الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرَّضاعةِ، وأنَّ حُرْمة الرَّضاعة في النِّكاح كحُرْمة النَّسبِ، وليس الرَّضاعُ رحِمًا؛ لأنَّ من اتَّصلت بواسطته لم تُدْل برحِمٍ؛ وإنَّما برَضاعٍ.
وأدْنى المُحرَّماتِ مِن النَّسَب: كبنات الأخ والأخت أعظم من أعْلى المُحرَّمات من الرَّضاع كالأمِّ من الرَّضاع وإن اشتركن في التحريم؛ لأنَّ أبعد الرَّحِم المُحرَّم أقوى مِن أدني الرَّضاع وأقربه؛ فليس الرَّضاعُ رحِمًا يجب وصلُه، ولا عاقلةً يعقل الدية عنه، ولا يلحَق به نسبٌ، وفي "الصحيح": أنَّ عائشة استأذن عليها عمُّها من الرَّضاع، فلم تأذن له حتى سألَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأمرها بالإذن له بالدخول عليها (1)، وفي هذا دليلٌ على أنَّه لم يدخل عليها ولم تدخل عليه من قبل، فلم ينهها النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن قطيعته السابقة؛ لعدم وجوب صلته عليها.
ولذا أخَّر الله أقرب المُحرَّماتِ من الرَّضاع - وهنَّ الأمَّهاتُ - بعد أبعد المُحرَّمات مِن النَّسب، وهنَّ بناتُ الأخ والأخت.
وقولُه تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} ولا خلافَ في حُرْمة الأخت مِن الرَّضاعةِ.
انتشار حُرْمة الرضاع من الأب والأمِّ:
واتَّفق العلماء في ثبوت مَحْرَميّة الرَّضاع في الأمِّ ومن يُدْلي بها، وأمَّا ثُبُوتُ مَحْرَميّة الرَّضاع للأب ومن يُدْلي بواسطتِه وحده كأب الأب وإخوته وأعمامه وأخواله، فعامَّة السلفِ على ثبوت المحرميَّة للأب ومن في جهتِه كالأُمِّ؛ وبه ثبت الدليل؛ ففي "الصحيح"، عن عائشة؛ أنَّ أخا أبي القُعَيس استأذن عليها، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:(ائْذَني لَهُ؛ فإنَّهُ عمُّكِ)(2).
وأبو القُعَيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة.
(1) أخرجه البخاري (2644)(3/ 169)، ومسلم (1445)(2/ 1070).
(2)
أخرجه البخاري (4796)(6/ 120)، ومسلم (1445)(2/ 1069).
روي سالمٌ، عن ابن عمر؛ قال:"لا بأسَ بلبن الفَحْل"(1).
وروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عمرو بن الشَّريدِ؛ قال: سُئل ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ كانت له امرأتان، فأرضعت إحْدَاهما غُلامًا، وأرضعتِ الأخرى جاريةً، فقيل له: هل يتزوَّج الغلام الجارية؟ فقال: "لا؛ اللِّقاحُ وَاحِدٌ"(2).
ولا مخالف لهم من الصحابة، وأمَّا ما رواه مالكٌ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ أنَّها كان يدْخل عليها مَن أرضَعَتْه أخواتُها وبناتُ أخيها، ولا يدْخُلُ عليها مَن أرضعه نِساءُ إخوتها (3) ، فهذا عملٌ لا رفعٌ للتحريم، وقد يكون حامل ذلك الورع، وقد أدخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها عمَّها من الرَّضاعة؛ فلا يُتصوَّر أن تقول بخلافِه.
وبه قال عروة والزُّهريُّ وطاوسٌ وعطاءٌ ومجاهدٌ ومكحولٌ والنَّخعيُّ؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة؛ لثبوت الدليل في مُشابهة التحريم من جهات الرَّضاع كالتحريم من جهات النَّسبِ؛ لهذه الآية، فتخصيصُ الأمَّهات والأخوات بالذِّكر، لا يُخرج البنات من الرَّضاعة؛ لأنَّهنَّ أولى بالتحريم من الأخوات، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(يحْرُمُ من الرَّضاعة ما يحْرُمُ مِن الوِلادَةِ)؛ مِن حديث عمرَةَ عن عائشة؛ أخرجه الشيخانِ (4).
وذهب بعض السلف: إلى أنَّ التحريم لا يكونُ من جهة الرَّجلِ، وهو الأب وأصولُهُ وفروعُهُ وحواشيه؛ وإنما من جهة الأمِّ خاصَّةً وفروعها وحواشيها، ورُوي هذا القول عن ابن المسيَّب وسليمان بن يسارٍ
(1) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(13943)(7/ 474).
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(5)(2/ 602).
(3)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(9)(2/ 604).
(4)
أخرجه البخاري (2646)(3/ 170)، ومسلم (1444)(2/ 1068).