهو قولٌ لا يُعلَمُ مَن قال به من الصحابة، وقال بشذودِه وعدمِ صحَّتِه بعضُ العلماء، كابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه (1).
وأمَّا القولُ بأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فهذا مِن مسائلِ الخلافِ، والأخذُ بأحدِ القولَيْنِ مِن مواضِعِ الاجتهاد، ولكنْ في غيرِ مواضِعِ الإجماع، وفي غيرِ ما دَلَّ الدليلُ على خلافِه، كما في مسألةِ البنتَيْنِ والإخوةِ مع الأمِّ في قولِ اللهِ تعالى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} ، فعلى القولِ بأنَّ أقَلَّ الجمع ثلاثةٌ، لا يَحْجُبُ الأمَّ مِن الثلُثِ إلى السدُسِ إلا ثلاثةٌ مِن الإخوةِ فما زاد؛ لأنَّه أقلُّ الجمعِ.
وقد يقولُ بعضُ الأئمَّةِ: إنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، في أصلِه، ويقولونَ بخلافِهِ في التنزيلِ؛ لأدلَّةِ خاصَّةٍ؛ كالحنابلةِ: يقولونَ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، ويرَوْنَ أنَّ جماعةَ الصلاةِ تَنعقِدُ باثنَيْنِ.
والقولُ بأنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةٌ هو قول الجمهور، خلافًا للمالكيَّةِ والظاهريَّةِ الذين يرَوْنَ أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنانِ.
وربَّما أخَذَ بعضُ الفقهاءِ بأنَّ أقلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، وجعَلَهُ في بعضِ المواضِعِ اثنَيْنِ مجازًا.
واللهُ ذَكَرَ الإخوةَ في الآية، ولم يذكُرِ الأخَ الواحدَ، بخلافِ فَرْضِهِ في البنتِ؛ فاللهُ ذَكَرَ البناتِ ثم ذكَرَ البنتَ الواحدةَ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ الواحدةَ خاصَّةٌ بحُكْمٍ لا يُشارِكُها الاثنتانِ والثلاث.
(1)"الاستذكار"(15/ 389).
والحقُّ ما عليه عامَّةُ العلماءِ؛ فإنَّ قولَه: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} ؛ يعني: اثنتَيْنِ وزيادةً، فقولُه:{فَوْقَ} صلةٌ وزيادةٌ، كما في قولهِ تعالى:{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: 12]؛ أي: الأعناقَ وما عَلَاهَا منها.
وبهذا جاء الحديثُ؛ كما في "المُسنَدِ"، و"السنن"؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عن جابرٍ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ (1).
وقد ثبَتَ عن ابنِ عبَّاسٍ ما يُوافِقُ فيه عامَّةَ العلماءِ؛ كما رواهُ الزهريُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ للبنتَيْنِ الثلُثَيْنِ (2).
وهذا يدُلُّ على نكار ما يُحكَى عنه بأنَّ البنتَينِ تأخُذَانِ النصفَ كالبنتِ.
واللهُ تعالى قال: {فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} ؛ لبيانِ المُفارَقةِ بينَ الوارِثةِ الأُنثى الواحدةِ وغيرِها، فلو كان الإرثُ على هذا القولِ الشاذِّ، فيكونُ للواحدةِ النصفُ، وللثلاثِ الثلُثان، وتبقَى الاثنتانِ مِن غيرِ بيانٍ، وهذا غيرُ واردٍ في القرآنِ، فلا يُمكِنُ أنْ تُوصَفَ الاثنتانِ بدخُولِهما في قوله:{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} ؛ للإجماعِ في اللُّغةِ والشرعِ على عدمِ صحَّةِ ذلك ولا جوازِه؛ فدخولُ الاثنتَيْنِ في حُكمِ الثلاثِ أَوْلى مِن دخولِه في حُكمِ الواحدةِ في اللغةِ والشرعِ؛ وهذا دليلٌ على أنَّ حُكْمَ النصفِ خاصٌّ بالواحدة، لا بالاثنتَيْن، وأنَّ قولَه:{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} ؛ يعني: مَن خرَجَ عن الواحدةِ اثنتَيْن وزيادةَ فلهما الثلُثانِ.
وذكَرَ تعالى: {فَوْقَ} ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُكْمَ خاصٌّ بالاثنتَيْنِ؛ فيُحتاجَ إلى البيانِ الجديدِ فيما زادَ على ذلك.
(1) أخرجه أحمد (14798)(3/ 352)، وأبو داود (2891)(3/ 120)، والترمذي (2092)(4/ 414).
(2)
"الاستذكار"(15/ 390).