الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ بيَّنَ اللهُ عِصْمةَ مالِ الزوجةِ ومهرِها، وأنَّه لا يجوزُ أَخْذُهُ لمجرَّدِ مُفارقتِها؛ لِيَنْكِحَ الرجلُ زوجةً أُخرى بمهرِها، وقولُه:{وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} ؛ يعني: ولو كان مهرُها كثيرًا كقِنْطارِ الذهبِ، فلا يجوزُ أخذُ شيءٍ منه ولو قَلَّ، وبيَّنَ أنَّ أَخْذَهُ كبيرةٌ:{أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} ، وقال:{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} ، وهذانِ استفهامانِ استنكاريَّانِ.
وقولُه: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} ؛ أيْ: تَبَادَلْتُما الحقوقَ والنفعَ والإحسانَ بالعِشْرةِ والجِمَاعِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (1).
وقولُه: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} ؛ يعني: عقدَ النِّكَاحٍ والمهرَ معه باستحلالِ فَرْجِها به: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]؛ فما تَملَّكْنَهُ لا يُؤخَذُ منهنَّ بغيرِ حقٍّ.
حكمُ الخُلْعِ قبل الدخولِ:
وقد أخَذَ بعضُ العلماء مِن مفهومِ خِطابِ الآيةِ: جوارَ المخالَعةِ قبلَ إفضاءِ الزوجَيْنِ بعضِهما إلى بعضٍ، وقبلَ الدخولِ؛ وبهذا قال الشافعيُّ.
وذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ الخُلْعَ قلَ الخَلْوَةِ بالزوجةِ جائزٌ؛ لمفهومِ الآيةِ، ولو لم تأتِ الزوجةُ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ؛ لعدمِ الإفضاءِ بينَهما والمعاشرةِ التي قُيِّدَ تحريمُ أخذِ المالِ لأجلِه.
والأظهَرُ: أنَّ الآيةَ عامَّةٌ، والتعليلَ بالإفضاءِ للغالبِ مِن حالِ الزوجَيْنِ: أنَّهما يتفارَقانِ بعدَ الدخُولِ لا قَبْلَه، وللتنفيرِ ممِّا يُستقبَحُ أنْ يُؤخَذَ المهرُ بعدَ ما كان بينَهما مِن عِشْرةٍ وإفضاءٍ؛ فالنهيُ في الآيةِ عامٌّ، والتعليلُ للعمومِ لا للتقييد، وكذلك لعمومِ آيةِ البقرةِ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
(1)"تفسير الطبري"(6/ 542)، و"تفسير ابن المنذر"(2/ 616)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 908).
تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 229].
* * *
قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22].
نزَلَتِ الآيةُ لتساهُلِ أهلِ الجاهليَّةِ في نكاحِ زوجاتِ آبائِهم؛ فقد روى ابنُ أبي حاتم وغيرُه، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ؛ قال: لمَّا تُوُفِّيَ أبَو قيسٍ - يعني: ابنَ الأَسْلَتِ - وكان مِن صالِحي الأنصار، فخطَبَ ابنُهُ قيسٌ امرأتَهُ، فقالتْ: إنَّما أَعُدُّكَ ولدًا! وأنتَ مِن صالِحِي قومِكَ، ولكنْ آتِي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأَسْتَأْمِرُهُ، فأتَتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: إنَّ أبا قيسٍ تُوفِّيَ، فقال خيرًا، ثمَّ قالتْ: إنَّ ابنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي، وهو مِن صالِحِي قَوْمِه، وإنَّما كنتُ أَعُدُّهُ ولدًا، فما تَرَى؟ فقال لها:(ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ)، فنزَلَتِ الآيةُ بالتحريمِ (1).
وبنحوِه رواهُ ابنُ جُرَيجٍ، عن عِكْرِمةَ، مُرْسَلًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (2).
وقد ذَكَرَ اللهُ المواريثَ، ثمَّ أَعْقَبَهَا بذِكْرِ المحرَّماتِ مِن النِّساءِ؛ لمعرفةِ حقوقِ القَرَابَاتِ وفَضْلِهم في الحياةِ وبعدَ المماتِ، وقدَّمَ في المحرَّماتِ نِكاحَ زوجاتِ الآباءِ على غيرِهنَّ؛ لأنَّه ممَّا يَتساهَلُ به أهلُ الجاهليَّة، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يحرِّمُونَ ما حَرَّمَة اللهُ مِن النِّكاحِ إلا نكاحَ زَوْجاتِ الآباءِ والجَمْعَ بينَ الأُختَيْنِ؛ كما قاله ابنُ عبَّاسٍ (3).
(1)"تفسير ابن المنذر"(2/ 619)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 909).
(2)
"تفسير الطبري"(6/ 523).
(3)
"تفسير الطبري"(6/ 549)، و"تفسير ابن المنذر"(2/ 618).